العراق

هجمة مرتدة لـ “الصدر”: نظرة على قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل

ما إن جف حبر قانون تجريم التطبيع الذي وافق عليه البرلمان العراقي بالإجماع حتى بدأت مناوشات لا تنتهي، منها ما يطعن في الثغرات الموجودة في القانون، ومنها ما يركز على الخلافات التي ستفتح أبوابها على خلفية هذا القانون مع إقليم كردستان الذي يعد مركز العلاقات مع إسرائيل داخل العراق.

وقانون تجريم التطبيع وإقامة العلاقات مع الكيان الإسرائيلي الذي صوت عليه البرلمان يسري على العراقيين ومؤسسات الدولة والعسكريين والمحافظات والأقاليم ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ومنظمات المجتمع المدني، علاوة على أن المادة الثانية منه تنص على أن القانون يسري على العراقيين داخل العراق وخارجه بما فيهم المسؤولون وموظفو الدولة والمكلفون بخدمة عامة من المدنيين والعسكريين، والأجانب المقيمين داخل العراق، ومؤسسات الدولة كافة وسلطاتها الاتحادية والهيئات المستقلة، وحكومات الأقاليم ومجالسها البرلمانية ودوائرها ومؤسساتها كافة، والشركات الخاصة والمؤسسات الأجنبية، والمستثمرين والعاملين في العراق.

ولكن وُجهت تساؤلات للقانون هل يمنع التطبيع أم يشجعه؟! خصوصًا أن القانون يسمح للإسرائيليين بزيارة المراقد التي تخص أنبياءهم في العراق وهو الأمر الذي يتطلب موافقات من وزارة الداخلية العراقية ويضرب في أساسات قانون تجريم التطبيع.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\22565.jpg

كلمة السر: التوقيت

ركز اتجاه على تفسير توقيت إصدار القانون بأنه نوع من سياسة الهروب إلى الأمام، خصوصًا في الوقت الذي دخل فيه العراق في أزمة دستورية مستمرة منذ سبعة أشهر نتيجة فشل الطبقة السياسية الحاكمة في تشكيل حكومة عراقية، وقد كان من الأولى أن تلتفت هذه الطبقة لإيجاد مخرج للمأزق الحالي بدلًا من التغريد في اتجاه آخر، وإضاعة المزيد من الوقت عن طريق خلق حالة من إلهاء الجماهير. وقد أضاف هذا الاتجاه أن التوقيت قد يعني التقرب من إيران وإقناعها بحكومة الأغلبية، في الوقت الذي تصر فيه طهران على رفض حكومة أغلبية بها إقصاء للإطار التنسيقي.

من جانب آخر، فإن سن القانون يأتي بعد حادثتين: الأولى تضمنت عقد مؤتمر في أربيل في توقيت لافت سبق بأسبوعين الانتخابات وتمت خلاله دعوة شخصيات عشائرية من مستوى رفيع للتطبيع مع إسرائيل، والثانية الحادثة الخاصة باستهداف الحرس الثوري الإيراني مقرات قيل إنها تابعة للموساد الإسرائيلي في أربيل. ومع الأخذ بالحسبان أن الحادثتين مرتبطتان بالصراع الإيراني الإسرائيلي، فقد كان هناك هدف من هذه الرسالة وهو تسليط الضوء على تعامل الأكراد مع إسرائيل.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\66f13ce4-3d76-4f2c-9642-fed4804699d8.jpg

وتكفي الإشارة في أمر التعامل مع إسرائيل إلى أن بيع النفط من كردستان إلى إسرائيل بدأ في عام 2013 ثم وصل إلى مستويات قياسية في 2014، وقد بقيت كذلك حتى فشل الاستفتاء الكردي الخاص بالانفصال في عام 2017، وتمكنت الحكومة العراقية من السيطرة على المواقع النفطية المتنازع عليها بين بغداد وأربيل. ويمكننا أن نؤكد هنا أن بيع النفط الكردي لإسرائيل ليس متعلقًا بأي تقارب سياسي أو أيديولوجي بقدر ما هو رغبة اقتصادية ملحة. ويمكن تفسير ذلك بأن مصافي النفط الإسرائيلية تجيد التعامل مع نوعية النفط القادم من كردستان والذي يعد ذا جودة متوسطة، بجانب أن كردستان تعرض سعرًا أقل نسبيًا لنفطها في مقابل الأسعار المعروضة من الموردين الآخرين. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\f165e71fd28273f5560d3e07959532b2_954 (1).jpg

القانون مغالطة منطقية

التساؤل الأهم هو هل العراق فعلًا بحاجة إلى إصدار قانون من هذه النوعية؟ الإجابة ببساطة أن بغداد في حالة قطيعة بالفعل مع إسرائيل منذ عام 1948، وعلى الرغم من ذلك أثار القانون ردود فعل غاضبة على الساحة الدولية، وتهمًا بمعاداة السامية، بل ذهب بيان الولايات المتحدة الرافض للقانون إلى أنه فضلًا عن كون القانون يفرض قيودًا على حرية الفرد فإنه يقف في تناقض صارخ مع التقدم الذي أحرزه جيران العراق من خلال بناء الروابط وتطبيع العلاقات مع إسرائيل وخلق فرص جديدة للناس في جميع أنحاء المنطقة.

وقد وصلت الانتقادات إلى الحد الذي دفع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى الخروج بتغريدة تضمنت التعبير عن حالة الانزعاج من ردود الأفعال الدولية، لأن القرار وحسب تعبيره لا يعادي الديانات بأي حال من الأحوال وإنما يعادي التطرف والظلم والإرهاب، ودلل على ذلك بأن العراق طالما وفر الحماية للأقليات الدينية وأتباع الديانة المسيحية.

وفي هذا السياق، بدا أن التحالف الثلاثي بزعامة الصدر يستبق الخطوات ويحاول الحفاظ على أسسه من التفكك، وهو الهدف المرجو من قبل الإطار التنسيقي، ولهذا يمكن النظر إلى هذا القانون بوصفه نقطة تحتسب للتيار الصدري في ظل فشله حتى الآن في تشكيل حكومة عابرة للطائفية، وبالتحديد لأنه حتى النواب الأكراد صوتوا لصالح القانون.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\تجريم التطبيع 1.jpg

مناورة خاسرة للإطار التنسيقي

كانت استراتيجية الإطار تعتمد على حشد الدعم الإيراني القوي؛ علّها تنجح في إجبار الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة بارزاني على مغادرة التحالف. وقد اعتمدت بشكل أساسي على اللعب على وتر الإنتاج النفطي في إقليم كردستان؛ فقد أبطلت المحكمة الاتحادية في العراق قانون النفط والغاز الخاص بالإقليم بدعوى مخالفته لأحكام الدستور العراقي، رغم أن هذا القانون مستمر منذ عام 2005 ولم يكن مفاجأة للإطار التنسيقي. ووجه الاعتراض على القانون أنه يسمح للشركات الأجنبية بالتعاقد مع الإقليم للتنقيب عن النفط واستخراجه بعيدًا عن الحكومة العراقية، وقد يفسر ذلك أن توقيت الحكم جاء لتفكيك التحالف الثلاثي ودفع الأكراد إلى مغادرته.

وبغض نظر عن حالة الخلاف التي أثارها القانون على الصعيد الخارجي، فقد أثار القانون أيضًا حالة من التوتر على الصعيد الداخلي بين الحكومة في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل، خصوصًا في ظل الاتهامات التي توجهها الحكومة الاتحادية في بغداد لحكومة كردستان والتي تتضمن بيع نفط الإقليم للإسرائيليين، ولكن في نفس الوقت الذي صوت فيه النواب الأكراد بالإيجاب على مشروع القانون تم التأكيد على أن هذا لا يعني انضمام كردستان إلى جبهة المقاومة.

انعكاسات سلبية

 في هذا الإطار يخشى الأكراد من أن يمثل القانون ذريعة قد تستخدم في تصفية السياسيين واستهداف ناشطين ومواطنين؛ خصوصًا أن القانون ينص على أنه “يعاقب بالإعدام أو السجن المؤبد كل من طبع أو تخابر مع الكيان الصهيوني أو روج له أو لأية أفكار أو مبادئ أو أيديولوجيات أو سلوكيات صهيونية أو ماسونية بأية وسيلة كانت علنية أو سرية، بما في ذلك المؤتمرات أو التجمعات أو المؤلفات أو المطبوعات أو وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة أخرى”.

وقد فند خبراء قانونيون مواد القانون ووجدوا به العديد من الثغرات، من ضمنها أن الصيغة الحالية للقانون يمكن أن تجرم “أي شخص قد يقرأ كتابًا لمؤلف إسرائيلي يتحدث عن الصراع من وجهة نظرهم وأن يتحدث بمحتوى هذا الكتاب، ويجرم نشر أي مقال تعرض فيه وجهة النظر الإسرائيلية بخصوص أي حدث”.

وما يثير المخاوف بخصوص هذا القانون أيضًا هو تأثر علاقات العراق مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت من أوائل الدول التي انتقدت القانون، وفي هذا الإطار يستبعد أن يؤثر القانون سلبيًا بشكل كبير على العلاقات العراقية-الأمريكية، خصوصًا أن العلاقات بين بغداد وواشنطن تحكمها اتفاقية تعاون استراتيجي؛ فالعلاقات الأمريكية – العراقية أكثر رسوخًا من أن يؤثر بها قرار أو قانون، وقد تتوتر ولكنها لا تصل أبداً إلى مستوى القطيعة السياسية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\1043983861_0_125_2400_1475_1920x0_80_0_0_fcd8f9e8a4cd674d2da32355fcb3b6d1.jpg

وقد يبدو أن أكبر تأثير تسبب فيه القانون العراقي أنه شكل صدمة أمام مشروع التطبيع في المنطقة والذي ترى بغداد أن الولايات المتحدة تحاول جر الجميع له- ولا شك أن العراق دولة ذات ثقل سياسي وتاريخي، فضلًا عن كونها ضمن المحور الرافض للتطبيع، وأن صياغة ذلك ضمن قانون يجعل الأمور أكثر تعقيدًا حتى على مستوى الشعب العراقي الذي يعد من أكثر الشعوب رفضًا لفكرة التطبيع، ولم تفلح محاولات إسرائيل عبر مواقعها الإلكترونية التي تعمل تحت غطاء رسمي وغير رسمي في جعل فكرة التطبيع مقبولة.

وبناءً على ما تم استعراضه، يمكننا وضع قانون تجريم التطبيع في العراق في خانة المناورة السياسية التي ينفذها الصدر في محاولة لتوفير حماية شرعية لتحالفه الثلاثي الذي يستهدف الإطار التنسيقي النخر فيه؛ وذلك لأنه لا يوجد ما يبرر القانون من الناحية المنطقية، فليس هناك أي تيار سياسي أو تنظيم سري أو علني داخل العراق يدعو إلى التطبيع، ومن ثم فإنه لا حاجة من الأساس إلى سن قانون يجرمه؛ بعبارة أخرى هو اختراع لأزمة وهمية ربما في محاولة هروب للأمام والإفلات من المشاكل الأخرى التي تختطف العراق وعلى رأسها عدم وجود حكومة حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى