أفريقيا

تصاعد الأزمة الكونغولية الرواندية يهدد الإقليم

بعد أكثر من 20 عامًا على اشتعالها، ما زالت الأزمة بين الكونغو الديمقراطية ورواندا تؤثر على استقرار الإقليم، هذه الأزمة التي بدأت عرقية وانتهت بانتقالها لتشمل 3 دول متجاورة وهي “روندا، وبوروندي، والكونغو الديمقراطية” وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء في مذابح الإبادة الجماعية، وكان آخر فصول تلك الأزمة اتهام الكونغو الديمقراطية لرواندا بدعم حركة 23 مارس وإصدارها قرارًا بوقف الطيران من كيجالي إلى أراضيها واستدعاء السفير الرواندي وتوجيه لوم رسمي له.

توتر العلاقات بين دول الإقليم

في نوفمبر 2021 ظهرت مؤشرات لأزمة جديدة في الإقليم بعدما دعا الرئيس فيليكس تشيسكيدي رئيس الكونغو الديمقراطية، قوات الدول المجاورة لمحاربة المتمردين المتمركزين في جمهورية الكونغو بعد التفجيرات التي شهدتها العاصمة الأوغندية كمبالا، وبالتالي دخلت الوحدات الأوغندية لمقاطعة شمال كيفو في الكونغو الديمقراطية لملاحقة القوات الديمقراطية المتحالفة (ADF)، وهو تحالف متمرد أوغندي موالٍ لتنظيم الدولة الإسلامية.[i]

في نفس التوقيت تصاعد التوتر بين جيش جمهورية الكونغو الديمقراطية والجارة رواندا، عندما اتهمت الأولى الأخيرة بمساعدة وإيواء جماعة 23 مارس وهي  جماعة مسلحة من التوتسي المتمركزين في إقليم كيفو الواقع شمال الكونغو بالقرب من الحدود مع رواندا؛ وكانت قد سلمت سلاحها عام 2013 بعد عقد اتفاق السلام .[ii]

Source : Crisis Group

وتلا ذلك خطاب الرئيس كاغامي الذي ألقاه أمام البرلمان الرواندي في فبراير هذا العام، وفيه شجب تهديد أمن رواندا القادم من كيفو. وأشار إلى وجود صلات بين تحالف القوى الديمقراطية وأحد أعدائه القدامى “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”، وهي من بقايا ميليشيا الهوتو الرواندية المسؤولة عن الإبادة الجماعية عام 1994. ثم ألمح أنه يفكر في نشر قوات في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية دون موافقة تشيسكيدي تحت شعار “محاربة النار من جذورها”.[iii]

في 28 مارس، اشتبك مقاتلو حركة 23 مارس مع الجيش الكونغولي وهاجموا المجتمعات المحلية بالقرب من روتشورو. كما اندلع القتال بالقرب من الحدود الرواندية، مما أجبر حوالي 6000 مدني على النزوح إلى أوغندا. لذا أرسلت كمبالا قوات إضافية إلى شرق الكونغو الديمقراطية لحماية آليات مشروع طريق تنشئه بالقرب من الحدود لربط المدن الأوغندية بشمال الكونغو بما يؤثر على مصالح رواندا التجارية. واتهم الحاكم العسكري لكيفو الشمالية العميد سيلفان إكنجي؛ رواندا بدعم حركة 23 مارس واستعرض رجلان أسرى قال إنهما جنديان روانديان تم أسرهما داخل كيفو أمام الصحفيين، لكن نفت رواندا هذه الاتهامات ولم تنفٍ عملية أسر الجنود.[iv]

وصلت الأمور مؤخرًا لتقدم رواندا بطلب هيئة التحقيق الإقليمية المشتركة الموسعة (EJVM)، واتهامها لجيش الكونغو الديمقراطية بقصف أراضيها وأن الهجوم أصاب عدة أشخاص وألحق أضرارًا بالممتلكات؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تأجيج العلاقات بين البلدين، اللتين تبادلتا منذ فترة طويلة الاتهامات بشأن دعم الجماعات المسلحة في البلدين.[v]

وناشدت رواندا جمهورية الكونغو الديمقراطية الالتزام بحسن الجوار، وتحمل مشاكلها، وتجنب إلقاء اللوم في حالة عدم وجود ذلك. وذلك حسبما أشار الدكتور فنسنت بيروتا وزير الخارجية يوم السبت 28 مايو، في مالابو غينيا الاستوائية، خلال قمة استثنائية حول مكافحة الإرهاب والتغيير غير الدستوري للحكومات في إفريقيا.[vi]

أسباب النزاع

أسباب داخلية

  1. النزاع على الأرض أهم الأسباب الداخلية؛ حيث تفاقم الوضع بسبب الضغط الديموغرافي الذي نشأ عن التهجير القسري بعد أعمال الإبادة الجماعية الناتجة عن أعمال العنف التي حدثت عام 1994. فمازال العديد من اللاجئين القادمين من روندا وبوروندي مقيمين في الإقليم مما يخلق نزاعات بين بعضهم البعض من جهة؛ وبينهم وبين الجماعات المحلية من جهة أخرى. الأمر الذي يسفر عن أعمال عنف تنعكس على العلاقات بين الدول.
  2. الانتخابات؛ تتمتع حركة 23 مارس بدعم شعبي في إقليم كيفو؛ لذا هناك تخوف من استخدام الرئاسة في الكونغو هذا الاضطراب كحجة لتعليق الانتخابات الرئاسية عام 2023 في الإقليم، حيث يفضل الناخبون هناك المعارضة إلى حد كبير.
  3. الثروات المعدنية؛ فشمال كيفو غنية بالمعادن مثل الذهب والكولتان والنفط؛ لذا يتم تهريب ما يصل إلى 90% من ذهب الكونغو إلى دول الجوار. وتتمركز الجماعات المسلحة بما في ذلك الشبكات الإجرامية المتصلة بالجيش الكونغولي لتستفيد أحيانًا من التجارة ومن تسهيل التهريب.[vii]
  4. السعي للانتقام؛ الذي تزايد حدته بعد إغلاق رواندا المفاجئ لمعبر جاتونا الحدودي في فبراير 2019 مما تسبب في وقف التجارة في شرق أفريقيا كله.[viii]

أسباب خارجية

  1. عدم الوضوح في مسألة تواجد القوات الأوغندية في شمال الكونغو حيث قدمت السلطات الكونغولية والأوغندية العملية كتمرين عسكري مشترك. ونفس الحال حدث مع بوروندي التي صاحب توغل جنودها في جنوب كيفو السرية التامة. وبالتالي استشعر الرئيس كاجامي الخطر من تحركات جيرانه على حدوده دون الإفصاح لا عن الهدف ولا المدة ولا الأسباب.
  2. عدم التوافق بين الرئيسين الأوغندي والرواندي أثر جزئيًا على علاقة كاجامي بتشيسيكيدي؛ فليس بخاف على أحد مدى التقارب بين تشيسيكيدي ويويري موسيفيني. فالرئيسان الرواندي والأوغندي زملاء سلاح منذ الثمانينيات تفرقت بهم السبل لاحقا؛ وبينهما اتهامات متبادلة فيما يخص محاولات زعزعة الاستقرار استمرت لسنوات، عبر دعم الجماعات المنشقة من خلال حدودهما المشتركة، التي تم إغلاقها منذ ثلاث سنوات وتم إعادة فتحها في فبراير الماضي فقط، بفضل جهود الوساطة التي يقودها نجل موسيفيني، محوزي كاينيروغابا.
  3. الظهور المفاجئ لحركة 23 مارس، وهي حركة تمرد كونغولية كانت خامدة لما يقرب من عقد من الزمان، وسبب القلق علاقات الحركة السابقة بكل من كمبالا وكيجالي. وهي واحدة من أكثر من 120 جماعة مسلحة تجوب شرق الكونغو الديمقراطية لكنها تحمل إرث الحروب الإقليمية منذ أكثر من عقدين، كونها تنتمي للتوتسي. وكانت قد شنت تمردًا عام 2013؛ ثم عادت لاستئناف القتال هذا العام، متهمة الحكومة الكونغولية بعدم احترام اتفاق عام 2009 والذي بموجبه تعهدت بدمج مقاتلي الجماعات المنشقة في الجيش.[ix] وفي المقابل تنفي رواندا دعمها للحركة، بل تلقي بالتبعية على فشل النظام الكونغولي في الحفاظ على استقرار الأوضاع. لكن رواندا تبادل الكونغو الاتهام بدعم المؤتمر الوطني الرواندي المحظور لديها.
  4. إصرار الرئيس الكونغولي على المسار العسكري وسعيه إلى إخضاع الجماعات المسلحة بالقوة؛ فرض حالة حصار في إيتوري وكيفو الشمالية، ووضع المقاطعتين تحت السيطرة العسكرية؛ بالإضافة لدعوته القوات الأوغندية والبوروندية للعمل معه. الأمر الذي يستفز رواندا.

السيناريوهات والحلول

وفقا لما شهده الإقليم في الماضي لن تخرج السيناريوهات المستقبلية عن أحد احتمالين:

  • الأول، اشتعال الحرب مرة أخرى في الإقليم مما سيسفر عن ضحايا وأعمال عنف خاصة من قبل القوات الرواندية لتاريخها المعروف في العنف. الأمر الذي سيشعل فتيل الصراع العرقي ما بين التوتسي والهوتو ثانية وسينقل الصراع لداخل الدول فتصبح حرب الكل ضد الكل.
  • تدخل قوات أممية أو قارية للحيلولة دون نشوب الحرب مع قبول وتنفيذ بنود الوساطة التي اقترحها الرئيس الكيني كينياتا على كل من موسيفيني، ونداييشيمي، وتشيسكيدي وكاجامي لإجراء محادثات ووضع خارطة لتطبيق عملية سلمية تشمل الإقليم كله.

ويمكن تجنب عودة الصراع واحتواء الأزمة في الإقليم من خلال الخطوات التالية:

  • تفعيل القوة الإقليمية المتفق عليها مسبقا والتي سميت “آلية الرقابة الإقليمية التابعة لصندوق السلام والأمن والتعاون”، حيث تكون مسؤولة عن محاربة الجماعات المسلحة في الإقليم والتحقيق في الانتهاكات التي تحدث في الإقليم.
  • وضع الكونغو قواعد واضحة للعمليات العسكرية الأجنبية على أراضيها، علاوة على أهمية الشفافية بشأن ما اتفقت عليه الكونغو مع جيرانها.
  • على أوغندا وبوروندي تقديم المزيد من الوضوح بشأن أنشطتهما في إقليم كيفو.
  • تشكيل شركات تعدين وإنشاء طرق وتعمير ذات ملكية مشتركة ما بين الدول الأربع.
  • وضع خطط إعادة دمج للجماعات المسلحة بشكل أفضل من الخطط السابقة، مع وضع ضمانات أمنية وإشراك المجتمع المحلي في هذه الخطط.
  • على كل الدول التعهد بعدم مساعدة الجماعات المعارضة لأنظمة الدول المجاورة لها.

وضع شروط واضحة لدعوة الجماعات المنشقة


[i] Ugandan troops cross into Congo to widen anti-ADF offensive, AFP (Paris: 1st. Dec. 2021)

[ii] Army and militia clashes erupt in east DR Congo, AFP (Paris: 25th. May 25, 2022)

[iii] Paul Kagame: “Whoever wishes us war, we give it to him”, Le Journal Delafrique (Tunisia: Kronos Media Plus, 10th. February, 2022)

[iv] Allegations of Rwanda backing M23 expose plot to sabotage Rwanda DRC rapprochement, Muvunyi Casimir (Michigan: The Great Lakes eye, 6th. Apr, 2022)

[v] Rwanda Says Territory Shelled by Congo, Requests Probe, Reuters (23rd.May. 2022)

[vi] Rwanda appeals to DR Congo to observe good neighborliness, New Times (Kigali: May 29, 2022 : May 29, 2022)

[vii] Treasury Sanctions Alain Goetz and a Network of Companies Involved in the Illicit Gold Trade”, U.S. Department of the Treasury (New York: 17th. Mar. 2022)

[viii] Rwanda has reopened the border with Uganda but distrust could close it again, Filip Reyntjens (South Africa:  the conversation, March 10, 2022)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى