الأكثر قراءةالأزمة الأوكرانيةأسواق وقضايا الطاقة

الحزمة السادسة من العقوبات الأوروبية على روسيا.. هل سيكون اليورانيوم ورقة بوتين الأخيرة؟

التصعيد ما زال مستمرًا في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، والعالم يترقب بقلق شديد تبعات هذا التصعيد وآثاره العالمية، والتي عبرت الحدود إلى أبعد مما توقع الخبراء، ويلمس العالم آثارها الاقتصادية في العديد من الأنشطة وعلى رأسها بلا شك قطاع الطاقة، في ظل تمتع روسيا بمكانة قوية في خارطة الطاقة العالمية وأهمية تدفق الإمدادات من شرايين الطاقة الروسية؛ كونها ثاني منتج للنفط الخام في العالم بنحو ١١ مليون برميل يوميًا، وبصادرات تبلغ نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، وكونها كذلك أكبر مصدري الغاز الطبيعي في العالم بما يقارب ٢٣۸٬١ مليار متر مكعب، بفارق كبير وهائل عن أقرب منافسيها الولايات المتحدة الأمريكية والتي تحتل المرتبة الثانية بنحو ١٣٧٬٥ مليار متر مكعب.

وقد فرضت الدول الأوروبية العديد من العقوبات على الاقتصاد الروسي منذ بداية العمليات العسكرية الروسية في الأراضي الأوكرانية. وقبل أيام، سعى الاتحاد الأوروبي بعد تردد دام شهور إلى إصدار الحزمة السادسة من العقوبات بعد ٥ حزمٍ سابقة، كان آخرها في بداية شهر أبريل الماضي، ولكن الحزمة الجديدة وهي المتعلقة بقطاع الطاقة الروسي واجهت بعض العقبات لإقرارها بشكل كامل في ضوء التبعات الاقتصادية على أوروبا نفسها وليست روسيا وحدها.

وفي النهاية، انتصرت كييف في معركة الحظر الأوروبي على النفط الروسي، والذي من شأنه أن يساعد على تجفيف تمويل آلة الحرب الروسية، وتمزيق ورقة من أوراق بوتين الكثيرة، لكن القوات الروسية لا تزال تركز ضرباتها اليوم على شرق أوكرانيا خصوصًا على مدينة سيفيرودونيتسك الرئيسية في إقليم دونباس.

اجتماع بروكسل وورقة الحظر الأخيرة

طغت الخلافات السياسية طويلًا بين القادة الأوروبية على بنود ونقاط حزمة العقوبات السادسة، والتي تُعد آخر أوراق القارة، وهو الأمر الذي انتقده الرئيس الأوكراني زيلينسكي بشدة وقال في مداخلة عبر تقنية الفيديو مخاطبًا الساسة الأوروبيين “يجب أن تتوقف الخلافات في القارة الأوروبية ويجب أن تظهر أوروبا قوتها لأن روسيا لا تفهم إلا منطق القوة”. 

وبعد خلاف طويل، اتفق زعماء الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ على حظر بنسبة 75% على واردات النفط الروسي المنقول بحرًا، وسترتفع النسبة إلى أكثر من ۹٠٪ بنهاية العام الحالي. وتُعد هذه العقوبة هي الأقوى حتى الآن من العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو منذ غزوها لأوكرانيا قبل أكثر من ثلاثة أشهر. وتعفى من الحظر واردات النفط عبر خطوط أنابيب من روسيا كامتياز خاص للمجر، والاتفاق على حظر تدريجي سيشمل في البداية واردات النفط الذي تصدره روسيا عبر السفن فقط -أي ثلثي المشتريات الأوروبية من الذهب الأسود الروسي- وليس النفط المنقول عبر خطوط الأنابيب، ما سمح برفع الفيتو المجري.

الحزمة السادسة من العقوبات الأوروبية تسعى القارة العجوز من خلالها إلى حظر النفط الروسي بالكامل خلال ٦ أشهر أو بنهاية عام ٢٠٢٢، ولكنها ستسمح للمجر وسلوفاكيا مواصلة استيراد النفط الروسي إلى حين انتهاء العقود الحالية عبر الأنابيب. ولكن هذا المقترح واجه معارضة من عدة دول أوروبية، وكحل وسط تم إعفاء حوالي ١٠٪ من نسبة الحظر المتبقية من الحظر مؤقتًا حتى تتمكن المجر غير المطلة على سواحل ولا يوجد بها ميناء من تعويض الإمدادات.

وموافقة المجر ضرورية لأن العقوبات الأوروبية يجب أن تصدر بالإجماع، واشترطت بودابست الموافقة على ضمانات لتأمين احتياجاتها من الطاقة، بما في ذلك السماح لها باستيراد النفط الروسي المصدر عن طريق البحر إذا ما توقفت إمداداتها عبر خط الأنابيب “دروجبا”. وهذا القرار جعل فيكتور أوربان رئيس الوزراء المجري يخاطب شعبه قائلًا: “يمكن للعائلات المجرية النوم بسلام الليلة بعد استثناء المجر من قرار حظر النفط الروسي”.

فقد اضطر الاتحاد الأوروبي إلى الرضوخ لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ومنح بودابست إعفاء شبه كامل للتوصل لاتفاق، بعدما قضى حوالي أكثر من ٢٠ يومًا في عرقلة قرار الحظر المقترح. وسمحت تلك الخطوة لرؤساء وحكومات الاتحاد الأوروبي بالاحتفال، بعد تبني حزمة سادسة من العقوبات ضد موسكو، والاتفاق على قطع علي بوتين مصدر مهم لتمويل آلة الحرب الروسية.

وفجر الثلاثاء، قالت فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية إن خط أنابيب “آدريا” الذي يزود المجر بالنفط عن طريق كرواتيا يمكن أن تُزاد طاقته في غضون من ٤٠ إلى ٦٠ يومًا تقريبًا ومن خلال استثمارات لم تحدد قيمتها. والجدير بالذكر أن ثلثي النفط الروسي الذي يستورده الاتحاد الأوروبي عبر الناقلات والثلث عبر خط أنابيب “دروجبا”، وبالتالي فإن الحظر المفروض على واردات النفط المنقولة بحرًا ينطبق على ثلثي النفط المستورد من روسيا.

توسيع قائمة العقوبات

إن حزمة العقوبات السادسة هذه لن تتضمن حظر تصدير النفط الروسي فقط، بل وافقت دول الاتحاد الأوروبي على إقصاء ٣ مصارف روسية من نظام سويفت للتحويلات المالية الدولية، من بينها سبيربنك، والذي يُعد أكبر بنك في روسيا والمهيمن على حوالي ثلث القطاع المصرفي فيها. مما يعني إن إدراج هذه المؤسسة المالية الكبيرة على قائمة العقوبات المفروضة على روسيا سيعمل علي زيادة عزلة النظام المالي الروسي، في وقت دخل فيه غزو الجيش الروسي لأوكرانيا شهره الرابع. وتشمل الحزمة السادسة من العقوبات كذلك إدراج حوالي ٦٠ شخصية إضافية على القائمة الأوروبية السوداء، من بين أبرز الذين تقرّر إدراج أسمائهم على القائمة السوداء البطريرك كيريل، رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.

واتفق الاتحاد الأوروبي كذلك على تقديم حزمة قروض تقترب من حوالي ١٠ مليارات دولار لأوكرانيا لمساعدتها على دفع أجور موظفيها، ومواصلة أعمالها الحكومية. وبالإضافة إلى هذا، سيعمل الاتحاد على إنشاء صندوقٍ دولي يساعد على إعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، وتعهد قادة دول الاتحاد بتسريع العمل على مساعدة أوكرانيا لإيصال منتجاتها الزراعية إلى السوق الدولية، وتفعيل مسارات الشحن البري واستخدام الشحن التقليدي، بعد محاصرة روسيا لموانئ التصدير التقليدية.

ألمانيا متمسكة بهدفها أن تصبح مستقلة عن واردات النفط الروسي

 قال المستشار الألماني أولاف شولتس من جانبه، إن ألمانيا متمسكة بهدفها لأن تصبح مستقلة عن واردات النفط الروسي بحلول نهاية عام ٢٠٢٢، مضيفا أنه لم يتم اتخاذ قرار بشأن خيارات التعامل مع مصفاة شفيت النفطية، ويدفع الاتحاد الأوروبي لروسيا حوالي أكثر من ٢٠ مليار يورو شهريًا مقابل النفط، ولذلك فإن الدول الـ ٢٧ تتطلع إلى ضرب المحفظة الروسية بقوة، وعلى الجانب الأخر صرح رئيس وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول بإن أوروبا قد تواجه نقصًا في الوقود هذا الصيف بسبب الشح في أسواق النفط والغاز الطبيعي، ونقل عن بيرول قوله عندما يبدأ موسم العطلات الرئيسي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، سيرتفع الطلب على الوقود، وعندها يمكن أن نشهد نقصًا على سبيل المثال في الديزل أو البنزين أو الكيروسين، خاصة في القارة الأوروبية كما حذر بيرول وفقا للتقرير من أن أزمة الطاقة الحالية أكبر بكثير من صدمات النفط في السبعينيات وأنها ستدوم أيضا لفترة أطول.

الخسائر تعادل ثلث الميزانية العسكرية

بعد قرار الحظر الأوروبي الجزئي للنفط الروسي، صرح وزير الطاقة الأوكراني، هيرمان هالوشينكو، بأن خسائر روسيا من الحظر النفطي ستعادل حوالي ثلث الميزانية العسكرية في روسيا في عام ٢٠٢١، مستندًا إلى بيانات وكالة بلومبرج، ويرى أن قرار حظر النفط الروسي سيفتح الباب أمام موردين جدد، والأهم أنه سيعمل على تقويض قدرة الكرملين الاقتصادية على تمويل الحرب الروسية على أوكرانيا.

ووفقًا لتقديرات وكالة بلومبرج، قد تخسر موسكو أكثر من ٢٢ مليار دولار من عائدات النفط بسبب الحظر، وتصل خسائر روسيا من الحظر المفروض على إمدادات النفط المنقولة بحرًا فقط للدول الأوروبية إلى حوالي ١٠ مليارات دولار. بالإضافة إلى ذلك، قد تخسر روسيا حوالي ١٢ مليار دولار بعد وقف الإمدادات إلى ألمانيا والمجر وذلك من خلال الفرع الشمالي من خط أنابيب “دروجبا”.

وفي الوقت ذاته، ستواصل روسيا الحصول على إيرادات تبلغ نحو ٦ مليارات دولار من الإمدادات عبر الفرع الجنوبي من خط أنابيب “دروجبا”، والذي يزود المجر وجمهورية التشيك وسلوفاكيا بالغاز الطبيعي. وتعتمد تقديرات بلومبرج على بيانات مرتبطة بصادرات روسيا إلى الدول الأوروبية طبقًا لعام ٢٠٢١، ومتوسط سعر تصدير نفط الأورال الروسي والبالغ حوالي ۸٥ دولارًا للبرميل.

إلا أن رئيس مركز تطوير الطاقة الروسي، كيريل ميلنيكوف، كان لديه رأي مختلف في هذا الشأن، وصرح بأن شركات النفط الروسية قد تخسر أقل من ١٠ مليارات دولار بسبب قرار الاتحاد الأوروبي فرض حظر جزئي على إمدادات النفط الروسية. ويرى ميلنيكوف أن تقديرات الوكالة غير صحيحة، لأنها لم تضع في الحسبان ارتفاع أسعار خام برنت المتوقعة بعد هذا القرار الأوروبي، فضلًا عن أنها تستند إلى افتراض أن إمدادات النفط الروسي المنقولة بحرًا غيّرت مسارها من أوروبا إلى آسيا، وبيع خام الأورال الروسي بخصم يصل إلى حوالي ٣٤ دولارًا للبرميل، مقابل خام برنت.

وأشار إلى أن بلومبرج افترضت أيضًا عدم بيع الإمدادات النفطية عبر الفرع الشمالي لخط أنابيب “دروجبا”، ويرى رئيس مركز تطوير الطاقة الروسي ميلنيكوف، أنه حال ارتفاع سعر خام برنت بمقدار حوالي ١٥ دولارًا للبرميل، مقارنة بسيناريوهات من دون حظر النفط الروسي واستمرار سعر خام الأورال عند المستويات نفسها، فستخسر الشركات الروسية قرابة حوالي ٣ مليارات دولار من إعادة توجيه شحنات النفط المنقولة بحرًا من أوروبا إلى آسيا.

وتوقع تغير مسار نصف صادرات النفط الروسي على الأقل من الفرع الشمالي لخط أنابيب “دروجبا” إلى آسيا بواسطة موانئ بحر البلطيق. وقال في هذه الحالة، قد تصل الخسائر إلى حوالي ٦ مليارات بسبب تراجع الكميات، وقرابة مليار دولار بسبب الخصم. وبناءً على ذلك، يمكن أن يصل إجمالي الخسائر إلى حوالي ١٠ مليارات دولار. وفي الوقت نفسه، أكد ميلنيكوف أن هذه الأرقام مجرد تقديرات، وقد يتسم الوضع الحقيقي بالإيجابية.

أسعار النفط والبدائل الروسية المتوقعة 

واصلت أسعار النفط ارتفاعها؛ بعد اتفاق الاتحاد الأوروبي على حظر جزئي للنفط الروسي، وقرار الصين رفع بعض القيود المفروضة لاحتواء فيروس كورونا، وسط زيادة الطلب قبيل ذروة موسم عطلات الصيف في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث أظهرت بيانات التداول، يوم الثلاثاء، ارتفاع أسعار النفط العالمية، إذ بلغ سعر برميل النفط (برنت) حوالي ١٢٣ دولارًا، وذلك للمرة الأولى منذ ٢٤ مارس الماضي.

بكل تأكيد سيؤدي الحظر إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط العالمية، ولكن روسيا ستجد بديلًا لأوروبا لتصريف النفط الروسي وبالتالي سترتفع عوائد روسيا النفطية وتتضرر أوروبا جراء أزمة نقص إمدادات الطاقة. ويأتي ذلك في الوقت الذي تتجه خلاله روسيا شرقًا لتوطيد العلاقات مع الصين والهند والتي تُعد أسواقًا بديلة لأوروبا لاستيعاب النفط الروسي في حال تفعيل الحظر الروسي بالفعل.

وعلى الجانب الآخر، أثار نائب رئيس شركة لوك أويل الروسية، ليونيد فيدون، جدلًا واسعًا وسط خبراء النفط والطاقة بعدما دعا إلى ضرورة خفض إنتاج النفط الروسي بمقدار ٣ ملايين برميل يوميًا، من حوالي ١٠ ملايين برميل يوميًا إلى ٧ ملايين برميل يوميًا، بعد تشديد القيود وفرض عقوبات لحظر نفط موسكو، بسبب الحرب الأوكرانية. وأشار فيدون إلى أن هذه الخطوة ستمكن روسيا من الحصول على سعر أفضل للخام، وتجنب بيعه بسعر رخيص.

في الوقت نفسه، يعتقد فيدون أن الأسواق ستشهد ارتفاعًا في الطلب العالمي وأسعار النفط، ومن ثم لن تخسر روسيا الإيرادات في ميزانية الدولة، ويرى أنه سيكون من الصعب استبدال النفط الإيراني محل الروسي، لأن حصة موسكو في أسواق النفط العالمية أعلى مقارنة بطهران، مؤكدًا أن الدلائل تشير إلى أن صناعة النفط الروسي لن تنجو فحسب، بل ستشهد تطورات ومستجدات استثنائية.

ومن وجهة نظر فيدون، فإن النمو السريع في إنتاج ومعالجة الهيدروكربونات سيسفر عن ظهور بعض المشكلات، بما في ذلك شبح الداء الهولندي الذي يصيب البلدان المنتجة للمواد الأولية، عندما يمكن أن تؤدي الزيادة في عائدات النقد الأجنبي إلى تعزيز الروبل، ومن ثم تتأثر كفاءة التصدير والقدرة التنافسية للسوق المحلية.

الخطة الأوروبية البديلة والصفقة الخضراء

رغم إعلان العقوبات الأوروبية الكبيرة والمتعددة على روسيا، إلا أنها ترددت كثيرًا حتى اتخذت القرار الصعب وحتى ولو كان تدريجيًا أو مشروطًا. لذلك تتطلع القارة الأوروبية إلى جلب إمدادات كبيرة من الغاز المسال، والذي يتم شحنه عادة عن طريق السفن كبديل للغاز الروسي. ووفقًا لشركة بي بي، كانت الدول الرئيسة المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم في عام ٢٠٢٠ هي أستراليا وقطر والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي بداية الأزمة الروسية الأوكرانية كانت واشنطن قد طلبت من قطر تزويد دول أوروبا بالغاز حال انقطاع إمدادات الغاز من روسيا، ولكن قوبل الطلب الأمريكي بالرفض. والدول المنتجة الأخرى أكدت خلال منتدى الدوحة الأخير صعوبة استغناء أوروبا عن الغاز الروسي بشكلٍ فوري في ظل اعتمادها عليه، فضلًا عن ارتفاع أسعار الغاز الأمريكي المُسال وتكاليف نقله إلى القارة الأوروبية. وفي هذا السياق، أكد سعد الكعبي وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة خلال المنتدى أن قطر ليس لديها احتياطيات كبيرة يمكن تحويلها إلى أوروبا، حتى أن قدرتها محدودة في تحقيق إنتاج إضافي من الغاز الطبيعي المسال، موضحًا أن أوروبا تحتاج إلى حوالي ۸ سنوات لتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن المصادر الروسية.

البديل الثاني للقارة العجوز هو ضرورة التوجه نحو إفريقيا، ومن الوجهات المحتملة الجزائر التي تعد عاشر أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن شحنات الغاز الطبيعي المسال المصدرة من الجزائر في عام ٢٠٢١ وجهت بشكلٍ واضح وكبير إلى الأسواق الأوروبية، مما يضع الجزائر في المرتبة الثالثة بين مصدري الغاز الطبيعي المسال إلى القارة الأوروبية.

وبالبقاء في القارة السمراء نجد أن مشروعًا في نيجيريا تتعلق عليه آمال الأوروبيين في الحصول على المزيد من الواردات، ولكن لفترة طويلة لم يسمح الوضع الأمني في المنطقة والتوترات بين الجزائر والنيجر بإكمال تلك المشروع (خط الأنابيب). أما في عام ٢٠٢١، أعادت الجزائر والنيجر فتح حدودهما، وأعيد إحياء مشروع خط أنابيب الغاز. ومن المقرر إنشاء خط أنابيب للغاز يمكن أن يربط نيجيريا بعد ذلك بخطوط الأنابيب القائمة بين أوروبا والجزائر، وحاليًا تُعد فرنسا والبرتغال وإسبانيا من أكبر المشترين للغاز الطبيعي المسال النيجيري في أوروبا في ظل امتلاك محطات للغاز الطبيعي المسال.

ومن جهة أخري، قالت فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي إن الخطة الجديدة التي تحمل اسم REPowerEU تقضي بالعمل من ناحية الطلب على حفظ الطاقة، ومن ناحية الإمدادات على تنويع مصادر استيراد الطاقة، وأشارت إلى وجود أرضية للمضي قُدما في هذا السبيل، من خلال صفقة أوروبا الخضراء، والتي تقضي برفع المؤشر المستهدف لكفاءة الطاقة في الاتحاد الأوروبي من حوالي ۹٪ إلى حوالي ٣٠٪ بحلول عام ٢٠٣٠، وزيارة حصة الطاقة المتجددة من حوالي ٤٠٪ إلى ٤٥٪.

اليورانيوم لعبة بوتين القادمة

بينما يتركز النقاش علي تبعات حزم العقوبات الأوروبية السادسة على روسيا على قطاعات الطاقة كالغاز والنفط، وحول مدى قدرة الدول الغربية وخاصة الأوروبية منها على تحمل تبعات حظر واردات الطاقة الروسية؛ هناك قطاع إنتاجي استراتيجي روسي آخر ولا يقل أهمية وحيوية، وهو اليورانيوم المخصب الذي تعتمد عليه الدول الأوروبية بشكل كبير لتشغيل محطاتها ومفاعلاتها النووية لتوليد الطاقة الكهربائية.

فروسيا تستحوذ على أكثر من ثلث الإنتاج العالمي من اليورانيوم المخصب، وتُعد شركة روس أتوم، هي أكبر شركة في العالم مختصة في بناء المفاعلات النووية وتخصيب اليورانيوم، وتنتج أكثر من ٣٥٪ من اليورانيوم المخصب بالعالم تقريبًا، وهو ما يجعلها عملاق هذه الصناعة الاستراتيجية، وتبلغ نسبة صادراتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية نحو ٢٠٪ من احتياجاتها، وإلى أوروبا بنسبة حوالي ٤٠٪ من احتياجاتها من اليورانيوم المخصب، هذا بالإضافة إلى أن الشركة تمتلك حوالي ١۸ مفاعلًا نوويا في بلدان الاتحاد الأوروبي، وهي بصدد بناء مفاعلات أخرى في مختلف دول العالم.

وتكمن خطورة إغلاق إمدادات اليورانيوم الروسية عن دول القارة الأوروبية أنها ستهدد بتقويض إمدادات الطاقة الكهربائية في دول عديدة في العالم ولا سيما في القارة الأوروبية وكذلك في الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك تحجم واشنطن حتى الآن عن حظر واردات الطاقة النووية من روسيا رغم دخول الحرب الروسية الأوكرانية شهرها الرابع، لا سيما وأن هناك دعوات في روسيا وفي مجلس النواب إلى أن يتم اشتراط بيع اليورانيوم بالروبل كما حدث مع الغاز الروسي.

مجمل القول، أوروبا أشعلت الصراع، وبلا شك إن حظر الصادرات النفطية الروسية والغاز سيدخل أسواق الطاقة العالمية وإمداداتها في دوامة عنيفة وتبعات لن تتحملها أوروبا نفسها، ومشكلة حقيقية ستؤثر في الاقتصاد العالمي الذي لا يعيش أفضل حالاته وما زال يترنح بسبب ضربة جائحة كورونا التي أخلت بتوازنه. وفي الوقت الذي يستخدم فيه الطرفان شرايين الطاقة كورقة ضغط قوية قد تؤتي أكلها، سيكون سعر ١٠٠ دولار لخام غرب تكساس بمثابة أرضية أساسية للسنوات المقبلة وربما لسنوات وفترات طويلة، رغم أن سعر النفط سيكون عرضه للتقلبات التي تحركها الأسواق المالية، وفي الأخير سيبقي السؤال الأهم هل ستتحمل اقتصادات العالم تبعات الحظر على النفط الروسي؟

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى