تغير المناخمصر

“الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050”.. وتحقيق التنمية المستدامة

ضمن استعدادات مصر لاستضافة قمة المناخ “COP27″، أطلقت الحكومة المصرية الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ 2050، والتي تعد بمثابة خارطة طريق لتحقيق الهدف الفرعي المتمثل في “مواجهة تحديات المناخ” طبقا لـ”رؤية مصر 2030″، حيث تمكن الاستراتيجية مصر من تخطيط وإدارة تغير المناخ على مستويات مختلفة بطريقة تدعم تحقيق الأهداف الاقتصادية والإنمائية باتباع نهج مرن منخفض الانبعاثات، فما هي الاستراتيجية الوطنية للمناخ 2050؟

خمسة أهداف رئيسة و22 هدفًا فرعيًا

أطلق الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس الوطني للتغيرات المناخية، الاستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050، في احتفالية نظمتها وزارة البيئة، حيث تتمثل رؤية الاستراتيجية في التصدي لآثار وتداعيات المناخ لتحسين جودة حياة المواطن وتحقيق التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي المستدام، والحفاظ على الموارد الطبيعية والنظم البيئية، مع تعزيز ريادة مصر على الصعيد الدولي في مجال المناخ. وتسعى الاستراتيجية إلى تحقيق خمسة أهداف رئيسة متفرع منهم اثنان وعشرون هدفًا فرعيًا، وتتمثل هذه الأهداف في:

الهدف الأول: تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتنمية منخفضة الانبعاثات في مختلف القطاعات

وذلك من خلال تحـول مجـال الطاقـة عـن طريـق زيـادة حصـة جميـع مصـادر الطاقـة المتجـددة والبديلـة فـي مزيـج الطاقـة، باعتبار مجــال الطاقــة مــن أكبــر القطاعــات المســاهمة فــي انبعــاث غــازات الاحتبــاس الحــراري، وقامــت وزارة الكهربــاء والطاقــة المتجــددة بعــدة إجــراءات تســتهدف زيــادة مســاهمة الطاقــة الجديــدة والمتجــددة والتــي مــن المخطــط أن تصــل إلــى 42% مــن إجمالــي الطاقــة الكهربائيــة المنتجــة فــي 2035.

إلى جانب خفض الانبعاثات الناتجة عن استخدام الوقود الأحفوري، وإمكانيـة اســتخدام بدائــل وقــود قليلــة الانبعــاث الكربونيــة، مثـل الغـاز الطبيعـي الـذي حققـت مصـر فائـضًا مـن إنتاجـه فـي السـنوات الماضيـة، وبالفعـل بلـغ اسـتخدام الغـاز الطبيعـي بمحطـات الكهربـاء 94.1% خـلال عـام 2019/2020مـع تقليـل اسـتهلاكات المـازوت والسـولار عـن العـام السـابق.

وكذلك تعظيم كفاءة الطاقة، لضمان زيـادة الاسـتفادة مـن المـوارد سـواء فـي صورتهـا الأوليـة كوقـود أو مـن خلال الطاقـة الكهربائيـة المنتجـة، ممـا يـؤدي بالتالـي إلـى إتاحة المـوارد لاسـتخدامات تنمويـة أخـرى وبالتالـي يحقـق الهـدف الرئيس وهـو التنميـة الاقتصاديـة المسـتدامة مـن خلال انبعاثـات أقـل، فضلًا عن تبنـي اتجاهـات الاسـتهلاك والإنتـاج المسـتدامة للحـد مـن انبعاثات غـازات الاحتبـاس الحـراري مـن النشـاطات الأخـرى غيـر المتعلقـة بالطاقة، مثــل الزراعــة لأنه من أكثـر القطاعـات حساسـية لتغيـرات المناخ حيـث يؤثر بشـكل مباشـر أو غير مباشـر علـى كفـاءة القطـاع، ممـا يهـدد تحقيـق الأمـن الغذائـي وبالتالـي النمـو الاقتصـادي.

الهـدف الثاني: بنـاء المرونـة والقـدرة علـى التكيـف مـع تغيـر المنـاخ وتخفيـف الآثـار السـلبية المرتبطـة بتغيـر المنـاخ 

يتمثل الهدف الثاني في حماية المواطنين من الآثار الصحية السلبية لتغير المناخ، بما أن الإنســان محــور التنميــة في رؤيــة مصــر 2030، من المهم حمايـة المواطنيـن من الآثـار الصحية الســلبية لتغيــر المنــاخ خاصــة بعد جائحــة كوفيــد -19 التــي أوضحــت مــدى أهميــة الاسـتعداد الجيـد للمتغيـرات الصحيـة الطارئـة، فضلًا عن تقليــل الخســائر والأضــرار التــي يمكــن أن تحــدث لأصــول الدولــة والنظــم البيئيــة عــن طريــق الحفــاظ عليهــا مــن تأثيــرات تغيــر المنــاخ، والحفـاظ علـى أصـول الدولـة مثـل البني التحتيـة ومعالـم التـراث التاريخيـة مـن تأثيـرات التغيـرات المناخيـة لمـا لها مـن أبعـاد اجتماعية واقتصاديـة وثقافيـة كبيـرة، لتحقيق التـوازن البيئـي ومنـع الآثـار الاجتماعيـة والصحيـة والاقتصاديـة السـلبية

بالإضافة إلى الحفاظ على موارد الدولة من تأثيرات تغير المناخ، والحفاظ على المـوارد الطبيعيـة لأنها المصـدر الأساسـي للتنميـة الاقتصاديـة وهـي مصـدر الغــذاء والمــواد الأوليــة للصناعــات المختلفــة، كمــا أنهــا تشــمل الأراضــي التــي يتــم عليهــا تطويــر مشــروعات التنميــة المختلفــة، وكذلك وجــود بنيــة تحتيــة وخدمــات مرنــة فــي مواجهــة تأثيــرات تغيــر المنــاخ، مثل شــبكات الطــرق والميــاه والصــرف صحــي والكهربــاء وشــبكات توصيــل الغــاز الطبيعــي فــي المــدن والقــرى والمشــروعات الســكنية المختلفــة، وأيضًا البنيــة التحتيــة الداعمــة للمشــروعات الزراعيــة والصناعيــة.

إلى جانب تنفيذ مفاهيم الحد من مخاطر الكوارث، فضلًا عن الحفاظ على المساحات الخضراء والتوسع بها، إذ يسـاهم التشـجير وزيـادة المسـاحات الخضـراء علـى امتصـاص غـاز ثاني أكسـيد الكربـون مـن الجـو، كمـا أنـه يسـاهم فـي تقليـل درجة الحرارة خصوصـًا مـع ارتفـاعها نتيجـة لتغيـر المنـاخ.

الهدف الثالث: تحسين حوكمة وإدارة العمل في مجال تغير المناخ 

ويتمثل الهدف الثالث في تحديــد أدوار ومســؤوليات مختلــف أصحــاب المصلحــة مــن أجــل تحقيــق الأهــداف الاســتراتيجية، والعمل على تحسين ترتيب مكانـة مصـر فـي الترتيـب الدولـي الخـاص بإجـراءات تغيـر المنـاخ لجـذب المزيـد مـن الاسـتثمارات وفـرص التمويـل المناخـي، لتنفيـذ المشـروعات المقترحـة مـن خـلال المنـح والقـروض الدوليـة، وذلك من خلال إصـلاح السياسـات القطاعيـة اللازمة لاسـتيعاب التدخلات المطلوبة للتخفيـف مـن آثـار تغيـر المنـاخ والتكيـف معه، لأن تطويــر وإصــلاح السياسـات القطاعيـة اللازمـة يتضمن إشـراك القطـاع الخـاص وجميـع الفئـات المعنيـة.

فضلًا عن تعزيــز الترتيبــات المؤسســية والإجرائيــة والقانونيــة مثــل نظــام الرصــد والإبلاغ والتحقــق، مــن الأدوات الأكثــر فاعليــة فــي تعزيــز موقــف مصـر مـن قضايـا تغيـر المنـاخ ممـا يـؤدي إلـى إمكانيـة جـذب مشـروعات داعمـة أكثـر وكذلـك جـذب الاسـتثمارات فـي هـذا المجـال. 

الهدف الرابع: تحسين البنية التحتية لتمويل الأنشطة المناخية 

ويتمثل في الترويـج للأعمـال المصرفيـة الخضـراء المحليـة، وخطـوط الائتمان الخضـراء، لأن القطـاع المصرفـي مـن أهـم مصـادر تمويـل المشـروعات فـي القطاعيـن الخـاص والعـام، وتضــع الجهــة المصرفيــة حزمــة مــن الاشــتراطات التــي يجــب علــى متلقــي الدعــم الالتــزام بهـا قبـل الموافقـة علـى التمويـل، وهـو مـا يتيح إضافـة الشـق البيئـي والاجتماعـي لـه لتتحـول إلـى أعمـال خضـراء، إلى جانب الترويـج لآليـات التمويـل المبتكـرة التـي تعطي الأولويـة لإجراءات التكيـف، علـى سـبيل المثـال السـندات الخضراء، ففي النصـف الثانـي مـن عـام 2020 قامـت مصـر بإصـدار أول طـرح للسـندات الخضـراء بقيمـة 750 مليـون دولار، وبذلـك كان لمصـر الريـادة فـي إصـدار هـذه السـندات علـى مسـتوى الشـرق الأوسـط وأفريقيـا، وتهـدف السـندات الخضـراء إلـى جـذب المسـتثمرين الذيـن يعملـون علـى مشــروعات مســتدامة حيــث إنهــا مخصصــة للمشــروعات المتصلــة بالبيئــة والمنــاخ.

فضلًا عن مشـاركة القطـاع الخـاص فـي تمويـل الأنشـطة المناخيـة والترويـج للوظائـف الخضـراء، لأن القطـاع الخـاص عامـة مرن فـي التعامـل مـع المتغيـرات السـريعة والتـي تؤثـر علـى المنـاخ الاسـتثماري بشـكل عـام، وهـو مـا تـم رصـده فـي أعقـاب أزمـة كوفيـد -19 والتـي أثـرت بشـكل كبيـر علـى الاقتصـاد العالمـي وحركـة التجـارة العالميـة، وارتفعـت فـي أعقابهـا نسـب البطالـة فـي الـدول المختلفـة، وقـد أظهـرت الدولـة المصريـة حُسـن تعامـل مـع الأزمـة ككل، ولكـن نظـرًا لسـهولة إجـراء تغيـرات سـريعة بـه سـاهم القطـاع الخـاص فـي مواجهـة تحديـات الأزمـة، ولذلـك تأتـي أهميـة مشـاركة القطـاع فـي تمويـل الأنشـطة المناخيـة

بالإضافة إلى تحقيق التوافــق مــع الخطــوط التوجيهيــة لبنــوك التنميــة متعــددة الأطــراف لتمويــل الأنشــطة المناخيــة، حيث أضافـت بنـوك التنميـة متعـددة الأطـراف عـدد مـن الاشـتراطات المتعلقـة بالأنشـطة المناخية لتمويــل المشــروعات، وكذلك البناء على نجاح برامج تمويل الأنشطة المناخية الحالية، فقــد حققــت مصــر نجاحــات بالفعــل فــي مجــال تمويــل الأنشــطة المناخيــة وذلــك مــن خلال طــرح الســندات الخضــراء، وتنفيــذ سياســات إشــراك القطــاع الخــاص فــي المشــروعات الخاصــة بتمويــل محطــات الطاقــة الشمســية، مثــل محطــة بنبــان والتــي تعــد حاليًا أكبــر محطــة توليــد كهربــاء مــن الطاقــة الشمســية.

الهــدف الخامس: تعزيــز البحــث العلمــي ونقــل التكنولوجيــا وإدارة المعرفــة ورفــع الوعــي لمكافحــة تغيــر المنــاخ

من خلال تعزيـز دور البحـث العلمـي ونقـل التكنولوجيـا فـي التخفيـف مـن تغيـر المنـاخ والتكيـف معـه، لأنه يسـاهم فـي عـدد مـن المجـالات المتعلقـة بتغيـر المناخ مثـل تحليل الظواهـر المناخيـة، والتنبـؤ بالتغيـرات المتوقعـة ووضـع خطـط للتصـدي لهـا سـواء بإجراءات التخفيــف أو التكيــف المختلفــة بعــد دراســة تأثيــرات الخطــط بشــكل مفصــل، إلى جانب تسـهيل نشـر المعلومـات المتعلقـة بالمنـاخ وإدارة المعرفـة بيـن المؤسسـات الحكوميـة والمواطنين، فأصبـح تـداول المعلومـات ذا أهميـة قصـوى فـي إسـراع وتيـرة البحـث العلمـي وأصبـح شـريكًا أساسـيًا داعـمًا للتطـور التكنولوجـي، وسـاعد علـى ذلـك وجـود منصــات مســاعدة ومفتوحــة للمتخصصيــن والمهتميــن بمختلــف المجــالات، فضلًا عن زيـادة الوعـي بشـأن تغيـر المنـاخ بيـن مختلـف أصحـاب المصلحة (صانعـي السياسـات/القرارات، والمواطنيـن، والطلاب (. 

مصادر تمويل الاستراتيجية وتحقيق رؤية مصر 2030

بالنسبة لمصادر التمويل المحتملة لتحقيق أهداف الاستراتيجية، فإنه يوجد العديد من المصادر الدولية المتاحة تحت إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس مثل صندوق المناخ الأخضر، والبنوك والمؤسسات متعددة الأطراف مثل البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي، بالإضافة إلى الجهات ثنائية الأطراف مثل الوكالة الفرنسية للتنمية وغيرها، بجانب التمويل من ميزانية الدولة، علاوة على تحفيز استثمارات القطاع الخاص.

تعتبر قضية تغيير المناخ من أهم القضايا المثارة حاليًا وتحظى بالاهتمام سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي، بسبب التهديدات والتغييرات التي فرضها علينا المناخ والتي باتت تؤثر بشكل مباشر على خطط التنمية المستدامة، والتي تنعكس آثارها بصورة مباشرة على الأمن الغذائي وتوافر المياه، وبالتالي التأثير في الأمن القومي، خاصة وأن العالم بدأ يعاني من ارتفاع معدلات الفقر.

وبالتالي فإن إطلاق أول استراتيجية وطنية للمناخ في مصر، يعد خارطة طريق لتحقيق جزء من أهداف التنمية المستدامة “رؤية مصر 2030″، خاصة فيما يتعلق بالارتقاء بجودة حياة المواطن المصري، وتحسين مستوى معيشته في مختلف نواحي الحياة، مع تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتعزيز الاستثمار في البشر، خاصة وأن الاستراتيجية تكافح تغير المناخ بأغلبية القطاعات سواء (الطاقة -الزراعة – الصناعة – النقل – المخلفات)، بالإضافة إلى أن الدولة اتخذت خطوات استباقية في ملف المناخ للمحافظة على البيئة، من خلال التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر، والتحول نحو السيارات الكهربائية.

وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء خلال إطلاق الاستراتيجية إلى أنه على الرغم من أن الانبعاثات، التي تصدر عن مصر لا تتجاوز 0.6% من إجمالي انبعاثات العالم، فإن مصر تعد واحدة من أكثر الدول عرضة للآثار السلبية لتغير المناخ على العديد من القطاعات، مثل: السواحل، والزراعة، والموارد المائية، والصحة والسكان، والبنية الأساسية.

علاوة على ذلك، فإنه جاري العمل على إعداد خريطة تفاعلية لمخاطر التغيرات المناخية لمصر، لمساعدة متخذي القرار على تحديد المناطق المعرضة للمخاطر المحتملة من تغير المناخ، واتخاذ التدابير اللازمة في القطاعات التنموية المختلفة، وكذلك لجذب فرص تمويلية لبرامج ومشروعات التكيف من الجهات الدولية.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى