أوروباتركيا

ملفات عالقة… هل تعرقل تركيا انضمام السويد وفنلندا للناتو؟

بينما تمر أوروبا بمرحلة دقيقة في تاريخها الحديث وتُعيد تقييم استراتيجيتها الدفاعية عقب الحرب الأوكرانية، أنهت السويد وفنلندا عقودًا من سياسة الحياد العسكري معلنتين رغبتيهما في الانضمام لحلف شمال الأطلنطي مدفوعتين بمخاوف أمنية متزايدة. لكن يبدو أن فيتو تركيًا وشيكًا سيعرقل مسار العملية؛ بعدما أبدى أردوغان نهجًا سلبيًا تجاه عضوية الدولتين؛ واصفًا إياهما ببيت ضيافة للمنظمات الإرهابية. 

وألقى النهج التركي ظلالًا من الشك على آمال الانضمام السريع لدولتي الشمال الأوروبي؛ إذ تتطلب جميع القرارات داخل التحالف بما في ذلك قبول أعضاء جدد إجماع  الدول الأعضاء الثلاثين بموجب المادة 10 من المعاهدة الأساسية، وبالتالي يُمكن لأنقرة إبطاؤها أو عرقلتها في أي من مراحلها، سواء من خلال معارضة فتح المناقشات داخل المجلس الأطلسي وهي المرحلة الأولى من الإجراء، أو رفض التوقيع على بروتوكولات الانضمام أو التصديق على الانضمام، مثلما منعت معارضة تركيا قبل أيام إصدار بيان للناتو بشأن معالجة الطلبات المقدمة من الدولتين للانضمام إلى التحالف العسكري. 

وتعتقد أنقرة أن قبول عضوية السويد وفنلندا –في ظل تعليق حسم الملفات الخلافية– سيكون تكرارًا لخطأ عام 1980 عندما دعمت إعادة انضمام اليونان للحلف عقب خوض البلدين حرب 1974 بينما برزت أثينا ومقدونيا في وقت لاحق كعقبات رئيسة تعرقل محاولة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ورفضت تصويت الأمم المتحدة على خطة توحيد لقبرص، وانخرطت في نزاعات إقليمية مستمرة مع تركيا بشأن التنقيب على الهيدروكربونات في مياه شرق المتوسط. 

ملفات خلافية وأهداف محركة

بعكس حماستها المعهودة لتوسع الناتو منذ تفكك الاتحاد السوفيتي ودعمها لانضمام الدول التي تشكل الآن جناحه الشرقي من بولندا والمجر إلى ألبانيا، أبدت تركيا الاعتراض الوحيد على عضوية السويد وفنلندا على خلفية قائمة طويلة من الملفات الخلافية العالقة التي ربما تكون موضوعات لأجندة تفاوضية مع الولايات المتحدة والناتو خلال المرحلة المقبلة قبلما ترفع أنقرة تحفظاتها بشأن عضوية دولتي الشمال الأوروبي، ذلك ضمن مساعيها إلى الاستثمار الأمثل في مكاسب الحرب الأوكرانية التي خففت نسبيًا عزلتها الدبلوماسية، وأبرزت قيمة دورها في الناتو لانتزاع تنازلات معينة، ويُمكن إبراز  محركات الرفض التركي على النحو التالي:

• العقوبات الدفاعية: تشكل العقوبات الدفاعية موضوعًا إشكاليًا على أجندة العلاقات مع الناتو؛ إذ خضعت أنقرة منذ 2019 لحظر فرضته السويد وفنلندا والتشيك وهولندا والنرويج وإسبانيا على واردات السلاح، فيما علقت ألمانيا خططها لتحديث دبابات Leopard-2 التركية، ومنعت إيطاليا وبريطانيا بيع بعض المنتجات العسكرية، ووضعت فرنسا قيودًا على مجموعة من أنظمة الدفاع والطيران الفرعية، وعلقت الشركة الفرنسية الإيطالية Eurosam الإنتاج المشترك لنظام الدفاع الجوي SAMP/T. 

ذلك اعتراضًا على توغلها العسكري داخل سوريا عام 2019 لمواجهة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي تعدها امتدادًا لحزب العمال الكردستاني المُصنف لديها إرهابيًا، وخشية من استخدام تلك المنظومات التسليحية لتعزيز الهجمات العسكرية ضد الأكراد داخل الأراضي السورية والعراقية. ورغم أن تجارة الأسلحة التركية مع السويد وفنلندا لا تذكر ولا تسعى لمشتريات دفاعية كبيرة معهم، إلا أنها ترى القيود المفروضة على الأسلحة تتعارض مع روح الحلف وبالتالي لا تقبل من حيث المبدأ توسيع التحالف إلى دول تمنع صفقات الأسلحة. 

وتمتد إشكالية العقوبات الدفاعية لتشمل الولايات المتحدة بعدما استبعدت عام 2020 تركيا من برنامج المقاتلات الشبح F-35 وفرضت عقوبات على مسؤولي صناعة الدفاع ووكالة المشتريات الدفاعية ردًا على استحواذها على صواريخ الدفاع الجوي الروسية S-400 بقيمة 2.5 مليار دولار في عام 2019، ورفضت الموافقة على بيع أنظمة الإطلاق العمودي MK41 التي خططت تركيا لاستخدامها في فرقاطاتها محلية الصنع من فئة ISTIF. وكان لتلك العقوبات تأثيرات ضاغطة على صناعة الدفاع التركية التي فشلت في تلبية صفقة أبرمتها عام 2018 لبيع 30 طائرة هليكوبتر T129 ATAK إلى باكستان بسبب إحجام الولايات المتحدة عن إصدار تراخيص تصدير للمحرك الأمريكي-البريطاني الصنع. 

ويبدو أن أردوغان يتحين اللحظة لتخفيف الضغوطات الغربية وإنهاء الحظر على المبيعات العسكرية لتركيا، وإقناع واشنطن بالسماح لأنقرة بشراء 40 مقاتلة جديدة من طراز F-18 لتحديث أسطولها الحالي. وقد أبدت بريطانيا والولايات المتحدة قدرًا من المرونة بشأن مسألة العقوبات الدفاعية؛ إذ رفعت الأولى كافة القيود المفروضة على تصدير المنتجات الدفاعية إلى تركيا بما في ذلك إلغاء تراخيص التصدير لبعض المنتجات التي كانت تنتظر موافقة الحكومة البريطانية الأمر الذي سيتيح لأنقرة استئناف شراء الطائرة المقاتلة التركية من الجيل الخامس TF-X محلية الصنع بعدما جعل طرد تركيا من برنامج F-35 مشروع TF-X أمرًا حيويًا لاستراتيجية أنقرة المتعلقة باستبدال أسطولها الجوي القديم والأقل تطورًا. أما في واشنطن، فتسعى إدارة بايدن إلى الحصول على موافقة الكونجرس لبيع طائرات F-16 إلى تركيا.

• قضية حزب العمال الكردستاني: انطلاقًا من حقيقة ارتباط السياسة الخارجية للدول بالمخاوف والتهديدات المحلية، تشكل استضافة السويد لعناصر حزب العمال الكردستاني وجماعة فتح الله جولن اللذين تصنفهما الحكومة التركية جماعتين إرهابيتين وتعدهما تهديدًا لقبضتها على السلطة -إذ تتهم الأخيرة بقيادة انقلاب 2016 الفاشل- حافزًا مهمًا لرفض عضويتها في الناتو، حيث تؤوي السويد أتباع جولن الذين يديرون منظمات حقوقية تصدر تقارير بشأن الانتهاكات الحقوقية في تركيا كمركز ستوكهولم للحرية وشبكة مراقبة البحوث الاسكندنافية. وتدعم الحكومة السويدية المهاجرين الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية التي تعدهما أنقرة فرعًا لحزب العمال الكردستاني، بينما تعدهما ستوكهولم كيانين منفصلين (أدرج الاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني على القائمة السوداء كمنظمة إرهابية). 

وقد سمحت الحكومة السويدية لمجموعات كردية بإقامة فعاليات في ثلاث مدن خلال نوفمبر الماضي بمناسبة مرور 43 عامًا على تأسيس حزب العمال الكردستاني، وزار وفد سويدي رفيع المستوى قيادة قوات سوريا مما أثار استياء تركيا، وأجرى وزير الدفاع السويدي بيتر هولتكفيست مكالمة فيديو مع زعيم قوات سوريا الديمقراطية معربًا عن دعم بلاده للتنظيم. 

وفي عام 2021، أعلنت الحكومة السويدية عن زيادة تمويل الجماعات الكردية في سوريا إلى 376 مليون دولار بحلول عام 2023 قائلة إنها لا تزال شريكًا نشطًا لأكراد سوريا وأن أموالها تهدف إلى تعزيز المرونة والأمن البشري والتحرر من العنف وتحسين حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والتنمية الديمقراطية. وربما يعود موقف السويد المتسامح مع الأكراد لثبوت عدم تورط حزب العمال في قضية اغتيال رئيس الوزراء عام 1986 أولوف بالم، وهي الرواية التي تبنتها السلطات الرسمية للوهلة الأولى بتشجيع تركيا عبر تسريب مقاطع تعزز تلك الفرضية، وعلى إثرها شرعت ستوكهولم في مضايقة واحتجاز واضطهاد الجماعات الكردية داخل البلاد وخارجها كما حدث عام 2014 حينما هددت بفرض غرامة على نادي كرة قدم كردي أعلن دعمه للأكراد السوريين. 

وتشكل قضية دعم حزب العمال خطًا أحمر بالنسبة لأنقرة؛ كونها ترى ما تسميه “الإرهاب الانفصالي” التهديد الأمني الأكثر أهمية، ولعل محاولتها الفاشلة عام 2009 لمنع رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن من أن يصبح أمينًا عامًا لحلف الناتو لاستضافة بلاده مقر قناة روج تي في المؤيدة للأكراد، كاشفًا لحجم تشدد الحكومة التركية بشأن تلك المسألة. وبالمثل، تُصر أنقرة على أن يعترف أي مرشح جديد لعضوية الناتو بمخاوفها بشأن الجماعات الكردية داخل تركيا وعبر حدودها في سوريا والعراق؛ إذ إنه وفقًا لوجهة نظر القوميين الأتراك فإن السماح بالأنشطة السياسية وجمع التبرعات لعناصر تلك الحركات يمثل قواعد خلفية خارج تركيا تسمح ببقاء وتمدد حزب العمال الكردستاني رغم ملاحقته داخل وخارج تركيا بوسائل متعددة.

وعليه، وضعت تركيا بعض الاشتراطات قبل تقديم دعمها لعضوية السويد وفنلندا في الناتو، بما في ذلك توضيح موقفهما بشأن حزب العمال وفروعه وتصنيفهما كمنظمات إرهابية، ووقف استضافة أعضاء التنظيمات التي تعدها إرهابية في برلماناتهما، ووقف الدعم المالي للجماعات الكردية، وتجنب الاتصالات مع قيادة حزب العمال الكردستاني، والاعتراف علنًا بوجود روابط بين حزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية السورية التي تدير منطقة الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا، وإغلاق أنشطة حركة الداعية الإسلامي فتح الله جولن، وإطلاق مبادرة مشتركة لإنشاء آلية من شأنها دعم المشاورات المنتظمة والتعاون الوثيق مع تركيا في مكافحة الإرهاب، ومنع تدفق الأموال من المنظمات الإرهابية وتجميد حساباتها المصرفية، وتسريع إجراءات تسليم المجرمين لأعضاء المنظمات المحظورة حيث قدمت أنقرة طلبات لتسليم 33 شخصًا زعمت صلتهم بالإرهاب (12 شخصًا من فنلندا و21 شخصًا من السويد) لكن تم رفض تسعة عشر طلبًا وتُرك خمسة طلبات دون رد ولا يزال تسعة قيد التقييم.

وربما تُثير تلك المسألة خلافات داخلية في السويد بالتزامن مع اتخاذ الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم قرارًا صعبًا بشأن عضوية الناتو لا يحظى بارتياح اليسار خوفًا من فقدان السويد صوتها في الأمور المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية، كما يُبدي اليسار قدرًا من التعاطف مع القضية الكردية.

• الانتقادات بشأن حقوق الإنسان: مثَّل تركيز السياسة الخارجية السويدية على حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين وسيادة القانون وحرية الإعلام إزعاجًا للحكومة التركية المحافظة التي تورطت في انتهاكات جسمية لحقوق الإنسان على مدار السنوات الماضية، فلطالما دافع السويديون عن نهج قائم على حقوق الإنسان في العلاقات مع أنقرة، ومع اتساع الانقسام بين البلدين دخل وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في خلاف مع وزيرة الخارجية السويدية آن ليند في عام 2020 متهمًا إياها بازدواجية المعايير وإلقاء محاضرات على تركيا بشأن حقوق الإنسان.

• تعزيز القاعدة الشعبية لأردوغان: يحمل الموقف التركي جذورًا في السياسة الداخلية تتعلق أساسًا بالاستحقاقات الانتخابية المقررة يونيو 2023 حيث يتطلع أردوغان -الذي يواجه مخاطر سياسية مرتبطة بانخفاض الدعم المحلي بسبب الاقتصاد المتعثر والتضخم المتصاعد وغلاء المعيشة- إلى إنقاذ قاعدته الانتخابية ومداعبة المشاعر القومية المحلية عبر إظهار نفسه زعيمًا قويًا يمكنه حماية المصالح التركية دوليًا وإجبار الناتو على تقديم تنازلات في قضية مهمة تم تأطيرها حول “الحرب ضد الإرهاب الكردي”، وهي إحدى القضايا القلائل التي تحظي بالتفاف وإجماع وطني.

ذلك خاصة وأن الرأي العام التركي يحمل مشاعر عدائية متزايدة تجاه الغرب ويحمله مسؤولية محاولة تفكيك البلاد؛ فوفقًا لاستطلاع التصورات التركية تجاه الاتحاد الأوروبي لعام 2021 الذي أجراه صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة “GMFUS” يعتقد 67.9% من المستطلعين الأتراك أن الدول الأوروبية تريد تقسيم تركيا وتفككها كما فعلوا مع الإمبراطورية العثمانية في الماضي، ويعتقد 70.1% أن الدول الأوروبية ساعدت في تقوية المنظمات الانفصالية مثل حزب العمال الكردستاني في تركيا. وبالتالي فإن انتقادات أردوغان للسويد وفنلندا بشأن دعم حزب العمال الكردستاني ستجد صداها محليًا وتساعد في حشد الأصوات القومية.

• الموازنة بين الناتو وروسيا: تمثل المحاولات التركية للموازنة بين شراكاتها الاستراتيجية مع الناتو وأوكرانيا وعلاقاتها الصعبة والمهمة مع روسيا مدخلًا مهمًا لفهم الموقف التركي، حيث تعتمد على موسكو في الطاقة والتجارة والسياحة، وقد تشكل روسيا مخاطر أمنية على الوجود التركي في مناطق الصراعات، وقد تُثير أزمة لاجئين إذا ما هاجمت المناطق الحدودية كجيب إدلب الذي يأوي العديد من النازحين السوريين. وقد عبّر دولت بهجلي، زعيم الحزب القومي المتحالف مع العدالة والتنمية، عن مخاوفه من أن عضوية فنلندا والسويد يمكن أن تستفز روسيا وتشعل الحرب في أوكرانيا، معتقدًا أن إبقاء البلدين الاسكندنافيين على قوائم الانتظار هو الخيار الأمثل.

• الضغط على واشنطن بشأن سوريا: ربما تهدف المعارضة التركية إلى انضمام السويد وفنلندا للناتو الضغط على الولايات المتحدة بشأن سوريا، بعدما قررت الأولى مؤخرًا السماح بالاستثمارات في المنطقة التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية شرق البلاد، كما أدانت السفارة الأمريكية في سوريا القصف التركي الأخير، الأمر الذي أثار غضب أنقرة التي تنظر للإدارة الكردية المتحالفة مع الولايات المتحدة، وتهيمن عليها قوات سوريا الديمقراطية، باعتبارها فرعًا من حزب العمال الكردستاني وتهديدًا على حدودها الجنوبية.

استنتاج ختامي، يتوقع أن تنخرط أنقرة في جولات دبلوماسية مكثفة مع الولايات المتحدة والناتو وفنلندا والسويد لانتزاع تنازلات وتطمينات كتخفيف حظر الأسلحة المفروض عليها، وإقناع هلسنكي وبشكل خاص ستوكهولم بشأن الحاجة إلى تغيير موقفها من حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب، والحصول على موافقة الكونجرس الأمريكي على طلب شراء مقاتلات من طراز F-16. ويتوقع أن تتعرض أنقرة لضغوط غربية للوصول إلى صيغ تفاهمية ما مع الولايات المتحدة والناتو لقبول عضوية السويد وفنلندا حيث يعتبر الحلف انضمام الدولتين معززًا لقدرته في بحر البلطيق، وقد أعرب أمينه العام ينس ستولتنبرج عن ثقته في قدره الدول الأعضاء على معالجة المخاوف التي أعربت عنها تركيا بطريقة لا تؤخر العضوية. 

وعليه، يرجح أن تقبل تركيا في نهاية المطاف بعضوية الدولتين وعدم المخاطرة بفقدان جميع الفوائد السياسية التي اكتسبتها من دعمها العسكري الحالي لأوكرانيا بعد سنوات من العلاقات المتوترة مع الحلف، ويظل سيناريو الاختناق الدبلوماسي الذي سيؤخر جولة الانضمام هذه هو الأكثر ترجيحًا انتظارًا لما ستسفر عنه عمليات التفاوض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى