دول المغرب العربي

تطورات حرجة وانسلاخ الفاعلين… تونس والحوار الوطني

مثٌل إعلان الرئيس التونسي “قيس سعيد” في العشرين من مايو الجاري استحداث هيئة وطنية مستقلة تحت مسمى “الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة” لتقديم المقترحات الخاصة بمسودة مشروع الدستور الجديد لتونس برئاسة “صادق بلعيد” نقطة فارقة في المشهد السياسي التونسي، خاصة وأنه يُمثل محطة حرجة نحو إعادة تنظيم السلطات والاختصاصات لبناء الجمهورية الجديدة استكمالًا للإجراءات المتخذة منذ يوليو 2021، بجانب أن تلك الخطوة تُعد بمثابة أداة للحوار الوطني التونسي للوقوف حول متطلبات المرحلة الراهنة بمشاركة حزبية وسياسية متعددة.

وبالرغم من كون هذه الخطوة بمثابة آلية مُكملة للإجراءات المُتخذة سلفًا ومسارًا حيويًا للخروج من التأزم والمأزق السياسي الداخلي، إلا أن ثٌمة ضعفًا نسبيًا في التعاطي الإيجابي مع تلك المبادرة، مما يُنذر بوجود عقبات حيال استكمالها والخروج بنتائج إيجابية تدفع المشهد السياسي للأمام وتحقق الغرض منها في السير قدمًا نحو الجمهورية الجديدة. 

لجان تكاملية نحو الجمهورية الجديدة

إن الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل الجمهورية الجديدة جاءت لتضمن عددًا من اللجان الفرعية المُسند إليها قطاعات عريضة في المجتمع التونسي؛ من أجل مواجهة التحديات الراهنة، وإعادة هندسة الملفات السياسية والقانونية والاقتصادية، بما يوائم التحولات الدولية الراهنة والمتغيرات السياسية الداخلية، حيث تتضمن تلك الهيئة ثلاث لجان فرعية كالآتي:

  • اللجنة الاستشارية القانونية: والتي تقوم بالأساس على أكاديميين ومختصين في القانون يتم تعيينهم من جانب الرئيس التونسي، وتختص تلك اللجنة بإعداد مشروع دستور يشمل كافة تطلعات الشعب ويكرس مبادئ العدل والحرية في ضوء نظام ديمقراطي.
  • اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية: يناط بها تقديم المشاريع الاقتصادية والاجتماعية وتقديم خطة عمل لتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية وكذلك الاجتماعية، وتضم المنظمات الكبرى في تونس وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل وعدد من الجهات الحقوقية وعلى رأسها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.
  • لجنة الحوار الوطني: هي إحدى اللجان الجوهرية في خضم التحولات الراهنة داخل تونس ويتولى رئاستها “صادق بلعيد”، وتتولى الإشراف والتنسيق فيما يتعلق بالحوار الوطني بين الأطياف السياسية المختلفة، وتشمل تحت مظلتها أعضاء اللجنة الاستشارية للشؤون الاقتصادية والاجتماعية وكذا اللجنة الاستشارية القانونية، وتتولى اللجنة الدمج بين المقترحات التي تقوم بها كل لجنة على حدة؛ بهدف تأسيس الجمهورية الجديدة، ويتم تقديم مخرجات الحوار للرئيس التونسي في موعد أقصاه العشرين من يونيو 2022.

ولعل الأهداف وراء تشكيل هذه الهيئة تكمن في رغبة الرئيس “سعيد” في الخروج من الوضع السياسي المتأزم ومن الصراعات الحزبية المتباينة داخل المشهد التونسي، ويُعيد بصورة أكبر زخم المسار التصحيحي الذي اتخذه في الخامس والعشرين من يوليو 2021 من ناحية،  ومن ناحية أخرى الرغبة في معالجة الأوضاع الاقتصادية بحلول عاجلة من جانب المختصين للتصدي للتآكل الاقتصادي التونسي والأوضاع المتردية الناجمة عن الموروث الاقتصادي وكذلك عن التطورات الأخيرة التي يشهدها العالم وباتت تُمثل ضغطًا على الاقتصاديات العربية، ولعل هذا الغرض يأتي في ضوء التعويل الحزبي من جانب التيار الإسلامي على الدولة في الأزمة الاقتصادية ومن ثٌم يُمثل ورقة شعبية ضاغطة على النظام.

فرص ضئيلة وإنذار بالفشل

إن المتأمل للمشهد السياسي التونسي وطبيعة المواقف المختلفة حيال اقتراح الرئيس “سعيد” نحو عقد حوار وطني من أجل “جمهورية جديدة” يرى أن فرص تمرير وإنجاح هذا الحوار سوف تكون ضئيلة في ضوء التحديات الآتية:

  • تراجع الحاضنة المؤسساتية: هناك تراجع في الحاضنة المؤسساتية ذات التأثير والتي توافقت في الكثير من السياسات والإجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي منذ تجميد مجلس النوب وحل الحكومة التونسية في يوليو 2021 وعلى رأسها الاتحاد العام للشغل الأكثر تأثيرًا في الشارع التونسي، والذي أبدى رفضه المشاركة في الحوار الوطني، خاصة وأن هذا الاتحاد يرى في الحوار نمطًا شكليًا وليس فعليًا، وأنه قائم على إقصاء القوى المدنية، ومن ثٌم لا يفضي إلى نتائج.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل أعلنت الهيئة الإدارية بالاتحاد العام للشغل القيام بإضراب وطني في الوظائف والشركات العامة احتجاجًا على رفض زيادة الأجور والمرتبات في ضوء الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها الاقتصاد التونسي، بالرغم من كون الحوار الوطني واحدًا من المطالب التي تقدم بها اتحاد الشغل للخروج من الأزمة السياسية في تونس. 

  • تزايد مساحة المعارضة الحزبية: لم يقتصر رفض الإجراء الراهن من جانب الأحزاب المعارضة والتي يأتي على رأسها الإسلام السياسي والمتضمنة جبهة الإنقاذ الوطني وفي القلب منها حركة النهضة وقلب تونس والكرامة وائتلاف مواطنون ضد الانقلاب، بل زادت مساحة المعارضة لتشمل أيضًا حزب التيار الوطني والحزب الدستوري الحر الذي تقوده عبير موسى، والتي وصٌفت قرارات الرئيس التونسي بالديكتاتورية، ولعل تلك الأحزاب تُمثل موضع رفض بالنسبة للرئاسة التونسية التي استثنتهم جميعًا من الانخراط في جلسات الحوار الوطني.

وفي التقدير؛ إن الوضعية الحالية في تونس والتفاعل غير الإيجابي مع الدعوة التي أطلقها الرئيس “قيس سعيد” خاصة من جانب اتحاد الشغل تُزيد بصورة كبيرة من التصدعات الداخلية، ومن شأنها أن تُفشل الحوار الوطني. وسيولد هذا التخبط الداخلي بيئة خصبة لإعادة نشاط الإخوان ممثلًا في حركة النهضة عبر الالتفاف حول الأحزاب الرافضة للحوار الوطني والمستبعدة منه، ولعل هذا الأمر بمثابة اصطفاف داخلي واستقطاب يُمثل في حد ذاته ورقة ضغط سياسية وميدانية على النظام التونسي، ويحول دون إتمام مسار خارطة الطريق كما هو الحال بالنسبة للاستفتاء على الدستور المزمع عقده في يوليو المقبل، خاصة وأن الخطوات الحالية تُمثل ضربة قاصمة للتنظيم الدولي للإخوان على وجه العموم والإسلام السياسي وفي القلب منه حركة النهضة على وجه الخصوص.

ولعل هذا الأمر يتطلب قدرًا من المرونة في التعاطي مع هذا الملف من جانب الرئاسة التونسية، والانفتاح بصورة أكبر على الأحزاب المدنية الداعمة لمسار التصحيح منذ 25 يوليو 2021، وكذلك الاتحادات النقابية المختلفة والمجتمع المدني؛ حتى يتسنى الخروج بتوافقات من شأنها أن تُعزز من بناء الجمهورية الجديدة، وتحول دون انقضاض الحركات الإسلامية على المشهد مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى