القضية الفلسطينية

“مسيرة الأعلام” في القدس.. سيناريو التصعيد يتكرر

يومًا تلو الآخر تزداد التوقعات بالتصعيد في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب القرارات إسرائيلية التي تزيد من الضغط وتشعل غضب الفلسطينيين، وكان آخرها إصدار محكمة إسرائيلية قرارًا بالسماح للمستوطنين اليهود بالصلاة في المسجد الأقصى المبارك بصوت مرتفع، بينما تزيد جماعات يهودية متشددة من دعواتها لتكثيف اقتحامات المسجد الأقصى المبارك فيما يُسمى بـ”يوم القدس”، حيث يُخطط المئات من اليهود المتشددين الذي ينتمون إلى جماعات دينية مختلفة للمشاركة في “مسيرة الأعلام” التي يتم تنظيمها في القدس الشرقية المحتلة في خطوة استفزازية جديدة من شأنها تصعيد الأوضاع من جديد، لذلك تتأهب إسرائيل هذه الأيام للتصعيد المحتمل وتكرار سيناريو مسيرة الأعلام السابقة في 2021 التي أدت إلى تفجير الأوضاع. 

الضغط على الفلسطينيين

في الشهور الأخيرة استمر المستوطنون الإسرائيليون في اقتحام المسجد الأقصى في حماية الشرطة الإسرائيلية على فترتين صباحية ومسائية، وهو ما اعتبره الفلسطينيون محاولة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد وخصوصًا في فترة الأعياد اليهودية (عيد الفصح اليهودي تحديدًا) والذي تزامن مع شهر رمضان المبارك، الأمر الذي أدى إلى توتر كبير.

وبعد انتهاء الاحتفالات اليهودية، حاولت المجموعات المتشددة الاستمرار في تلك الممارسات التي أججت من الأوضاع وزادتها اشتعالًا، حيث حرصوا على تنفيذ اقتحامات يومية للمسجد الأقصى بشكل يومي عدا يومي الجمعة والسبت، وفي الأيام الأخيرة أصدرت محكمة الصلح الإسرائيلية حكمًا أوليًا يسمح للمستوطنين اليهود بأداء الصلوات التلمودية بصوت عالٍ وما يشبه «الركوع» أثناء اقتحام المسجد الأقصى المبارك.

ووفقًا لقرار المحكمة، فإن الصياح باللغة العبرية: «شيماع يسرائيل»، وتعني: «اسمع يا إسرائيل»، والانحناء على الأرض داخل المسجد، أمر لا يمكن تجريمه أو اعتباره مخلًا بالسلم المدني. وجاء صدور هذا القرار بناء على استئناف قدمه محامون ضد 3 مستوطنين أدوا صلوات بصوت عالٍ وانحنوا على الأرض أثناء اقتحامهم للمسجد الأقصى المبارك مؤخرًا، ورأت المحكمة أن ما قام به المستوطنون لا يدل على وجود سلوك من جانبهم قد يؤدي إلى اضطراب أو إخلال بالنظام القائم، وفي خلاصة القرار جاء بأنه يُسمح لجميع سكان إسرائيل بالصعود إلى الحرم القدسي وممارسة شعائرهم الدينية اليهودية.

وفي رد فعل من مفتي القدس وخطيب المسجد الأقصى المبارك الشيخ محمد حسين، حذر من تبعات قرار محكمة الاحتلال الإسرائيلي المتعلق بأداء الطقوس التلمودية، وقال في بيان صحفي إن هذا القرار خطير جدًا يمهد لتنفيذ مخطط المستوطنين المتطرفين الرامي لوضع اليد على المسجد الأقصى، مؤكدًا أن هذا القرار يُعد تنفيذ عملي لمؤامرات التقسيم المكاني والزماني من قبَل الاحتلال الإسرائيلي، واصفًا إياه بالجائر ويندرج في إطار مسلسل التطرف الإسرائيلي والمس بالأقصى والقدس بهدف إطباق السيطرة عليهما، وبناء الهيكل المزعوم. وحذر مفتي القدس من تداعيات هذا “العدوان الذي قد يؤدي إلى نشوب حرب دينية شعواء”.

مسيرة الأعلام.. دعوات للاقتحام وتحذير فلسطيني

مع اقتراب ذكرى “يوم القدس” وهي ذكرى احتلال شرقي القدس الذي سيحتفل به الإسرائيليون هذا العام يوم الأحد الموافق 29 مايو، تدعو بعض الجماعات اليهودية المتشددة إلى اقتحام كبير للمسجد الأقصى لهدم قبة الصخرة وذلك تلبية لدعوات ما يسمى بـ”جماعات الهيكل” التي عملت في الفترة الأخيرة على تكثيف الاقتحامات وسط تحذير فلسطيني من المساس بالأقصى. 

ودعا “بنتزي جوبشتاين” زعيم ما يسمى منظمة “لاهافا” الاستيطانية “بنتزي جوبشتاين”، أنصاره المستوطنين المتطرفين إلى الحشد الواسع لاقتحام الأقصى، أسوة بما يسمى “اتحاد جماعات المعبد” المتطرفة، فيما حثت ما يسمى جماعة “نساء من أجل الهيكل” المستوطنات اليهوديات على المشاركة الواسعة في اقتحام الأقصى.

دعت الرئاسة الفلسطينية الحكومة الإسرائيلية للتراجع عن السماح لمسيرة الأعلام التي وصفتها بـ”الاستفزازية” والتي تمر من أحياء القدس الشرقية، لأنها تقود إلى التوتر والعنف، حيث قال المتحدث باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة في بيان إن إسرائيل تسيء تقدير عزيمة الشعب الفلسطيني وقيادته وقدرته على الصمود والتحدي من خلال إصرارها على تنفيذ مسيرة الأعلام في البلدة القديمة من مدينة القدس. مشددّا على ضرورة جعل القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية راية للجميع فلسطينيًا وعربيًا لمواجهة الاعتداءات المتواصلة من قِبل السلطات الإسرائيلية والمستوطنين المزعزعة للاستقرار.

وحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد الذي سيؤدي إلى تفجير الأوضاع، مؤكدًا أن الشعب الفلسطيني وقيادته قادرون على حماية القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، كما فعلوا في قضية “صفقة القرن” الأمريكية وأفشلوها.

تأهب إسرائيلي

في إجراء إسرائيلي لمحاولة احتواء الأمور وتجنب تداعياتها تستعد الشرطة الإسرائيلية بقوات معززة، وستعمل على نشر ثلاث من شرطة حرس الحدود استعدادا ليوم “القدس” الأحد المُقبل، للتشديد على مسيرة الأعلام التي من المتوقع أن تمر من باب العامود ومن الحي الإسلامي. وأفاد موقع “آي 24” الإسرائيلي أن الشرطة الإسرائيلية تستعد لعدة سيناريوهات في القدس بما يشمل الاستعداد لتفريق المسيرة بصورة آمنة إن حدث إطلاق صواريخ في القدس، كما سيعمل 3 آلاف شرطي لتأمين الأحداث في دوائر مختلفة.

في السياق ذاته، أفادت الهيئة الرسمية “كان” بأن هناك مخاوف إسرائيلية من إطلاق صواريخ من غزة تجاه مدينة القدس، وأن هناك استعدادات لذلك حيث قام الجيش الإسرائيلي بتوسيع نشر المنظومات الدفاعية الجوية “القبة الحديدية”، كما أفادت أن الاستخبارات الإسرائيلية حذرت من محاولات فلسطينيين للمساس بالمشاركين في المسيرة، والتحصن داخل الحرم القدسي ومحاولة الاعتداء على المصلين في حائط المبكى من ساحة الحرم القدسي.

ونشرت السفارة الأمريكية أمس تحذيرًا للمواطنين الأمريكيين الذين يتواجدون في إسرائيل، بسبب التوترات الأمنية في القدس، حيث حظر على الموظفين الأمريكيين وعائلاتهم زيارة البلدة القديمة في القدس الأحد بسبب مسيرة الأعلام، كما حظرت عليهم الدخول إلى البلدة القديمة بعد حلول الظلام حتى يوم الإثنين وأيضًا في أيام الجمع.

ويذكر أن قائد حزب الله، حسن نصر الله بعث مساء الأربعاء الماضي تهديدًا لإسرائيل قبيل مسيرة الأعلام، وقال في كلمته بمناسبة مرور عام على خروج الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان: “يجب على الحكومة في إسرائيل أن تعلم أن أي ضرر يلحق بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة سيفجر المنطقة كلها”، مضيفًا أنه “بعد عدة أيام من المتوقع أن تجري عدة أحداث في المنطقة من الممكن أن تؤدي إلى انفجار كبير، هذا تحدٍ لكل الشعوب العربية والإسلامية”.

تصعيد مايو 2021.. الأسباب والأحداث

شهد شهر يونيو 2021 تصعيدًا كبيرًا في الأراضي الفلسطينية بسبب إجراءات مشابهة من قِبل السلطات الإسرائيلية والمستوطنين، حيث أعطت الحكومة الإسرائيلية بقيادة رئيس الوزراء نفتالي بينيت الضوء الأخضر لمسيرة الأعلام بعد أيام قليلة من توليها المسؤولية، وشارك فيها آنذاك 5 آلاف إسرائيلي، واعتدت القوات الإسرائيلية على المحتجين الفلسطينيين بالرصاص الحي والمطاطي ما تسبب عشرات الإصابات بصفوف الفلسطينيين.

وفي مسيرة الأعلام العام الماضي، حمل المشاركون الأعلام الإسرائيلية وصولًا إلى باب العامود خارج البلدة القديمة التي تضم المسجد الأقصى، وفي إجراء مماثل لما تنفذه الشرطة الإسرائيلية هذا العام، انتشر في القدس ومحيطها أكثر من 2000 جندي إسرائيلي وأجروا عمليات إخلاء وقاموا بالاعتداء على المحتجين.

وكانت تطورات الأحداث حينها كالتالي: 

  • 3 مايو 2021: إخلاء منازل فلسطينية.
  • 7 مايو 2021: صدامات في باحات المسجد الأقصى.
  • 8 مايو 2021: صدامات جديدة في باحات الأقصى وأحياء بالقدس الشرقية.
  • 10 مايو 2021: ارتفاع حصيلة الجرحى لأكثر من 500 فلسطيني وعشرات الشرطيين الإسرائيليين.
  • مساء 10 مايو 2021: تصعيد بين إسرائيل وحركة حماس.
  • 11 مايو 2021: إطلاق وبل من الصواريخ على تل أبيب من قبل المقاومة الفلسطينية.
  • مساء 11 مايو 2021: صدامات في مدن مختلطة في إسرائيل بين اليهود والعرب.
  • 12 مايو 2021: حشد دبابات ومدرعات قرب قطاع غزة.
  • 14 مايو 2021: صدامات في الضفة الغربية وإصابة أكثر من 150 متظاهرًا. 
  • 15 مايو 2021: مقتل فلسطينيين في مواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي.
  • 15 مايو 2021: تدمير مبنى في غزة يضم مكاتب صحفية.
  • 15 مايو 2021: قُتل 10 من أفراد عائلة واحدة في ضربة جوية بغزة.
  • 16 مايو 2021: قصف منزل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس بقطاع غزة.
  • 16 مايو 2021: مقتل 26 فلسطينيًا في ضربات على قطاع غزة.
  • 21 مايو 2021: إعلان وقف إطلاق النار بوساطة مصرية.

جهود دولية لمنع التصعيد بسبب مسيرة الأعلام

على غلافها بعدد الخميس الموافق 26 مايو الجاري، كتبت صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية مانشيت على صفحتها الأولى “جهد إقليمي لمنع التصعيد في يوم القدس”، ورصدت في تقرير الوضع الحالي والتوقعات التي ترى أن هناك تصعيدًا ستشهده الساحة الفلسطينية وخصوصًا بعد تهديدات الفصائل وحسن نصر الله أمين عام تنظيم حزب الله اللبناني، والتحذيرات من قبل السلطة الفلسطينية، وفي الناحية الأخرى شرعت السلطات الإسرائيلية في اتخاذ إجراءات لإحكام القبضة الأمنية في محاولة لمنع الاضطرابات. وأكدت الصحيفة الإسرائيلية، أن هناك اتصالات لمنع التصعيد تتم بشكل رئيس بين إسرائيل ومصر والأمم المتحدة.

ختامًا..

  • يتضح من المعطيات الأخيرة للأحداث على الساحة الفلسطينية أن سيناريو العام الماضي يتكرر من جديد وأن الأيام المقبلة ستشهد حتمًا تصعيدًا جديدًا وخصوصًا مع إصرار الجماعات اليهودية المتشددة على ممارسة الأفعال التي تزيد من غضب الفلسطينيين في القدس والمسجد الأقصى.
  • تحذيرات الفصائل الفلسطينية التي أطلقت العام الماضي صواريخها باتجاه تل أبيب، يُنذر باستعداد المقاومة هذا العام أيضًا بأن صواريخها مُجهزة للتوجه مرة أخرى نحو تل أبيب، ما يعزز فرضية تكرار سيناريو التصعيد وخصوصًا بعد الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية والتي زادت من غضب الفلسطينيين. 
  • ربما تأتي الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل بتعزيز التواجد الأمني وتحويل القدس لثكنة عسكرية بنتيجة عكسية تزيد من قوة الاشتباكات ما يزيد من عدد الجرحى والقتلى من الطرفين مقارنة بالعام الماضي.
  • التحركات الدولية لن تأتي ثمارها دون استجابة السلطات الإسرائيلية بتقليل الاقتحامات للمسجد الأقصى ومنع مسيرة الأعلام أو الحد من الحضور فيها، إلا أنه أمر مُستبعد تجنبًا لإغضاب اليهود المتدينين في إسرائيل. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى