دول المشرق العربي

القوات اللبنانية.. من الحرب الأهلية إلى زعامة الشارع المسيحي

مع انتهاء فعاليات الانتخابات البرلمانية في مايو 2022، أصبح حزب القوات اللبنانية هو أكبر كتلة نيابية مسيحية في البرلمان اللبناني، وذلك للمرة الأولى بعد سنوات من تقلد التيار الوطني الحر لهذه الزعامة، وتحديدًا منذ الانتخابات البرلمانية عام 2005.

وكانت القوات اللبنانية هي الجهاز العسكري أو الميلشيا التابعة لحزب الكتائب منذ تأسيسها عام 1976 على يد الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل، حتى أن التناول الإعلامي كان يصفها بـ “ميلشيا الكتائب” ولكن عقب اغتياله عام 1982 تحولت إلى تنظيم عسكري مستقل، وإن ظل ينسق سياسيًا مع الكتائب رغم فك الارتباط التنظيمي. وبحلول عام 2005 حينما أُفرج عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، تحولت القوات بشكل علني ورسمي إلى حزب سياسي.

نشأة حزب الكتائب

في زمن كانت الأيدولوجيات العربية والإسلامية والصهيونية والسورية تتعارك على هوية لبنان، ظهرت أيدولوجيا القومية اللبنانية لتنادي بفكرة أن لبنان لبناني ولا شيء آخر، وأن لبنان للبنانيين وليس تابعًا لوحدة سورية أو عربية أو إسلامية.

وكان الزعيم الماروني الشيخ بيير الجميل هو أحد اقطاب هذا الفكر الوطني، وقد تأثر بالفكر القومي في أوروبا سواء حزب الكتائب الإسباني أو حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني (الحزب النازي). ولما عاد إلى لبنان، أسس حزب الكتائب عام 1936، ليدخل الساحة اللبنانية فكر جديد هو اليمين الماروني أو المسيحي.

وينتمي الجميل إلى أسرة شامية عارضت الاحتلال العثماني للبنان، ومنهم البطريرك الماروني فيليب الجميل (مار فيليب بطرس الجميل) الذي تولى الكرسي البطريركي ما بين عامي 1795 و1796، وهرب آل الجميل إلى مصر لسنوات منهم والد بيير الجميل، إضافة إلى إلياس الجميل إمبراطور صناعة القطن في المنصورة والقاهرة وبيروت، وهو عم بيير ووالد زوجته جينيفيف التي ولدت وتربت بمدينة المنصورة المصرية. الابن الثاني لإلياس الجميل هو موريس الجميل من مواليد المنصورة أيضًا، وهو كاتب صحفي قبل أن يتولى مناصب وزارية في عهد الرؤساء فؤاد شهاب وشارل حلو.

ينتمي إلى الأسرة ذاتها الكاتب الصحفي المصري من أصول لبنانية أنطون الجميل رئيس تحرير جريدة الأهرام المصرية ما بين عامي 1933 و1948، وعضو مجلس الشيوخ المصري وحصل على لقب باشا من الملك المصري، وهو رئيس تحرير الأهرام الذي رفض رئاسة وزراء لبنان قائلًا “إن منصبه رئيسًا لتحرير الأهرام أقوى من رئاسة الحكومة اللبنانية” وذلك في ثلاثينات القرن العشرين.

كان انحياز بيير الجميل واضحًا في رفض فكرة القومية العربية، والإسلام السياسي، والمد الناصري، ولاحقًا المد البعثي السوري، وفى أواخر أيامه رفض المد الثوري الإسلامي الإيراني. انتخب ابنه الأصغر بشير الجميل رئيسًا للجمهورية عام 1982، ولما اغتيل تم انتخاب ابنه الأكبر أمين الجميل رئيسًا للجمهورية.

حفيده بيير أمين الجميل وزير الصناعة الأسبق سقط شهيدًا عقب رفضه الوصاية السورية الإيرانية على لبنان، وحفيده الثاني سامي أمين الجميل هو رئيس حزب الكتائب منذ عام 2015. والحفيد الثالث نديم بشير الجميل هو رأس حربة شباب الكتائب في البرلمان اللبناني الجديد. وأرملة ابنه بشير الجميل هي السيدة صولانج الجميل التي انتُخبت عضوة بالبرلمان اللبناني ما بين عامي 2005 و2009.

إرهاصات الحرب الاهلية

عقب نكسة يونيو 1967 واحتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء وهضبة الجولان، بدأ الفدائيون الفلسطينيون في التسلل من سوريا والأردن إلى لبنان عام 1968، واشتبكوا مع الجيش اللبناني ونصبوا أكثر من نقطة تفتيش ومكتب عسكري، وذلك تحت مسمى استخدام لبنان محطة في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي، وهى حجة مردود عليها تاريخيًا؛ إذ إن فلسطين المحتلة تقع في جنوب لبنان، فما الداعي لقيام تلك التشكيلات العسكرية الفلسطينية بالسيطرة على القلعة الأثرية في طرابلس شمال لبنان، وذلك انطلاقًا من مخيم بحر البارد للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان!

وقررت مصر عقد اجتماع عاجل من أجل وقف الاشتباكات التي جرت في لبنان، حيث أرسل الرئيس اللبناني شارل حلو قائد الجيش اللبناني إميل البستاني، بحضور ياسر عرفات رئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وأشرف وزير الحربية المصري الفريق محمد فوزي على تلك المباحثات بتكليف من الرئيس جمال عبد الناصر.

أسفرت تلك الاجتماعات عن اتفاق القاهرة في 3 نوفمبر 1969، بوصفه تنظيمًا للعلاقات الفلسطينية اللبنانية، إذ أعطى الحق للفدائيين الفلسطينيين العمل ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين انطلاقًا من جنوب لبنان دون التوسع خارج الجنوب اللبناني، وذلك دون التنسيق مع مؤسسات الدولة اللبنانية التي لم يعد لها الحق في مساءلة المخيمات الفلسطينية عن سلاحها بوصفه سلاح المقاومة الفلسطينية.

عاد ياسر عرفات إلى لبنان بعد “أيلول الأسود” واتفاقية القاهرة بوصفه حاكم المخيمات الفلسطينية في لبنان، وأصبحت المخيمات التي تعد أحياء سكنية كبرى بمثابة دولة داخل دولة، والأخطر أنها وضعت لبنان أمام العدوان الإسرائيلي؛ إذ أعلنت إسرائيل أن اتفاقية القاهرة 1969 تعد خرقًا للهدنة الإسرائيلية اللبنانية عقب حرب فلسطين والتي أبرمت عام 1949، وهكذا بدأت إسرائيل تكثف من عدوانها على لبنان، بينما وقفت الأنظمة العربية التي تعاني من آثار يونيو 1967 عاجزة عن حماية لبنان.

بدأ الغضب الشعبي من وجود الفلسطينيين يزداد، خاصة أن عناصر من تنظيم الإخوان وبعض الجماعات الإسلامية بدأت تتخذ من الوجود الفلسطيني منصة للتحرش والتضييق على اللبنانيين المسيحيين خاصة الموارنة، في دولة يعد نصف سكانها –على الأقل– ينتمون إلى الدين المسيحي، ما أثار مخاوف من “أسلمة لبنان” وطرد سكانها المسيحيين، في ظل هواجس تاريخية راسخة في الوعي الجمعي اللبناني على ضوء حوادث مماثلة قام بها الأمويون والعباسيون والعثمانيون حتى مطلع القرن العشرين في آخر سنوات الدولة العثمانية حيال المسيحيين في لبنان وعموم الشام وأرمينيا والاناضول والعراق. وبرزت قوى لبنانية رافضة لاتفاق القاهرة، بينما ظهرت قوى أخرى مؤيدة له، في نسخة قديمة من ثنائية 14 آذار و8 آذار التي ظهرت في لبنان عام 2005.

انفجار الحرب الأهلية اللبنانية

مع تمدد السلاح في المخيمات الفلسطينية، بدأت الفصائل السياسية اللبنانية في تكثيف التسليح، وهو ظاهرة موجودة في لبنان بوجه عام ولكن ازدادت وتيرة تسليح الفصائل اللبنانية عقب اتفاق القاهرة 1969، وبدأت الحرب الاهلية بتاريخ 13 أبريل 1975، حينما حاول مسلحون فلسطينيون اغتيال الشيخ بيير الجميل رئيس حزب الكتائب، وفشلت المحاولة ولكن الكتائب ردت بتصفية 50 شابًا فلسطينيًا، وهكذا اندلعت الحرب. وهكذا وللمفارقة فإن لبنان الذي يضم 16 طائفة دينية متنوعة لم تبدأ حربه الأهلية بين الطوائف اللبنانية ولكن بين اللبنانيين والفلسطينيين.

ساند الوجود الفلسطيني تحت مسمى “عروبة لبنان” تجمع لبناني تحت مسمى “الحركة الوطنية اللبنانية”، حيث ضم عشرات الشخصيات المستقلة إضافة إلى الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة كمال جنبلاط والحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي والحزب الاجتماعي السوري، إضافة إلى حزب البعث الاشتراكي بأجنحته العراقية والسورية واللبنانية، والتنظيم الشعبي الناصري وحركة الناصريين المستقلين، وتحالفوا مع المنظمات الفلسطينية في لبنان وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات.

وقد شُكلت الحركة الوطنية اللبنانية برعاية سوريا والعراق وليبيا إضافة إلى اليمن الجنوبي، وحينما أعلنت بعض الدول العربية مقاطعة مصر وتأسيس جبهة الرفض سارعت الحركة الوطنية اللبنانية إلى الانضمام إلى هذا التيار وتنظيم فعاليات لصالح جبهة الرفض في لبنان، ونصب مسابقات التطاول على الرئيس والدولة والجيش المصري، وقد سارع الرئيس السوري حافظ الأسد إلى دعم الحركة الوطنية اللبنانية بالسلاح ثم بالتدخل العسكري المباشر.

وسارع الفريق الرافض للتدخل السوري وتوطين الفلسطينيين في لبنان وفوضى السلاح وسلاح المخيمات الفلسطينية وتوريط لبنان في الصراع العربي الإسرائيلي بقرارات إقليمية وليست قرارات نابعة عن القرار الوطني اللبناني ونفوذ ياسر عرفات وفكرة الدولة داخل الدولة؛ إلى تشكيل “الجبهة الوطنية” برئاسة رئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون رئيس الجمهورية الأسبق، وتيار المردة برئاسة سليمان فرنجية رئيس الجمهورية السابق وحزب الكتائب بقيادة وزير الداخلية الأسبق بيير الجميل.

وعلى ضوء التنظيمات العسكرية النظامية التي تتشكل منها الحركة الوطنية اللبنانية، إضافة إلى مساندة الميلشيات الفلسطينية والجيش السوري لها، سارعت الجبهة الوطنية لتنظيم أجهزتها العسكرية في بادئ الحرب الاهلية، فشكل حزب الكتائب ميلشيات القوات اللبنانية برئاسة بشير بيير الجميل، وشكل حزب الأحرار الوطنيين كتائب نمور الأحرار برئاسة داني كميل شمعون، وشكل المردة كتائب المردة برئاسة طوني سليمان فرنجية.

كانت سوريا في بادئ الأمر مع التحالف اللبناني المؤيد للفلسطينيين، ولكن لاحقًا فكت هذا التحالف وانحازت إلى الجبهة اللبنانية وفكرة حماية لبنان ثم المسيحيين من الفلسطينيين، ثم لاحقًا تحول لبنان إلى حرب سورية إسرائيلية، وفى مرحلة ثالثة قصفت سوريا وإسرائيل نفس الأهداف!

ومحليًا، لا يوجد فصيل لبناني بدأ الحرب بتحالفات سياسية إلا وتحالف لاحقًا مع فصائل من الفريق الآخر، وشهدت الحرب جولات من الصراع الماروني – الماروني، والشيعي – الشيعي بين حركة أمل وحزب الله قبل انتهاء الحرب، فكانت التحالفات العبثية تنسج بشكل شبه يومي.

دخل الجيش السوري لبنان عام 1976 بتكليف من جامعة الدول العربية وغطاء غربي، وقد تفهم بشير الجميل سريعًا أن فكرة طلب الحماية من سوريا ليست الحل، وأن أزمة “مسيحيي لبنان” ليس لها حل في دمشق، أو في فكرة عروبة لبنان، ولكن أيدولوجيا لبنان للبنانيين” أو “القومية اللبنانية” هي الحل.

وتشرذم تجمع الحركة الوطنية وتجمع الجبهة الوطنية ما بين مؤيد ومعارض لسوريا عقب عام واحد فحسب من بدء الحرب، وراحت التحالفات تنسج وتنهار بشكل شبه يومي، وهنا بدأ يظهر سمير جعجع بوصفه اليد الطولى لبشير الجميل، وكان للجميل استراتيجية معقدة سميت بـ “توحيد البندقية المارونية” أي أن تشرذم الأحزاب المسيحية ما بين مؤيد ومعارض لسوريا وعرفات سوف يضعف الصوت المسيحي وهكذا يجب توحيد تلك البندقية.

ولد سمير فريد جعجع في 25 أكتوبر 1952 لأب يعمل معاونًا بالجيش اللبناني، درس الطب بالجامعة الأمريكية ببيروت ما جعل أنصاره يلقبونه لاحقًا بـ”الحكيم”، انضم إلى حزب الكتائب عام 1975 ثم انتظم في ميلشيا القوات اللبنانية عام 1976، تزوج من السيدة ستريدا طوق عام 1990، وهى نائبة بالبرلمان اللبناني منذ عام 2005، وعضوة الرابطة المارونية ولقاء قرنة شهوان المناوئ للهيمنة السورية على لبنان ثم عضو مؤسس في تحالف 14 آذار مع زوجها.

زمن بشير الجميل

بدأ التوتر بين الكتائب وحلفائها المسيحيين، وفى زغرتا شمال لبنان حاول طوني فرنجية تقويض نشاط “جود البائع” القيادي الكتائبي في الشمال، ولكن ستة مسلحين من ميلشياته –المردة– اشتبكوا مع الكتائب وسقط جود البائع قتيلًا في 8 يونيو 1978.

ورد بشير الجميل عبر ميلشيات القوات بإرسال إيلي حبيقة وسمير جعجع إلى إهدن من اجل اعتقال المهاجمين الستة، ولكن القتال تطور عقب لجوئهم إلى مقر طوني فرنجية في 13 يونيو 1978، أصيب جعجع قبل دخول القوات المقر وتم سحبه من القتال، ولكن القوات بقيادة حبيقة أكملت الهجوم وتم تصفية طوني فرنجية وزوجته فيرا فرنجية وابنتهم جيهان فرنجية، وكانت ضربة موجعة للمردة وزعيمها الرئيس الأسبق سليمان فرنجية الذي كان يعد ابنه طوني لخلافته سياسيًا، فأسند له وزارة البريد والبرق في وزارات أمين الحافظ وتقي الدين الصلح ورشيد الصلح وهى الوزارات الثلاث في عهد الرئيس فرنجية.

تم تكليف روبير سليمان فرنجية برئاسة المردة، ولم يظهر اسم المردة أو فرنجية مرة أخرى بشكل قوي في لبنان إلا حينما عاد ابن طوني فرنجية، سليمان فرنجية الحفيد من الخارج عقب إتمامه الدراسة، وتولى رئاسة المردة أواخر الثمانينات حتى اليوم.

سحق القوات اللبنانية للمردة عام 1978 أشعل الشارع المسيحي، ما بين مؤيد لشعبية بشير الجميل الجارفة ما أدى إلى انضمام المليشيات المسيحية الأخرى إلى القوات اللبنانية، وما بين من رفض استراتيجية توحيد البندقية وحاول مناوأة بشير الجميل. عمليًا، لم يعد باقيًا سوى ميلشيا نمور الأحرار بقيادة داني شمعون، وفى يوليو 1980 شنت القوات هجومًا أخيرًا على نمور الأحرار، وانهت وجودها على الخارطة.

تخوف دانى كميل شمعون من مصير طوني سليمان فرنجية، وهرب إلى مناطق النفوذ السوري في لبنان، وتحول من قائد عسكري إلى سياسي مؤيد للنفوذ السوري، وترأس حزب والده عام 1985. ولكن في 22 أكتوبر 1990 وفى الفصل الأخير من الحرب الاهلية، اغتيل في منزله مع أبنائه طارق وجوليان إضافة إلى عقيلته انجريد عبد النور، وخلفه على رأس الحزب أخوه دوري كميل شمعون الرافض للهيمنة السورية – الإيرانية، وبدوره سلم دوري شمعون رئاسة الحزب إلى ابنه كميل دوري شمعون عام 2021.

ضربة بشير الجميل لنمور الاحرار عام 1980 ثم الهيمنة السورية على لبنان جعلت حزب الأحرار الوطنيين يغيب عن الساحة البرلمانية والسياسية اللبنانية بقرار من دمشق حتى عام 2005. وفى محاولة لاغتيال بشير الجميل في 23 فبراير 1980، توفيت طفلته مايا الجميل البالغة من العمر 18 شهرًا فحسب. هكذا وحد بشير الجميل البندقية والشارع الماروني خلفه، ومع قرب انتهاء ولاية الرئيس إلياس سركيس عام 1982، أصبح بشير الجميل هو أقوى مرشح للرئاسة اللبنانية.

اغتيال بشير الجميل

عقب انتخابه رئيسًا من قبل البرلمان اللبناني، وقبل تسلمه مهام منصبه، اغتيل بشير الجميل في 14 سبتمبر 1982 عن عمر 34 عامًا. ورغم أن أصابع الاتهام تذهب إلى النظام السوري، إلا أن إسرائيل لم تكن غائبة عن الحدث؛ إذ إن بشير الجميل عقب انتخابه وأثناء وجود الاحتلال الإسرائيلي في بيروت، اجتمع مع وزير الدفاع الإسرائيلي ارييل شارون في بكفيا بجبل لبنان، ومع مناحيم بيجن رئيس وزراء إسرائيل في مدينة نهاريا الفلسطينية المحتلة على الحدود اللبنانية الفلسطينية، وقد وجد بيجن وشارون على حد سواء أن الجميل قد بدأ يماطل في تنفيذ المطالب الإسرائيلية التي وعد الجميل سابقًا بتنفيذها إذا ما تلقى الدعم السياسي والعسكري اللازم من تل ابيب أثناء إزاحة منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.

وكان ياسر عرفات والمنظمة قد غادروا لبنان في أغسطس 1982، وهكذا فإن البشير عقب انتخابه بدأ يتحسس مدى جدوى التعاون مع إسرائيل أو قبول شروطها؛ إذ إن هذا التعاون لم يكن عقائديًا أو أيديولوجيًا، ولكن كان برجماتيًا بحتًا. وفى نهاية المطاف، فأن إسرائيل وقتذاك أصبحت قوة احتلال للوطن الذي سعى بشير الجميل إلى تحريره من الاستيطان الفلسطيني وفقًا لرؤيته، وبالتالي لم يكن منطقيًا لبشير الجميل أن يستبدل مناحيم بيجن وارييل شارون بياسر عرفات وحافظ الأسد.

أكثر جهة كانت جاهزة لاغتيال البشير كانت إسرائيل، حيث سرت شائعة في عموم لبنان أن القتلة هم الفلسطينيون، ويجب الانتقام الفوري منهم، وهكذا بدأت ميلشيات القوات اللبنانية تتوجه إلى مخيم صابرا وشاتيلا من أجل الانتقام.

ماذا جرى في صابرا وشاتيلا؟

يقع مخيم صابرا وشاتيلا في بيروت الغربية، وقد تأسس عام 1949، وهو حي سكني ضخم يضم آلاف الفلسطينيين، وفى 14 سبتمبر 1982 أي عقب 48 ساعة من اغتيال بشير الجميل بدأ الهجوم على المخيم الواقع تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي كما الحال مع العاصمة اللبنانية وقتذاك.

ومنذ عام 1982 حتى اليوم، يقدم كل طرف عربي روايته عن مذبحة صبرا وشاتيلا مجزأة وفقًا لأيدولوجيته وقناعته السياسية رغم أن الحقيقة نشرت مرارًا، فهنالك من ينسب المذبحة إلى الاحتلال الإسرائيلي وفريق ثانٍ إلى القوات اللبنانية، بينما الجريمة كانت أبشع من نسبها إلى طرف واحد.

فقد اقتحم المخيم أولًا فرقة كوماندوز تابعة للاحتلال الإسرائيلي، مهدت الطريق للفرق اللبنانية التالية، فقامت بسلسلة اغتيالات مهمة وسريعة أفقدت المخيم قوته الأمنية والعسكرية الضاربة. بعد ذلك أتى الدور على جيش دولة لبنان الحر، وهي دويلة صنعها الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان، وتملك جيشًا بعنوان جيش لبنان الجنوبي، ويرأس دولة لبنان الحر وجيش لبنان الجنوبي وقتذاك سعد حداد، ودخلت تلك الميلشيات للمخيم.

ثم الموجة الثالثة كانت عناصر شيعة الجنوب الغاضبين من دولة المخيمات الفلسطينية في الجنوب وكانت تلك العناصر تنتمي إلى حركة أمل، التي قامت لاحقًا عام 1985 بشن “حرب المخيمات” لسحق المخيمات الفلسطينية بما في ذلك العودة إلى مخيم صابرا وشاتيلا أيضًا.

وفى الموجة الرابعة، أتت ميلشيات القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة، وقد حاول الإعلام السوري لاحقًا نسب القيادة إلى سمير جعجع، ولكن الأخير كان مصابًا ويعالج منذ فترة طويلة وغاب عن الأحداث العسكرية البشعة التي جرت وقتذاك.

تعدد الأطراف المشاركة لا ينفى التفاصيل البشعة من قتل واغتصاب وسرقة وذبح على مدار ثلاثة أيام، بينما الجيش الإسرائيلي بقيادة ارييل شارون يطوق المخيم ويمنع أي مساعدة شعبية أو عسكرية لبنانية إلى المخيم.

هُزم شارون عسكريًا في الثغرة أمام المصريين في حرب أكتوبر 1973، وسعى إلى ترميم كبريائه وشعبيته امام الأوساط الإسرائيلية باجتياح لبنان عام 1982. وبعد انتهاء المذابح، تم الكشف عن القاتل الحقيقي، حبيب الشرتوني من الحزب القومي السوري، مسيحي ماروني مقرب من النظام السوري، ابن الأربعة والعشرين عامًا! قُبض عليه وسُجن دون محاكمة حتى عام 1990، ثم مع سيطرة سوريا على لبنان فر من سجنه دون أن يُعرف له أثر حتى اليوم!

هزيمة القوات في حرب الجبل

بعد يوم من انتخاب بشير الجميل رئيسًا للبنان، وقبيل اغتياله، عين فادي أفرام قائدًا للقوات اللبنانية، وهو زوج حفيدة مؤسس حزب الكتائب بيير الجميل؛ فزوجته هي ابنة كلود بيير الجميل من زوجها فؤاد أبو نادر.

وعقب اغتيال بشير ظل فادى أفرام على رأس القوات وقادها في حرب الجبل والتي هزمت فيها القوات اللبنانية شر الهزيمة، وأدى ذلك إلى تهجير المسيحيين من بعض مناطق الجبل وتحديدًا قضاء الشوف وقضاء عالية أمام تحالف عسكري سياسي بقيادة وليد جنبلاط قائد الحزب الاشتراكي التقدمي، ويضم تحالفه كلًا من حركة أمل بقيادة نبيه بري والحزب الشيوعي بقيادة جورج حاوي والحزب السوري الاجتماعي وبعض فرق منظمة التحرير الفلسطينية وحركة الناصريين المستقلين، إضافة إلى أنصار الزعيم الدرزي مجيد أرسلان وزير الدفاع الأسبق وأحد قادة الاستقلال وصهر آل جنبلاط (زوج السيدة خولة جنبلاط) وأنصار إلياس عطا الله.

في هذه المرحلة، اندلعت حرب الجبل، ما بين سبتمبر 1983 وفبراير 1984، وهي جولة من الحرب الأهلية لها نتائج مهمة في الواقع اللبناني حتى اليوم؛ إذ حاول الرئيس أمين الجميل عبر الجيش اللبناني المدعوم من القوات اللبنانية، إضافة إلى دعم واضح من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وإسرائيل، أن يدحر المعسكر المؤيد لسوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن ما جرى أن المعسكر اللبناني المدعوم من الغرب قد هُزم بشكل ساحق، وقد نتج عن هذه الجولة عدد من النتائج المهمة في تاريخ لبنان منها:

1 – انهيار الجيش اللبناني وأصبحت الغلبة لسلاح الميلشيات في لبنان حتى اليوم.

2 – استقالة قائد الجيش إبراهيم طنوس عام 1984 وتعيين ميشال عون قائدًا للجيش.

3 – انهيار حكومة شفيق الوزان، والتي شكلها في 25 أكتوبر 1980 في زمن الرئيس إلياس سركيس واستمرت في زمن الرئيس أمين الجميل بعد تعديلها في 7 أكتوبر 1982، وسلم الوزران رئاسة الحكومة إلى رشيد كرامي في 30 ابريل 1984.

4 – أصبح الجبل (اقضية الشوف وعالية تحديدًا) حتى اليوم تحت نفوذ وليد جنبلاط مع تفاهمات ثنائية مع نبيه بري، وسقطت حكومة واقيل.

5 – إسقاط اتفاق 17 آيار –17 مايو 1983– بين حكومة الرئيس أمين الجميل وإسرائيل، والذي يعد مسودة لاتفاق سلام بين تل أبيب وبيروت.

6 – انسحاب الاحتلال الإسرائيلي للبنان إلى الجنوب اللبناني والاكتفاء بدولة لبنان الحر في الجنوب برئاسة سعد حداد ثم أنطون لحد.

7 – تفكيك القوات متعددة الجنسيات وانسحابها من لبنان والتي تشكلت من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا.

8 – انهارت هيبة القوات اللبنانية، وتم تنحية فادى أفرام من رئاسة التنظيم في أكتوبر 1984، ولاحقًا لجأ إلى كندا دون رجعة، وتسلم فؤاد أبو نادر –ابن كلود بنت بيير الجميل مؤسس حزب الكتائب– رئاسة القوات اللبنانية، ولكن إيلي حبيقة وسمير جعجع وكريم بقرادوني قادوا انقلابًا ضده عام 1985، لتخرج قيادة القوات اللبنانية من آل الجميل للمرة الأولى منذ تأسيسها.

سمير جعجع يسقط الاتفاق الثلاثي

عقب اغتيال بشير الجميل ثم حرب الجبل وفك الارتباط مع حزب الكتائب ورفض القوات اللبنانية لوصاية الرئيس أمين الجميل -وقيل في هذا الامر أن الموضوع يعود لخلافات بين الرئيس وشقيقه الراحل قبل أي أحداث أخرى جرت بعد اغتيال الأخ- شهدت القوات تيارين، الأول البقاء في المعسكر الرافض للهيمنة السورية برئاسة سمير جعجع، والآخر برجماتي مع الذهاب إلى الاتفاق مع دمشق برئاسة إيلي حبيقة، وفتح الأخير خط اتصال مع دمشق عبر ميشيل سماحة.

نفذ حبيقة ما أراده، ووقع الاتفاق الثلاثي مع حركة أمل بقيادة نبيه بري والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة وليد جنبلاط برعاية سورية وفى العاصمة دمشق، والتي شهدت أول زيارة من نوعها لقائد القوات اللبنانية! رأت دمشق أن الاتفاق الثلاثي سوف يؤدي إلى إنهاء الحرب الأهلية السورية، وقد حصل الرئيس أمين الجميل على تفاصيل الاتفاق قبل الإعلان عنه ورفضه لأنه لا يعني سوى تكريس التواجد السوري وتحوله إلى سلطة احتلال مطلقة.

سارعت القوات اللبنانية إلى رفض هذا التوجه ودعم تيار جعجع، ما سهل على الأخير إزاحة حبيقة من رئاسة القوات وتوليه رئاسة القوات اللبنانية في يناير 1986 حتى اليوم، ولم يكن الرئيس أمين الجميل بعيدًا عن هذا الانقلاب. الملاحظ أن سوريا تساهلت مع من وصفه الإعلام اللبناني والعربي حتى اليوم بقائد مذبحة صبرا وشاتيلا، وحاولت جعله المكون الماروني في حلفها بلبنان بتحالفه مع جنبلاط وبري.

ولاحقًا مع استتباب الامر لسوريا في لبنان عقب اتفاق الطائف، سارعت دمشق إلى إقحام حبيقة في العمل السياسي، فأصبح وزيرًا بترتيبات سورية ما بين عامي 1990 و1998 في حكومات عمر كرامي ورشيد الصلح ورفيق الحريري على التوالي.

حاول إيلي حبيقة تقلد الزعامة المارونية وأسس حزب وعد (الحزب الديمقراطي الوطني الديمقراطي) ولكنه خسر انتخابات البرلمان عام 2000، وظل الرجل كاتم أسرار التدخل الإسرائيلي والسوري في لبنان، ولاحقًا أعلن حبيقة عن استعداده للتوجه إلى محكمة العدل الدولية في هولندا للشهادة ضد ارييل شارون الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل، ولم يمض وقت طويل وتحديدًا في 24 يناير 2002 لقى إيلي حبيقة مصرعه في انفجار هز بيروت، وللمفارقة فإن أصابع الاتهام لم تذهب إلى إسرائيل فحسب ولكن أيضًا إلى سوريا على ضوء تعاونه المطول مع دمشق.

حرب الإلغاء بين سمير جعجع وميشال عون

تحول الصراع ضد الهيمنة السورية إلى مسألة هامشية بينما الفصائل اللبنانية خاصة المارونية تتقاتل على مساحات النفوذ، وبعد سيطرة سمير جعجع على القوات اللبنانية، بدأ لبنان يستعد للانتخابات الرئاسية عام 1988، عقب انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل.

كان الوفاق السوري الأمريكي على أشده في تلك السنوات، والهدف هو ضبط إيقاع الحرب الأهلية والحفاظ على معادلة لا غالب ولا مغلوب، مع تسويق دمشق لدورها في حماية لبنان من ياسر عرفات والفلسطينيين، وجرى توافق أمريكي سوري على ترشيح ميخائيل الضاهر رئيسًا للبنان على حساب دوري شمعون، ولكن الانسداد السياسي استمر دون القدرة على انتخاب رئيس جديد.

وقبل انتهاء ولايته بربع ساعة فحسب، فجر الرئيس أمين الجميل المفاجأة، وكلف قائد الجيش العماد ميشال عون برئاسة حكومة عسكرية إلى حين انتخاب رئيس جديد، هكذا وبضربة واحدة أصبح ميشال عون رئيسًا للجمهورية بالوكالة ورئيسًا للوزراء وقائدًا للجيش.

ما بين عامي 1988 و1990 شهدت بيروت حربًا ضروسًا ما بين ميشال عون وسمير جعجع، سميت حرب الإلغاء، فقد سعى كل فريق لإلغاء الآخر وحصد الزعامة المارونية، بينما رفضت قوى سياسية قرار الرئيس المنتهية ولايته خاصة المسلمين الذين رأوا أن تعيين مسيحي في منصب رئيس الوزراء يعد خرقًا للميثاق الوطني الذي رسخ المحاصصة الطائفية في الرئاسات اللبنانية الثلاث، رئاسة الجمهورية والوزارة والبرلمان.

ومع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها واندلاع الحرب الخليجية الثانية وبدء الانتفاضة الفلسطينية الأولى وتفهم ياسر عرفات وحافظ الأسد على حد سواء أن الحليف السوفيتي قد أصبح جزءًا من التاريخ وبدأ الزعيمان في مفاوضات سرية مع واشنطن، أدرك الغرب أنه حان الوقت لإنهاء لعبة الأمم في لبنان.

بدأت مفاوضات بين الفرقاء اللبنانيين في الطائف السعودية، بتفهم ودعم كامل من الغرب وسوريا، وتم توقيع اتفاق الطائف حيث تقرر حل كافة المليشيات وتسليم السلاح باستثناء الموجودة في الجنوب لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وترسخ النفوذ السوري في لبنان بوصفه قوات حفظ سلام.

ولكن النفوذ السوري في لبنان لم يكن عسكريًا فحسب؛ فبعد 15 سنة من الهيمنة السورية والحرب الأهلية، أصبحت أجهزة الأمن السوري تملك قواعد اللعبة في كافة مدن لبنان، قادرة على تعيين هذا وإسقاط ذاك، ولاحقًا تغلغلت إيران في النفوذ السوري. وعقب وفاة حافظ الأسد، أصبحت الهيمنة السورية تحت إدارة مشتركة، سورية إيرانية.

القوات اللبنانية واتفاق الطائف

رغم أن البرنامج الأساسي للقوات اللبنانية هو رفض الهيمنة السورية، ولكن سمير جعجع وافق على اتفاق الطائف ومعه القوات اللبنانية، فالفائدة الأساسية من الاتفاق وقت التوصل إليه هو استعادة الدولة من دوامة الحرب الأهلية، وإنهاء هذا القتال العبثي. وتخوف من تبعات انتهاء الحرب الباردة على لبنان على ضوء غموض قواعد لعبة ما بعد الحرب الباردة.

فيما رفض ميشيل عون اتفاق الطائف، وفضل التمسك بموقعه رافضًا الوصاية السورية، بينما يتهمه الفريق المضاد بان المسألة لم تعد رفضًا للوصاية السورية بقدر ما هو تمسك بمقعد رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء. ولعل القراءة ذاتها يمكن أن تنطبق على سمير جعجع أيضًا؛ إذ إنه كان أبرز زعيم ماروني يوافق على اتفاق الطائف، ما يجعله لاحقًا من أبرز الأسماء المرشحة لقيادة العمل السياسي الماروني عقب انتهاء الحرب.

ولكن يحسب لجعجع –بحسب المؤرخين اللبنانيين– أنه انحاز للدولة اللبنانية في هذا التوقيت الصعب، وجمد اعتراضه على الوصاية السورية من أجل إيقاف الحرب الأهلية بعد أن وصلت إلى اقتتال ماروني – ماروني قد يقضى على المارونية السياسية في لبنان. أُعلن عن نهاية الحرب عام 1990، وانتُخب إلياس الهراوي رئيسًا عام 1989، وقام الجيش السوري بمهاجمة معاقل ميشال عون وفر الأخير إلى السفارة الفرنسية ثم إلى المنفى الفرنسي إلى حين.

سمير جعجع بعد اتفاق الطائف

بدا واضحًا منذ اللحظة الأولى لعودة العمل السياسي في لبنان أن سمير جعجع أثقل من باقي الأصوات الموجودة، في زمن هيمنت فيه سوريا بشكل ساحق على لبنان، فسلمت رئاسة حزب الكتائب إلى جورج سعادة واختار أمين الجميل المنفى الاختياري، وبدأت سوريا تمارس لعبة التعطيل والفراغ، فيما بدأت النخب اللبنانية ترحب بالدور السعودي في لبنان عن أي وقت مضى.

اختير سمير جعجع وزيرًا دون حقيبة في وزارة عمر كرامي ما بين ديسمبر 1990 ومارس 1991، وتم تفكيك القوات اللبنانية ودمج ثلثي عناصرها المسلحة في الجيش اللبناني الجديد. وفى عام 1992، حاول سمير جعجع الظفر برئاسة حزب الكتائب، ولكن سوريا دعمت جورج سعادة. وبينما يستعد لبنان لانتخابات الرئاسة عام 1995، جرى تفجير كنيسة سيدة النجاة في جونية الذي قُتل فيه عشرة أشخاص، وعلى إثر ذلك تم اعتقال جعجع الذي اتُهم بتدبير تفجير الكنيسة وتم حظر القوات اللبنانية، وحكم على سمير جعجع أولًا بالإعدام ثم المؤبد، حيث ظل سجينًا بأحد أقبية وزارة الدفاع اللبنانية حتى عام 2005، بينما يمارس برلمان لبنان هواية سوريا المفضلة في التمديد للرئيس المنتهية ولايته فحصد إلياس الهراوي ثلاثة أعوام إضافية تبدأ عقب انتهاء ولايته.

القضاء اللبناني برأ جعجع من تهمة تفجير الكنيسة بعد محاكمة علنية طويلة، ثم أصدر حكمًا بإعدامه تم تخفيفه إلى الاشغال الشاقة المؤبدة، لاتهامه بجرائم أخرى منها اغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي عام 1987 واغتيال داني شمعون رئيس حزب الوطنيين الأحرار مع زوجته وولديه! وتعرض مناصرو القوات اللبنانية طيلة سنوات بعد ذلك للملاحقة، وتم اغتيال بعض كوادرهم وعلى رأسهم رمزي عيراني. سُجن جعجع 11 عامًا في زنزانة انفرادية صغيرة بلا نوافذ في الطابق السفلي الثالث بوزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة.

لاحقًا، قال جعجع أنه استغل سنوات السجن في تأمل ومراجعة أفعاله خلال الحرب لتحديد ما إذا كان ما فعله صحيحًا، وانشغل بقراءة الأدب، والفلسفة الهندوسية، والقرآن، واللاهوت المسيحي والتصوف، وبالتحديد أعمال القس اليسوعي تيلار دي شاردان.

القوات اللبنانية وثورة الاستقلال الثاني

بعد مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري واندلاع ثورة الأرز أو ثورة الاستقلال الثاني وانسحاب الجيش السوري من لبنان، صوّت البرلمان اللبناني في 18 يوليو 2005 على إطلاق سراح سمير جعجع، في جلسة انسحب منها نواب حزب الله والحزب القومي الاجتماعي السوري، ولكن كان لافتًا أن نواب حركة أمل بزعامة نبيه بري صوتوا لصالح العفو.

انخرط عناصر القوات اللبنانية في المظاهرات الحاشدة عام 2005 ضد الوجود العسكري السوري. ومع خروج جعجع، عُقد مؤتمر تأسيسي جديد وظهر حزب القوات اللبنانية إلى الوجود. وأسهم الحزب بدور رئيس في تشكيل تكتل 14 آذار الرافض للهيمنة السورية الإيرانية على لبنان، وشارك في الانتخابات اللبنانية ثم التشكيلات الوزارية التالية.

كان العام 2005 عامًا مفصليًا في تاريخ لبنان، خرج سمير جعجع من السجن، وعادت القوات اللبنانية إلى العمل السياسي، وعاد ميشال عون من المنفى الفرنسي وترأس التيار الوطني الحر الذي أسسه منذ سنوات، وعاد حزب الوطنيين الأحرار إلى الانخراط في الانتخابات البرلمانية، وأخيرًا سيطر الرئيس الأسبق أمين الجميل على حزب العائلة.. حزب الكتائب بعد سنوات من الوصاية السورية على الحزب، وورث سعد الحريري عباءة الزعامة السنية عن والده.

ومع استقالة وزارة سعد الحريري الأولى عام 2011، واختيار الحريري الابن أن يذهب في منفى اختياري خارج لبنان، انتقلت زعامة 14 آذار وزعامة الحركة الشعبية والسياسية الرافضة للوصاية السورية الإيرانية من سعد الحريري إلى سمير جعجع.

وبحلول عام 2012 حدث تحول تاريخي في الدور السعودي بلبنان؛ إذ اختار الملك عبد الله أن يتم التركيز على التواصل مع جعجع على حساب سعد الحريري، في استشراف بالغ الدقة لما أبداه جعجع لاحقًا من صرامة في مواجهة دمشق وطهران عكس الحريري الابن الذي عقد اتفاقًا مفاجئًا مع حزب الله والتيار الوطني الحر.

ولم يكن هذا التحول ذا مدلول ديني كما يروج البعض؛ إذ إن العديد من قادة لبنان المسيحيين كانوا على علاقة جيدة بالرياض منذ عقود، مثل عائلة الرئيس سليمان فرنجية وأبنائه وأحفاده حتى اليوم رغم انحياز الحفيد لدمشق. وفي 4 أبريل 2012، تعرض سمير جعجع لمحاولة اغتيال بأسلحة غير متوفرة في لبنان إلا بحوزة الموالين لسوريا.

وبحلول عام 2014 واقتراب ولاية الرئيس ميشيل سليمان من نهايتها، بدأ سباق الترشح للرئاسة، ورغم أن سعد الحريري أعلن سابقًا دعمه لسمير جعجع مرشحًا للرئاسة ولكن كان ذلك قبل تقارب جعجع مع السعودية، فقام الحريري في مناورة سياسية بترشيح سليمان طوني فرنجية (سليمان فرنجية الحفيد) الذي أصبح رئيسًا لتيار المردة خلفًا لعمه روبير وابيه طوني وجده سليمان فرنجية.

أربك الحريري الابن حسابات حلفائه قبل أعدائه، فسليمان فرنجية الحفيد كان وزير الداخلية وقت اغتيال رفيق الحريري، وبالتالي فكرة دعم الحريري الابن لفرنجية الحفيد كانت مستبعدة تمامًا. وسارع سمير جعجع إلى الاجتماع مع غريمه التاريخي ميشال عون، وقدم جعجع دعمه لترشيح عون للرئاسة، وكانت رؤية جعجع أن عون أقل انبطاحًا عن فرنجية للمحور السوري الإيراني.

وللمفارقة أن سعد الحريري لاحقًا قرر الذهاب إلى أبعد مما ذهب جعجع، فذهب إلى حزب الله قبل الذهاب إلى ميشال عون، وهكذا جرى اتفاق العهد الذي أوصل عون إلى رئاسة الجمهورية والحريري الابن لرئاسة الوزراء.

ولكن بقيام ثورة 17 أكتوبر 2019 اللبنانية سقط العهد عمليًا، وسقطت وزارة سعد الحريري، وسقطت شعبية التيار الوطني الحر، وترجم الشعب اللبناني هذه الحقائق السياسية إلى أرقام واضحة في انتخابات البرلمان عام 2022، ليصبح حزب القوات اللبنانية هو زعيم الشارع المسيحي والكتلة المسيحية الأكبر في البرلمان.

وفى 14 أكتوبر 2021، جرت اشتباكات في بيروت أثناء مظاهرات نظمتها حركة أمل وحزب الله احتجاجًا على القاضي المكلف بالتحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وقد أسفرت تلك الاشتباكات عن مقتل 7 أشخاص على الأقل وإصابة عشرات آخرين، واتهم حزب الله سمير جعجع بنصب فرقة قناصة تابعة للقوات اللبنانية، ولكن جعجع نزع فتيل الازمة بعدم التجاوب مع هذا الاستفزاز.

إن الملاحظ في قيادة القوات اللبنانية اليوم أنها الأكثر وفاءً لأفكار بشير الجميل ورفض الوصاية السورية الإيرانية، عكس أغلب القيادات المسيحية من الحرس القديم في لبنان، مثل أمين الجميل الذي هادن الوصاية السورية حينما كان رئيسًا، وميشيل عون الذي سلم التيار الوطني الحر للوصاية السورية الإيرانية، ومن جيل الوسط فعلاقات سليمان فرنجية الحفيد مع سوريا واضحة للعيان. وحتى الجيل الجديد مثل جبران باسيل وزير الخارجية الأسبق وطوني سليمان فرنجية الحفيد الزعيم المقبل للمردة كلاهما على وفاق هائل مع دمشق.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى