الاقتصاد الدولي

لماذا انهارت عملتا “تيرا يو إس دي” و”لونا”؟

200 مليار دولار في يوم واحد، ذلك هو المبلغ الأكبر الذي حققته خسائر المتداولين في العملات الرقمية في يوم واحد خلال شهر مايو. تخيل أن تقضي الليل وأنت غني وفي عداد أصحاب الملايين لتستيقظ في الصباح تجد نفسك ضمن الفقراء في أفضل الأحوال، وعليك تلال من الديون في أحوال أخرى. الأزمة كبيرة لدرجة أن بعض العملات الرقمية مثل عملة “لونا” وعملة “تيرا” هبط سعرها من حوالي 120 دولارًا إلى صفر تقريبًا. فما الذي يحدث في سوق العملات الرقمية ولماذا كل ذلك الذعر؟

قبل 5 أعوام تقريبًا، كان يُنظر إلى العملات الرقمية أنها الطريق إلى الثراء، خاصة بعد أن أثبتت عملة “بيتكوين” أنها الأكثر طلبًا بين فئات العملات الرقمية عالميًا، والارتفاعات الكبيرة التي حققتها عامًا تلو الآخر لتصعد من بضعة سنتات للفئة الواحدة منها إلى أكثر من ستين ألف دولار أمريكي. لكن في آخر عامين وبالتحديد منذ يونيو 2020 بدأ العديد من المتداولين النظر إلى العملات الرقمية بأنها حلم الثراء السريع، خاصة مع الأداء الجيد الذي حققته تلك العملات بعد انتشار جائحة كورونا، فقد كان أداء الاقتصاد العالمي في وضع سيئ، وقيمة العملات تنخفض، والعائد على فئات الأصول الأخرى غير جيد، كل تلك العوامل دفعت المستثمرين والمتداولين إلى النظر إلى العملات الرقمية أنها أحد البدائل التي يمكن الاستثمار بها لتحقيق عوائد جيدة.

وعليه فقد تزايد عدد المستثمرين بالعملات الرقمية عالميا إلى ما يقرب من 300 مليون شخص في العالم حتى عام 2021. جزء من هؤلاء المتداولين يقع في الدول العربية، وبالطبع تأتي مصر على رأس تلك القائمة بحوالي 1.79 مليون متداول، وتليها المغرب بحوالي 0.87 مليون متداول، ثم السعودية بحوالي 0.45 مليون متداول، كل هؤلاء المتداولين يسعون إلى تحقيق أرباح كبيرة وبسرعة.

دائمًا ما يُنظر إلى عملة “بيتكوين” على أنها العملة الملهمة التي يري الكثير من المستثمرين حلمًا أن تكون المسار الذي ستسلكه باقي العملات الأخرى، خاصة مع زيادة الطلب على العملات الرقمية، وتحقق فرضية أن تعدين عملة “بيتكوين” أصبح الأكثر صعوبة بين العملات الرقمية، وهو ما يعزز تحول عملية الاستثمار إلى العملات الأخرى الأقل في القيمة، وهو الامر الذي يعزز من فرص ارتفاع تلك العملة في المستقبل.

لكن هؤلاء المستثمرين يعلمون حقيقة أن الاستثمار في تلك العملات هو أمر محفوف بالمخاطر إلى حد كبير؛ نظرا إلى العديد من العوامل والتي تتمثل في المخاطر السياسية في عدم اعتراف عدد كبير من الدول بها، والمخاطر المصاحبة للمنصة التي يتم من خلالها تداول تلك العملات، وأخيرًا مخاطر ترتبط بالأصل نفسه والتي تتمثل في صعوبة تسعير تلك الفئة من العملات بالمقارنة بمثيلتها من الأصول الأخرى.

خلل هيكلي

عادة ما يتم تسعير الأصول (العملات أو الأسهم أو السندات) من خلال احتساب الفوائد التي سيجنيها المستثمر في تلك الفئة من فئات الأصول، ومن ثم احتساب القيمة الحالية (قسمة تلك التدفقات النقدية على أسعار الفائدة لتحديد قيمة تلك التدفقات الآن، على اعتبار مثل أن 110 جنيهات سيتم اكتسابها بعد عام تعادل 100 جنيه اليوم في حال أن الفائدة كانت 10%) لتلك الفوائد وتحديد قيمة الأصل في الوقت الحالي. ومن ثم فإن قيمة الأسهم تتحدد وفقًا لتلك الطريقة من خلال تحديد التدفقات النقدية التي ستجنيها الشركة واحتساب قيمتها اليوم، أو من خلال احتساب الفوائد التي سيقوم السهم بتوزيعها وإيجاد القيمة الحالية له لاحتساب قيمته اليوم. وهو نفس الأمر بالنسبة للسندات مثلًا، حيث يتم احتساب الفوائد التي سيدفعها السند في المستقبل، ومن ثم تحديد قيمته اليوم. 

لكن الأمر يختلف عند الحديث عن العملات الرقمية؛ فلا يوجد تدفقات نقدية لتلك العملات، وظروف تسعيرها قائمة بالأساس على العرض والطلب الذي يرتبط إلى حد كبير بحالة التفاؤل أو التشاؤم التي تطغى على السوق، أو تصريحات رجال الأعمال عن تلك العملات، أو قبول بعض الشركات أو الدول لتلك العملات. أما طريقة التسعير الثانية لتلك العملات فهي تتمثل في تكلفة توليد تلك العملات؛ فعلي سبيل المثال، يحتاج تعدين تلك العملات إلى استثمارات متنوعة من أجهزة الحاسب الآلي فائقة السرعة، ومحطات تبريد لتلك الأجهزة، بالإضافة إلى مصدر للكهرباء لتشغيل تلك الأجهزة، لكن حقيقة الأمر أن كل تلك الأمور هي محض نظريات وأن تداولك لعملة رقمية وتحقيق أرباح بها هو أمر مرتبط بشكل مباشر بالحظ، ومدى اختيارك للتوقيت المناسب لشراء العملة.

فعلي سبيل المثال، في الأول من مايو كانت قيمة عملة “بيتكوين” 38.4 ألف دولار، لكن في 21 مايو انخفضت قيمة تلك العملة إلى 29.2 ألف دولار، ومن ثم فقد انخفضت قيمة تلك العملة بمقدار 24 % تقريبًا خلال 21 يومًا فقط من شهر مايو. ولأن احتمالية هبوط أو صعود تلك العملات الرقمية بنسبة 20 % هو أمر معتاد، فقد كانت تلك التقلبات الكبيرة حائلًا أمام المستثمرين للاستثمار في تلك العملة لسنوات كثيرة.

Chart, histogram

Description automatically generated
الشكل 1: أداء عملة البيتكوين أمام الدولار الأمريكي

لكن في الآونة الأخيرة ظهر ما يسمى Stablecoins وهي عملات مشفرة لها قيم ثابتة، ومربوطة بأصول احتياطية تدعم قيمتها مثل الدولار الأمريكي على سبيل المثال، وفي تلك الحالة يمكن تسميتها باسم “العملات المستقرة المضمونة” “Collateralized stablecoins”، وهي عملات مضمونه بأصول تعادل أو تتجاوز قيمتها، ومن أمثلة تلك العملات عملة “تيثر” التي تعادل 1 دولار والمدعومة باحتياطيات من الدولار الأمريكي.

أما النوع الثاني من تلك العملات يسمي العملات المستقرة الحسابية “Algorithmic stablecoins”، وهي عملات تعمل بعملية حسابية تضمن بقاء سعرها عند 1 دولار أمريكي دون وجود أي ضمانات لها، ومن ثم فإن تلك العملات يمكن النظر إليها بأنها عملات وسيطة تأتي بين العملات التقليدية مثل الدولار الأمريكي واليورو، والعملات المشفرة مثل البيتكوين والايثيريوم. تتسم تلك العملات “Stablecoins” بالثبات، وهو ما يجعلها وسيلة للبيع أو الشراء في سوق العملات الرقمية، فعلي سبيل المثال في حال رغب أحد المتعاملين في بيع بتكوين لتجنب تحقيق خسائر ورغبته في البقاء داخل نظام العملات الرقمية، فإن بيع عملة البيتكوين وشراء إحدى عملات ال stablecoin يجعله داخل النظام الرقمي للعملات المشفرة دون الحاجة إلى الخروج للتعامل مع العملات التقليدية، لكن لماذا انهارت عملت terraUSD وعملة لونا معًا؟

Chart

Description automatically generated with medium confidence
الشكل 2: أداء عملة TerraUSD

من أمثلة تلك العملات المضمونة بالتشفير الحسابي عملة TerraUSD، التي تعد أحد أسباب أكبر الأزمات التي يعاني منها سوق العملات الرقمية اليوم مع نظيرتها “لونا “. بدأت تلك العملة في سبتمبر 2020 عندما قام أحد المبرمجين من دولة كوريا الجنوبية DO Kwon، والذي أسس شركة terraform labs، والذي أطلق عملة TerraUSD، والذي أتى بعد عام من إطلاق عملة Luna في فبراير 2019.

وقد قامت فكرة عملة TerraUSD على استخدام نظام المرابحة الذي تم ربط فيه عملة تيرا بشقيقتها Luna؛ في حال استخدام عملة “تيرا” لشراء عملة “لونا” فيتم استبدالها بقيمة 1 دولار مهما كان السعر السوقي للتيرا، وهو ما يمثل حماية لعملة “تيرا” من الانهيار. لكن من جانب آخر فإن انخفاض عملة “لونا” التي تعود الضمانة لعملة “تيرا” يتسبب في خوف العديد من المستثمرين الحاملين لعملة “تيرا”، ومن ثم إقدام المستثمرين على تحويل عملتهم إلى “لونا”، وهو ما يترتب عليه ظهور عملات “لونا” جديدة بالسوق، ومن ثم زيادة المعروض منها واستمرار انخفاض سعرها، وهو ما يدفع مستثمرين آخرين حاملين لعملة “تيرا” إلى تحويل عملتهم إلى “لونا”، وتستمر تلك العملية التي يمكن تسميتها “دوامة الموت”.

Chart, line chart

Description automatically generated
الشكل 3: أداء عملة Luna أمام الدولار الأمريكي

قدمت الشركة المصدرة لعملة “تيرا” منصة جديدة للإقراض اللامركزي باسم Anchor Protocol لدعم الاستثمار بعملة TerraUSD، تقوم فكرة المنصة على منح العملاء المحتفظين بودائعهم بعملة “تيرا” عائدًا يصل إلى 19.5% سنويًا. في الأسبوع الأول من شهر مايو، كان لدي شركة Anchor Protocol ودائع بقيمة 14 مليار دولار أمريكي، لكن مع إقدام الفيدرالي الأمريكي على رفع سعر الفائدة في الرابع من مايو الماضي، بدأت عملية سحب جماعية للودائع من تلك الشركة.

وخلال ثلاثة أيام انخفضت الودائع في الشركة بأكثر من 5 مليارات دولار ووصلت إلى 8.7 مليارات دولار، وهو ما تسبب في حدوث موجة انسحاب جماعي من عملة “تيرا”، وهو ما ضغط على عملة “لونا” التي ازداد عرضها في السوق بشكل كبير مما تسبب في انهيار سعرها والذي ترتب عليه انهيار الربط بين العملتين، وهو ما ترتب عليه تراجع سعر “تيرا” من 1 دولار في بداية شهر مايو إلى 0.05 سنتا تقريبا في 21 مايو 2022، أما عملة “لونا” فقد ازداد عدد المتداول منها إلى 7 تريليونات نسخة تقريبًا، وهو ما تسبب في انخفاض سعرها من 116 دولارًا في شهر أبريل الماضي إلى 0.00005 دولارا للفئة الواحدة منها.

تسبب الانهيار في تلك العملات في الضغط على سوق العملات المشفرة، وهو ما دفع باقي العملات إلى الهبوط حتى المضمون منها، حيث انخفضت عملة “تيثر” إلى 95 سنتًا للفئة الواحدة منها، وعملة “بيتكوين” كانت إحدى الضحايا لتلك الأزمة. لكن ليست عملتا “لونا” و”تيرا” هم السبب الوحيد؛ إذ إن السياسات النقدية الانكماشية التي اتخذها الفيدرالي الأمريكي ضغطت على جميع أسواق فئات الأصول الأخرى، وتسببت في تراجعات كبيرة، ومن ثم تركت اختيارات محدودة أمام المستثمرين لاستثمار أموالهم. لكن خلاصة القول، قبل أن تضع أموالك في أي استثمار، عليك أن تفهم جيدًا آلية تسعير تلك الفئة من فئات الأصول، وكيفية عملها، وما هو مصدر قيمتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى