مقالات رأي

كوريا الجنوبية.. من المأساة إلى المعجزة!

في عام 1968، نشر جنار ميردال الاقتصادي السويدي الحائز على “نوبل” كتابًا بعنوان “المأساة الآسيوية”؛ تناول فيه أسباب الفقر والتخلف في دول جنوب شرق آسيا. آنذاك، كانت مصر أكثر تقدمًا وأقوى اقتصادًا من معظم تلك الدول، لكن هذه البلدان الآسيوية استطاعت تحقيق قفزة تنموية، وصفتها دراسة للبنك الدولي عام 1993 بالمعجزة الآسيوية؛ فكيف أنجزت “النمور” هذه النقلة الهائلة من “المأساة” إلى “المعجزة”، بينما تراجعت الأحوال عندنا طوال تلك السنوات؟ ما يدفعنا إلى استعادة تعبير عبد الله النديم، حينما تساءل في نهاية القرن التاسع عشر: “كيف تقدم الغرب وتخلف الشرق والخلق واحد”، لنردد: لماذا تقدم الآسيويون وتخلف العرب وكلنا في الهم شرق؟!

في ستين عامًا صعدت كوريا الجنوبية من حضيض الفقر إلى مصاف الدول المتقدمة، بلد أنهكه الاحتلال الياباني وما أن تحرر حتى سقط فريسة حرب قسمته شطرين شمالي وجنوبي؛ حتى قال الجنرال الأمريكي ماك آرثر: إن “كوريا لا مستقبل لها، من الصعب أن تنهض بنفسها حتى لو بعد مئات من السنين”. ووافقه ينجاليل مينون مبعوث الأمم المتحدة للسلام في كوريا، قائلا: كيف لزهرة أن تنبت من بين الحطام؟!

لكن الزهرة نبتت في الحجر، فما ملابسات المعجزة الكورية؟!

في عام 1961، جاء الجنرال بارك شونغ إلى الحكم، في العام التالي وضع أول خطة تنموية، تقوم استراتيجيتها على: الاعتماد على الذات، وقيام الدولة بالدور الأساسي في عملية التنمية، والأولوية للتصنيع، خاصة التصنيع من أجل التصدير، من خلال تشجيع عمل الشركات الوطنية والعالمية على توسيع مشاركتها في تنفيذ مخططات الدولة، بتقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات وامتيازات مشروطة بإسهامها الفاعل في النهضة وسيرها على المخطط من قبل الحكومة.

نجحت الخطة وتم تعديلها في الخطط التالية؛ تحالف قادة كوريا مع رجال الأعمال من ناحية، والبيروقراطية ذات الكفاءة من ناحية أخرى، وجذب رؤوس الأموال الأجنبية، مع المرونة في تعديل السياسات لوضع ضوابط وإغراءات لتلك التدفقات صوب قطاعات صناعية أو تكنولوجية بعينها، مع تجنب الاقتراض قصير الأجل قدر الإمكان، والاعتماد على طويل الأجل ذي الشروط الميسرة.

جرى تحويل هيكل الصناعة الوطنية من الإحلال محل الواردات إلى التصدير.. عبر نظام المجمعات الصناعية العملاقة، كثيفة رأس المال والعمالة والمعتمدة على تقنيات متقدمة، ودشنت صناعات وسيطة ومغذية، وقاومت الأوضاع الاحتكارية بجرأة والفساد بشدة، مع الاهتمام الفائق بالجودة وبالجانب التسويقي، فما فائدة أن تنتج سلعة جيدة، لا تجد من يشتريها؟!

هكذا، لعبت الرأسمالية الوطنية ممثلة في المجمعات الصناعية دورًا محوريًا في النهضة الكورية، تحت مظلة الدولة، مع ارتفاع معدلات الادخار والاستثمار، واجتياز الحاجز التكنولوجي وتعديل بنية الهيكل الصناعي، حتى انضمت سول إلى نادى الاقتصاديات التي تتجاوز تريليون دولار عام 2004، وهي من تحتل المرتبة الحادية عشرة بين أقوى اقتصاديات العالم؛ يحوز الاقتصاد الكوري قطاعات صناعية بالغة الرقي والتقدم في الإلكترونيات والاتصالات والسيارات والكيماويات وبناء السفن، وتملأ سلعها العالم.

في المقابل، عانت دول أخرى من “ابتزاز نخبة المصالح النيوليبرالية”؛ نخب نافذة تقوم بدور الوكالة عن الغرب الذي يحرص على استتباع هذه الدول، نخب تغلب مصالحها الخاصة فوق مصالح الدولة وعموم الشعب. في كوريا قادت التّنمية إلى تحوّلات اجتماعية، أبرزها الإفلات من وضعيّات الفقر والإملاق القصوى والبؤس التي عاناها كثير من الكوريين في بدايات المسيرة التنموية، فلم يؤد النمو السريع إلى فجوة واسعة بين الفئات العليا والمتوسطة، مثلما حدث في بلدان نامية أخرى، وقاد إلى توترات اجتماعية وسياسية حادة.

ولأن الإنسان هو غاية التنمية وأداتها في كوريا، كانت الأسبقية للبشر على الحجر، سر أسرار التقدم الكوري هو الاهتمام المفرط بالتعليم والاستثمار فيه. بنت كوريا نظامًا تعليميًا متقدما شديد الكفاءة، يماثل أو يفوق نظيره في أمريكا وأوروبا، فهي تعد ضمن الأعلى إنفاقًا على التعليم والبحث العلمي والتطوير واستنبات التكنولوجيا؛ كوريا اليوم تتجاوز نسبة الجامعيين فيها 80%، بما يجعلها صاحبة ثاني أعلى معدلات تخرج من مؤسسات التعليم العالي عالميًا.

التعليم هو سر الخلطة الكورية التي قلبت الوضع رأسًا على عقب، بعد نير الاحتلال الياباني والحرب الكورية، أنصتت الزعامات الكورية المتعاقبة لأصوات المفكرين والمثقفين، العمل بروح الفريق ملمح من ملامح الثقافة الكونفوشية، أثبتت التجربة الكورية الجنوبية أنه يمكن صناعة التقدم والانعتاق من التخلف والجهل والفقر والبطالة؛ بالرؤية السليمة، والقيادة الملهمة، والإرادة والعزم، والتخطيط السليم والتنفيذ الدقيق، وبدلًا من اجترار الماضي أو الوقوع في أسره يممت كوريا وجهها صوب المستقبل بأمل وثقة.

نهض الكوريون وتصدرت بلادهم مواكب الدول الصناعية، في حين بقي العرب يندبون حظهم، لا يزالون في مؤخرة الركب؛ يصعب إرجاع الفشل العربي- منذ السبعينيات حتى نشوب ما سمي “الربيع العربي”- إلى قصور المدخرات بل إلى تبديدها، وليس قلة الاستثمارات بل تحجيمها، وليس ضعف رأس المال البشري، إنما نزيف العقول وتهجير السواعد، وهو ما ترافق مع تراجع إشباع الحاجات الأساسية لغالبية السكان، واتساع الفوارق في الدخول بين الطبقات وانهيار التعليم!

وبرغم كل ذلك فإن تأمل التجربة الكورية يغلق نوافذ اليأس ويفتح أبواب الأمل للتنمية والتقدم وربما المعجزة!

نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى