الأزمة الأوكرانيةأوروباروسيا

موسكو وهلسنكي بين الماضي والحاضر: كيف ينظر “بوتين” إلى فنلندا؟

يشهد المسرح السياسي الأوروبي تطورات محورية متلاحقة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أواخر فبراير من العام الجاري، ترتب عليها انجرار العديد من الدول إلى بؤر التوتر، خاصة بعد أن فرضت عليها طبيعة الصراع الجاري ضرورة تحديد المواقف والتفاعل مع الحرب. 

نجد أن نموذجي فنلندا والسويد يُعدان دليلًا دامغًا على هذه الحالة، خاصة بعد أن وجدت الدولتان أن الوقت قد حان لتغيير مواقفهما الحيادية إلى مواقف تحالف مع حلف شمال الأطلسي. وعلى هذا الأساس، تقدمت الدولتان بطلبين رسميين للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، الأربعاء 18 مايو، حتى تبدأ بعد ذلك الإجراءات المتعلقة بانضمامهما الفعلي، وهي عملية من المتوقع أن تستغرق بضعة أسابيع.

وهي الخطوة التي أثير حولها الكثير من التأويلات والتحليلات؛ فقد ذهبت آراء البعض إلى أن هذه الخطوة ستتسبب في تآكل المنطقة العازلة التي تفصل روسيا عن حلف الناتو بالشكل الذي سيترتب عليه تنامي حدة التوترات الحالية بما قد يسفر عن نتائج قد لا يحمد عقباها، فيما ذهبت آراء آخرين إلى أن روسيا في الوقت الراهن تعجز عن التصرف مع وجود الناتو في الدولتان. 

وما بين هذا وذاك، يأخذنا الموقف الراهن إلى محاولة تسليط الضوء على أبرز محطات العلاقات الروسية الفنلندية؛ أملًا في الوصول إلى تكهنات بشأن الفرق بين مواقف موسكو مع كييف إبان محاولاتها المتكررة للانضمام إلى الناتو، عن مثيلتها مع هلسنكي، في محاولة للتعرف على إجابة السؤال حول كيف ينظر “بوتين” إلى فنلندا؟

موسكو وهلسنكي: محطات تاريخية مشتركة

يعرف الجميع أن كييف كانت في ماضيها السوفيتي جزءًا لا يتجزأ من أملاك روسيا. وبشكل أو بآخر، كانت فنلندا أيضًا في مرحلة معينة من تاريخها تُدين بالتبعية للإمبراطورية الروسية. وذلك بموجب معاهدة “فريدريششام” للسلام، التي تم توقيعها بين روسيا والسويد في 17 سبتمبر 1809. وبموجب هذه المعاهدة، تنتهي الحرب الروسية السويدية (1808- 1809) بتنازل السويد عن فنلندا لروسيا. 

بدأ الأمر عندما أراد القيصر الروسي، “ألكسندر الأول”، الاستحواذ على المزيد من الأراضي على حساب السويد، والتي لم تكن في ذلك الوقت تُمثل قوة عسكرية لها وزن. وبناءً عليه، عبر الجيش الروسي –سِرًا- الحدود مع فنلندا، بتاريخ 9 فبراير 1808، دون الحاجة إلى إعلان الحرب وقام باحتلال “هلسنكي” التي كانت تُسمى في ذلك الوقت “هيلسينغفورز”، خلال فترة وصلت إلى تسعة أيام فقط. 

ولم يُعلن القيصر الحرب إلا في تاريخ 18 مارس، بمجرد أن بلغه أن ملك السويد، “جوستاف الرابع”، عرف بشأن الهجوم وغضب ثم أمر باعتقال جميع موظفي السفارة الروسية في ستوكهولم. ولم تتخذ الأمور فيما بعد شكلًا أكثر حدِة، ويرجع ذلك إلى أن ملك السويد كان يطمح للوصول إلى حل سلمي، ولم يضع جيشه في حالة من التأهب. حتى عندما تحولت الحرب إلى أمر واقع، أصدر ملك السويد تعليمات إلى القائد العام لفنلندا، الكونت “كلينجسبور”، وأخبره بضرورة تجنب المعارك مع الروس بقدر المستطاع.  

وفي البداية، كان سُكان فنلندا يدينون بالولاء للتاج السويدي. غير أن الأمور اتخذت شكلًا آخر بمجرد أن ذهب القيصر ألكسندر الأول، إلى مقر البرلمان الفنلندي في “بورجو”، في 16 مارس 1809، وألقى خطابًا باللغة الفرنسية وعد فيه بالحفاظ على قوانين فنلندا وتعهد بالوفاء باستقلالها. وفي اليوم التالي، أدى مجلس النواب اليمين للقيصر الروسي الذي أضيف إلى لقبه كلمة “دوق فنلندا”.

وبهذه الطريقة، حصلت فنلندا على نظام تبعية خاص بها مع روسيا؛ إذ تم استخدام الضرائب المحصلة من فنلندا حصريًا لاحتياجاتها الداخلية فقط. وتم بناء أفضل المباني في هلسنكي بأموال أرسلتها الحكومة الروسية. وخدم جنود فنلندا في وحدات منفصلة خاصة بهم بشكل يمنع مشاركتهم في أي أعمال عدائية خارج أراضيهم. ولم يحدث يومًا وأحس رعايا فنلندا أنهم تابعون لروسيا. ومن الجدير بالذكر، أن فنلندا لم تقم بتطوير مجتمعات كبيرة من الرعايا الروس، والعكس صحيح، فلم يستقر الفنلنديون خارج حدود وطنهم التاريخي. 

تدهورت العلاقات بعد ذلك بين البلدين، بمجرد تولي الجنرال نيكولاي بوبريكوف (1898-1904) مهمة تعادل الحاكم الإداري لفنلندا، واهتمامه بتطبيق سياسات “الترويس” بالإجبار. مما ترتب عليها غضب فنلندي كان بمثابة إشعال الفتيل الأول للدفع بفنلندا نحو الاستقلال الذي أعلنته فنلندا بتاريخ 6 ديسمبر 1917. 

خلافات الأيام الأخيرة

صرح “بوتين”، خلال مشاركته في قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي في موسكو، 16 مايو، إن روسيا ليس لديها مشكلات مع فنلندا والسويد، وانضمامها إلى حلف الناتو لن يشكل تهديدًا لكنه سيثير ردًا. وأضاف “بوتين”: “أما بالنسبة لتوسيع الناتو، بما في ذلك من خلال الأعضاء الجدد في الحلف وهما فنلندا والسويد – ليس لدى روسيا مشكلات مع هذه الدول. لذلك، بهذا المعنى، فإن التوسع على حساب هذه الدول لا يشكل تهديدًا مباشرًا لروسيا”. مؤكدًا في الوقت نفسه، أن توسيع البنية التحتية العسكرية في هذه المنطقة سيترتب عليه رد من روسيا، وسيكون هذا الرد على أساس التهديدات الناشئة على الأمن الروسي. وبتاريخ، 21 مايو، أعلنت موسكو وقف صادراتها من الغاز الطبيعي إلى فنلندا. ومن جهتها، عزت وسائل الإعلام الحكومية الروسية هذا القرار إلى عدم موافقة “هلسنكي” على سداد قيمة صادرات الغاز بالروبل. 

وعند هذه النقطة، يطرح سؤال نفسه؛ هل ينتظر فنلندا –حال انضمامها للناتو- نفس المصير الذي تعيشه أوكرانيا الآن بعد إقدامها على خوض نفس المحاولة؟ وذلك بحكم وقوع –كلا البلدين- في يوم من الأيام قيد التبعية الروسية؟! ردًا على هذا السؤال، نجد أن الإجابة بالتأكيد ستكون لا. 

من المستبعد أن نفكر في أي احتمالات غزو روسي لأراضٍ فنلندية، سواء في المستقبل القريب أو البعيد، على غرار نفس الحالة التي تعيشها أوكرانيا الآن. حتى لو احتوت الأراضي الفنلندية على قواعد عسكرية للناتو، ليس من المتوقع أن يأتي رد روسيا على هيئة ضربات عسكرية مباشرة أو غزو من أي نوع. والسبب وراء ذلك لا يتعلق فقط بكون روسيا منشغلة الآن في حربها على الجبهة الأوكرانية فحسب، بل يرجع في الأساس إلى رؤية “بوتين” نفسه، إلى أوكرانيا والتي تختلف اختلفا جذريا عن رؤيته لهلسنكي.

فمنذ سنوات حكمه الأولى، عكف بوتين على التأكيد مرارًا وتكرارًا أن أوكرانيا ليست دولة، بل جزءًا من الأراضي الروسية. وكثيرًا ما ردد –عن قناعة- أن هذه الأراضي ما انفصلت عن روسيا إلا من بفعل الأخطاء السوفيتية الفادحة. 

وبناء عليه، يحلم “بوتين” باستعادة مجد روسيا السوفيتي، الذي كانت كييف جزءًا منه على عكس فنلندا. لا ينبغي كذلك أن نغفل العوامل العرقية للتكوين السكاني للبلدين، أوكرانيا وفنلندا، ودورها في التأثير على رؤية بوتين الجيوسياسية للمنطقة ككل وطموحاته التوسعية بها؛ فالأوكرانيون والروس والبيلاروس يجمع بينهم عوامل عدة؛ وحدة الثقافة، ووحدة التاريخ، ووحدة العرقية السكُانية “السلافيون”. علاوة على ذلك، لا ننسى عامل اللغة المشتركة.  غير أن الوضع في فنلندا مختلف تمامًا؛ نظرًا إلى أن شعب فنلندا “الاسكندنافيين” أو “اللابيين”–كما ذكرنا آنفًا- حافظوا على هويتهم ولغتهم وتكوينهم السكاني حتى خلال خضوعهم تارة للحكم السويدي، وتارة أخرى للحكم الروسي. 

إذًا على أي أساس مشترك قد يُفكر “بوتين” في إمكانية ضم هؤلاء للشعب الروسي؟! في الحقيقة لا يوجد أي أساس قد يدفعه إلى اتخاذ هذه الخطوة. وفنلندا في نهاية المطاف ليست كييف، ومن وجهة نظره، هي في الأساس دولة مستقلة بحد ذاتها. 

من هذ المنطلق، ليس من الممكن أبدًا أن تتساوى في العقوبة مع أوكرانيا حتى لو تساوت الأفعال. لكن في الوقت نفسه، هذا لا يعني أن موسكو لن تتحرك لمعاقبة “هلسنكي” في حال أن فكرت في وضع قواعد عسكرية للناتو على أراضيها. فمن المؤكد أنه سيكون هناك المزيد من العقوبات الروسية التي ستترافق مع كل توسع يضع الناتو بالقرب من حدود روسيا –الجديدة- لكن سيكون من الصعب تحديد طبيعة هذا العقاب في الوقت الراهن بحكم طبيعة الأوضاع السياسية المعقدة التي تشهدها القارة الأوروبية والعالم بوجه عام. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى