أوروبا

هل سيتمكن “ماكرون” من الفوز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية المُقبلة؟

يستعد حزب الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” والأحزاب المُتحالفة معه للمشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي ستجرى على جولتين يومي 12 و19 يونيو الجاري، وذلك لانتخاب أعضاء الجمعية الوطنية للمرة السادسة عشر منذ قيام الجمهورية الخامسة، والبالغ عددهم 577 نائبًا. ويتنافس على كل مقعد 11 مرشحًا لكل دائرة انتخابية؛ إذ توجد 577 دائرة انتخابية تشمل جميع المواطنين في الداخل والخارج. وإذا لم يحصل المرشح في الجولة الأولي على الأغلبية المُطلقة للأصوات من المُفترض أن يشارك في الجولة الثانية، على أن يكون قد نال ما لا يقل عن 12.5% من أصوات الناخبين. 

ومن المُقرر أن تبدأ الحملة الانتخابية الرسمية لخوض الجولة الأولى يوم 30 مايو وحتى منتصف ليل 10 يونيو 2022. أما الجولة الثانية فسيتم إجراؤها في 19 يونيو، وبعدها بنحو 3 أيام ستتسلم الجمعية الوطنية الجديدة عملها، وتختار رئيسها بالانتخاب السري. ومن المُفترض أن يعمل حزب الرئيس “ماكرون” والمُتحالفون معه للفوز بالأغلبية؛ تمهيدًا لترجمة وعوده الانتخابية بشكل عملي بعد أن تحظى حكومته بثقة البرلمان.

إجراءات مُتتالية

يروج الرئيس “ماكرون” منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية لأن فترة ولايته الثانية لن تكون استمرارًا لولايته الأولى؛ وذلك من خلال تبنيه سياسات عملية تتوافق مع الاحتياجات الداخلية للبلاد، وتعزز من مكانة فرنسا خارجيًا. ولكي يتمكن من تنفيذ هذه الوعود دون صدام داخل الجمعية الوطنية، لابد أن يحصل على الأغلبية المُطلقة، وهو ما دفعه إلى إجراء عدد من الجهود التي يتمثل أبرزها فيما يلي:

توسيع قاعدة ناخبيه: في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من ناخبي اليسار تمهيدًا لخوض الانتخابات التشريعية المُقبلة، قام الرئيس “ماكرون” بتغيير اسم حزبه من “الجمهورية إلى الأمام” (La République en Marche) إلى حزب “النهضة” (Renaissance)، في محاولة لإعادة تشكيل وهيكلة الحزب بما يضمن قدرته على الاستمرار، واستيعاب كافة المواطنين. 

وسبق وأن تم تغيير اسم الحزب الذي بدأ بكونه مجرد حركة سياسية تعرف باسم “إلى الأمام” (En Marche) تم إنشاؤها على يد الرئيس “ماكرون” الذي كان وزير الاقتصاد آنذاك في عام 2016، وقدّم نفسه كمرشح وسطي لخوض الانتخابات الرئاسية في عام 2017. ثم أُعيدت هيكلة الحركة بتحولها إلى حزب باسم “الجمهورية إلى الأمام”، شارك في الانتخابات التشريعية واستطاع الفوز بالأغلبية.

تكوين تحالف انتخابي: قام حزب الرئيس بالتعاون مع حليفه التقليدي حزب “الحركة الديمقراطية” (MoDem party) الوسطي، بجانب الحليف الجديد بقيادة رئيس الوزراء الأسبق “إدوارد فيليب” الذي يعرف باسم حزب “آفاق” (Horizons party) من يمين الوسط؛ بتشكيل تحالف انتخابي تحت اسم “معًا”. وذلك في محاولة لحشد أكبر عدد من المؤيدين لخوض هذه الانتخابات، تمهيدًا للفوز بالأغلبية داخل البرلمان. 

تشكيل حكومة مُتوازنة: يحاول الرئيس “ماكرون” من خلال التشكيل الحكومي الجديد بقيادة “إليزابيث بورن” -وزيرة العمل السابقة، والتي تولت وزارة البيئة، والنقل، وكانت ثاني سيدة تتولى هذا المنصب وهى تكنوقراطية يسارية- الذي تم الإعلان عنه في 20 مايو بعد ما يقرب من شهر على فوز الرئيس “ماكرون” في الجولة الثانية، وقبل نحو ثلاثة أسابيع من الانتخابات البرلمانية، أن يُقدم حكومة مُتوازنة، يرغب من خلالها في تقديم نفسه على أنه رئيس للجميع، ولا يمكن استبعاد أي تيار سياسي من المشاركة في عملية صنع واتخاذ القرار الفرنسي، علاوة على مراعاة تمثيل الجنسين بشكل مُتساوٍ، بجانب استقطاب بعض الفئات مثل الشباب والمهاجرين وذوي القدرات الخاصة والمسلمين، ويمكن توضيح ذلك من خلال استمرار بعض الوزراء في مناصبهم، بجانب تعيين وزراء جُدد، وهو ما تجلى على سبيل المثال في:

تتكون الحكومة الجديدة من 27 وزيرًا ووزير دولة؛ فتم توزيع المناصب الوزارية بين الرجال والسيدات على أساس متساوٍ. وهي أقل من حيث العدد عن الحكومة السابقة التي كانت تتألف من 42 مسؤولًا بمن فيهم من تولوا منصب وزير دولة.

تم الإبقاء على اليميني “جيرار دارمانان” وزير الداخلية، و”برونو لومير” وزير الاقتصاد والمالية، و”إريك دوبوند موريتي” وزير العدل، و”كليمان بون” وزير الشؤون الأوروبية، و”فرانك ريستر” وزير التجارة.

تم تعيين “كاترين كولونا” -سفيرة فرنسا لدى المملكة المتحدة، والسفيرة السابقة لدى إيطاليا، علاوة على كونها وزيرة الشئون الأوروبية في عهد الرئيس “شيراك”- وزيرةً الخارجية، خلفًا لـ “جان إيف لودريان”، لتكون بذلك ثاني سيدة تتولى هذا المنصب. فضلًا عن اختيار “سيباستيان ليكورنو” –الوزير السابق لأقاليم ما وراء البحار- وزيرًا للدفاع خلفًا لــ “فلورانس بارلي”.

فيما تم تعيين المُتخصص في التاريخ الأمريكي والشتات الأفريقي “باب ندياي” وزيرًا للتعليم. وتولت “سيلفي ريتايو” -رئيسة جامعة باريس ساكلاي- وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فيما تم اختيار النائب عن الحزب الجمهوريين “داميان أباد” وزيرًا للتضامن والحكم المحلي والمعوقين، و”ريما عبد الملك” مستشار الرئيس للثقافة والاتصال منذ عام 2019 وزيرة للثقافة، وهي فرنسية لبنانية.

في سعيه إلى أن يكون التشكيل الحكومي ترجمة عملية لتوجهات وأولويات الرئيس وخاصة فيما يتعلق بأهمية ملف المناخ؛ فقد تم اختيار “إميلي دي مونتشالين” وزيرة التحول البيئي والتماسك الإقليمي، و”أغنيس بانيير روناتشر” وزيرة للانتقال البيئي. 

الوفاء بالوعود الانتخابية: تعمل الحكومة المُشكلة حديثًا على تسريع وتيرة العمل بشأن معالجة أزمة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وهو ما صرحت به المتحدثة باسم الحكومة “أوليفيا جريجوار” خلال مؤتمر صحفي بأن “الحكومة ستوافق على مشروع القانون الذي يهدف إلى تعزيز القوة الشرائية في الأسابيع المقبلة، قبل الانتخابات التشريعية في 12 و19 يونيو، بحيث يمكن أن يصوت عليها البرلمان بمجرد استئنافه بعد الاجتماع الأول للحكومة”. وهو ما يعكس اهتمام الحكومة بأولويات المواطنين الخاصة بنفقاتهم بشأن الغاز والكهرباء والنقل. 

تحديات قائمة

يخوض الرئيس الفرنسي جولة انتخابية حاسمة للمرة الثالثة هذا العام أمام قوى اليمين واليسار المُتشدد بعد هزيمتهم في الانتخابات الرئاسية التي كشفت المزيد من التحديات التي سيواجهها الرئيس “ماكرون” التي يمكن توضيحها على النحو التالي: 

على الصعيد الداخلي: 

وجود حالة من الانقسام المُتنامي داخليًا، نتيجة عدد من الأسباب تأتي في مقدمتها الأزمة الاقتصادية، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين التي تأثرت بشكل كبير بتداعيات الجائحة واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية وكانت نتاجًا لسياسات الرئيس الفرنسي الإصلاحية التي اتبعها منذ توليه في الجانب الاجتماعي والاقتصادي، ونتجت عنها احتجاجات السترات الصفراء، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من خلال تزايد عدد الممتنعين عن التصويت خلال الانتخابات الرئاسية. ومن المتوقع أن يستمر في التزايد خلال الانتخابات التشريعية. لذا فهناك حاجة مُلحة إلى إعادة مُراجعة الرئيس “ماكرون” لسياساته، وتعاطيه مع الوضع الداخلي.

تراجع قدرة الأحزاب التقليدية على تعبئة قاعدتها الانتخابية، وتطويرها لإنتاج نخب سياسية قادرة على إدارة البلاد، ولديها توجهات وسياسات واضحة يمكن تنفيذها بشكل عملي. وهنا لابد من التأكيد أن الرئيس “ماكرون” استطاع تحقيق الفوز من خلال التصويت العقابي ضد زعيمة اليمين المتطرف، التي خسرت الانتخابات إلا إنها حصلت على نحو 41% من الأصوات، وهو ما يُعد تحديًا قائمًا أمام “ماكرون”، لكونه فاز بفارق ليس بكبير. 

ذلك علاوة على كونها انعكاسًا لتنامي قاعدة الناخبين الذين يتم استقطابهم من قبل قوى اليمن المتطرف، فقد قدمت “لوبان” نفسها بوصفها داعمة لحقوق الفرنسيين، وأن برنامجها بالأساس يستهدف الفئات التي تضررت من سياسات “ماكرون”. وهي ما زالت مُصرة على المشاركة في الانتخابات التشريعية لمواجهة “ماكرون”، ولكن دون تشكيل جبهة مُوحدة مع “إريك زمور” زعيم حزب “الاسترداد”.

 تمكن اليساري المُتشدد “جان لوك ميلينشون” الذي نال حوالي 22% من أصوات الناخبين في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية من استقطاب العديد من الفئات غير الراضية عن “ماكرون” و”لوبان” بوصفه مسارًا بديلًا، الأمر الذي حفزه للاستعداد لخوض الانتخابات التشريعية المُقبلة، علاوة على العمل على توحيد صفوف اليسار لاستقطاب أكبر قدر ممكن من الناخبين؛ فقد انضمت أحزاب الخضر، والشيوعي، والاشتراكي إليه، وهو ما قد يمكنه من أن يكون رئيس وزراء للبلاد إذا استطاع الفوز لكونه سيكون زعيم المعارضة داخل الجمعية الوطنية.

وهو ما يعرف باسم مرحلة “التعايش” التي تحدث عندما لا يتمكن رئيس الجمهورية من الفوز بالأغلبية في الانتخابات التشريعية، التي تجعل حكومته تحظى بالثقة، تمهيدًا لتنفيذ برنامجه الانتخابي. وفي محاولة لتجنب الصدام مع المعارضة فإنه يقوم بتعيين زعيمها كرئيس للوزراء، أو يتم التوافق بين زعيم أكبر كتلة في البرلمان مع رئيس الجمهورية لتعيين شخص ثالث يكون هو رئيس الحكومة.  وقد حدث ذلك في عهد الرئيس الاشتراكي “فرانسوا متيران”، عندما عيّن “جاك شيراك” من عام 1986 إلى عام 1988، ثم عيّن بعد ذلك “إدوارد بالادور” خلال الفترة من عام 1993 وحتى عام 1995، أما في عهد الرئيس “جاك شيراك” فقد اضطر إلى تعيين “ليونيل جوسبان” نتيجة عدم تمكنه من الحصول على الأغلبية البرلمانية. 

على الصعيد الخارجي: 

فرضت البيئة الأمنية المُتغيرة -بجانب عامل الوقت- المزيد من التحديات على الرئيس “ماكرون”، وذلك على عكس ما حدث في عام 2017. بالرغم من أنه تم اختباره في العديد من الملفات الدولية والإقليمية، وسعيه إلى تعزيز مكانة فرنسا في النظام العالمي، من خلال لعب دور الوسيط في العديد من الأزمات الإقليمية والدولية، وطرح عدد من المبادرات الدفاعية الأمنية لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، بالتزامن مع التوجه الاستراتيجي الأمريكي عن ضمان الأمن الأوروبي.

إلا أن هذا النهج لم يعد كافيًا الآن لتنفيذ أهدافه الداخلية والخارجية، وخاصة مع تنامي تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى تغير كبير في توازنات القوى داخل أوروبا؛ أي أن ضمان الأمن الأوروبي والدفاع عنه لم يعد قاصرًا على الدول الثلاث الكبرى (فرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا) فقط. بجانب أن فكرة الاستقلال الاستراتيجي والمبادرة السياسية والدفاعية التي كان يطرحها سابقًا لم تعد مُجدية ويمكن أن إقناع الدول الأوروبية بها؛ فقد برهنت الأزمة الأوكرانية على أهمية حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة بالنسبة لضمان الأمن الأوروبي. وعليه ما هي المسارات التي الممكن أن تبحث عنها فرنسا خلال السنوات الخمس المقبلة لتعزيز نفوذها الدولي؟

مُلاحظات ختامية

بالرغم من محاولات “ميلينشون” لتوحيد صفوف اليسار لخوض الانتخابات المُقبلة، فمن المُحتمل ألا يستمر هذا التوافق كثيرًا وخاصة فيما يتعلق بالملفات الخارجية، على أن يكون مسار توافقهم حاليًا مُرتكزًا بشكل كبير على الملفات الداخلية المُتعلقة بالأساس بسن التقاعد، والحد الأدنى للأجور؛ لكونها ذات أولوية لدى المواطنين، ومسائل محل خلاف في برنامج “ماكرون”. 

فيما يتعلق بمدى تحقيق فكرة التعايش من خلال تولي “ميلينشون” رئاسة الوزراء وتكوين حكومة جديدة، نتيجة عدم تمكن الرئيس من الحصول على الأغلبية، وبالتالي قد لا تحظى حكومته بالثقة البرلمان المُنتخب؛ فما زال احتمالًا واردًا، ولكن من المُتوقع أن يستطيع “ماكرون” العمل على تجنبه، خلال الأيام المُقبلة. 

فيما يتعلق باليمين المُتطرف، فمن غير المتوقع أن تحقق “لوبان” نتائج كبيرة مُقارنة بنتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2022، وقد تكون أكبر قليل من عدد المقاعد التي حصلت عليها في عام 2017 التي بلغت 8 مقاعد، ويمكن إرجاع ذلك إلى عدد من العوامل يتمثل أبرزها في: 

تلعب القضايا المناطقية دورًا في التأثير على اختيارات الناخبين. وبالرغم من انتشار حزب “لوبان” على مستوى البلاد، إلا إنه قد لا يتمكن من الفوز بعدد أصوات أكبر؛ لكون مرشحي الحزب في بعض المناطق قد لا يتمكنون من إقناع الناخبين بهم، مقابل مرشحي أحزاب أخرى.

صعوبة عقد تحالفات انتخابية؛ إذا إنه من الممكن أن يتمكن الحزب من الحصول على عدد من الأصوات يؤهله لخوض الجولة الثانية، ولكنه لا يستطيع الفوز بعد ذلك نتيجة عدم تمكنه من عقد تحالفات، بجانب تحالف الأحزاب الأخرى ضده، مما يؤدي إلى خسارته. 

تأثير القوانين الانتخابية على الأحزاب غير القادرة على إبرام تحالفات، لكون الخريطة مفتتة، بجانب أن الحزب لابد أن يكون قويًا على مستوى المحليات. لذا قد نجد بعض الأحزاب الصغيرة، مقارنة بحزب “لوبان” لديها عدد مقاعد أكثر لكونها داخل تحالف. 

من الواضح أن “ماكرون” مستمر على نفس النهج الذي اتبعه قبل الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية؛ الذي تمثل في تأخير الإعلان عن التشكيل الحكومي، والانشغال بالقضايا الداخلية مع إعطاء أولوية للخارج أيضًا، وتقليل فرص حدوث أخطاء سياسية قد تعرقل تقدمه، فضلاً عن محاولة تقديم شكل مُتوازن للحكومة يمكنه من الفوز، بجانب اهتمامه بالشأن الداخلي، وقاعدة ناخبيه وخاصة من اليسار، ولكن لا يعني إنه قد يتمكن من تحقيق الفوز. 

وتعليقًا على الجهود التي يبذلها الرئيس “ماكرون” فإنها تستهدف بشكل كبير ناخبي اليسار الذين لديهم عدد من الخيارات التي يمكن أن يلجؤوا إليها، لذلك فهو يسعى إلى إقناعه من خلال هذه الجهود التي تستند بالأساس إلى تقديم حوافز ثقافية أكثر من كونها اقتصادية، لاستقطاب أكبر عدد ممكن ناخبي اليسار. أما ناخبي اليمين فمن الواضح أنه ليس أمامه خيارات مماثلة مثل اليسار، فإما أن يختار “لوبان” أو “ماكرون” ومن المُتوقع أن يكون التصويت لصالح الأخير. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى