أفريقيا

الانتخابات الرئاسية الكينية.. استحواذ عرقي أم صراع سياسي

تستعد كينيا يوم 9 أغسطس القادم لأهم تجربة سياسية؛ حيث يترتب عن الانتخابات في كينيا غالبًا تصعيد التوترات بين الطوائف قد يصل إلى عنف طائفي مثلما حدث بعد انتخابات 2007؛ بسبب استخدام القادة السياسيين والطامحين للحكم المتعاقبين المظالم الجماعية لتعبئة الناخبين، بل وصل الأمر إلى استخدام الميليشيات المسلحة. وفي ظل ذلك تقدم أكبر عدد من المرشحين للانتخابات وصلوا ل 7000 مترشح؛ لكن من قبلتهم اللجنة المستقلة للانتخابات والحدود (IEBC) فعليًا وصلوا حتى الآن إلى 38 مرشحًا مستقلًا؛ ومرشحين حزبيين.

الأعباء الكينية

تعاني كينيا من مشكلات ليست غريبة عن أغلب الدول الأفريقية؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عرقية. الأمر الذي يؤثر على انتهاء الانتخابات عادة بشكل سلمي؛ بسبب وجود مشكلات في البنية المشكلة لدولة كينيا. وأهم هذه المشكلات هي:

سياسيًا: لا يمكن وصف الوضع السياسي لكينيا إلا بأنه “هش” تمامًا؛ فالصراعات العرقية “قنابل” موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت لتعدد مصادرها. ويعد الجوار أحد أهم أسباب عدم الاستقرار في كينيا سواء كان الجوار للصومال وانتقال عناصر من جماعة “الشباب” والقيام بعمليات إرهابية منذ عام 2013-2022[1]، أو الجوار الإثيوبي؛ وهو ما شهدته مقاطعة مقاطعة مارسابيت[2] على سبيل المثال يوم 5 مايو 2022 الذي تسبب في فرض حظر تجول لمدة 30 يومًا.

يتسبب هذا الوضع المضطرب في إثيوبيا في انتقال الصراعات إلى كينيا؛ إذ يناصر أفراد القبيلة الإثيوبيون أقاربهم في كينيا؛ الأمر الذي يستوجب تهريب السلاح عبر الحدود غير المحكمة. وهو ما عكسه المسح الذي تم إجراؤه عام 2021 والذي ظهر فيه نسبة عدم رضاء الشعب عن أداء الحكومة فيما يخص توفير الأمن 54%، ومحاربة الفساد 77%.[3]

اقتصاديًا: بالرغم من النهضة التي يشهدها قطاع المنسوجات والملابس في كينيا أهم القطاعات الاقتصادية؛ إلا أن الاوضاع الاقتصادية ما زالت غير مرضية. في عام 2021، صنف صندوق النقد الدولي المخاطر الائتمانية لكينيا بأنها “عالية”. وبلغ الدين العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 66.2% بإجمالي 70.97 مليار دولار، ارتفاعًا من 48.6% عام 2015 هذا بخلاف الدين المحلي. وعلى مدى العقد الماضي تجاوز النمو في مدفوعات الفائدة معدل نمو الصادرات، لكن الحكومة تلقي باللوم على جائحة COVID-19.[4] الخدمات المالية مهمة أيضًا؛ ووفقًا لبنك ستاندرد تشارترد، يفتقر المصدرون لسهولة الوصول إلى الائتمان. وتعد معدلات الفائدة المرتفعة واللوائح المعقدة والازدواج الضريبي من المشاكل الرئيسة.[5]

البنية التحتية: يعد تحسين البنى التحتية المادية أحد التحديات الأساسية لكينيا؛ إذ تتطلب الصناعة كهرباءً ومياهًا دائمة وطرقًا أفضل، وما إلى ذلك. ووفقًا للحكومة، فإن “تكاليف النقل البري أربعة أضعاف المعدل التنافسي عالميًا”. هذه عقبة خطيرة تقيد التصدير وتحد من القدرة التنافسية الدولية للشركات. وهذا يعني أيضًا أن سلاسل التوريد لا يمكن الاعتماد عليها. على الجانب الإيجابي، تنخفض تكاليف الطاقة مما يعد ميزة تنافسية مهمة.[6]

السباق الانتخابي

ينقسم السباق الانتخابي ما بين مرشحين مستقلين بلغ عددهم 38 مرشحًا، منهم معتادي الترشح مثل نازلين عمر ونيكسون كوكوبو وموثورا كاريارا الذين ترشحوا عام 2017. ومنهم من يخوض الانتخابات لأول مرة مثل مرتل الانجيل وروبن كيجامي، ومدير الدورة السابقة للكنيسة المشيخية لشرق إفريقيا ديفيد غيثي، وجريتا موثوني.

  • نيكسون كوكوبو: ضابط سابق يبلغ من العمر 60 عامًا، ترشح للانتخابات أكثر من مرة؛ دخل مجال السياسة عام 2001.[7]
  • نازلين عمر: أهم المرشحات للرئاسة كونها حاولت في عامي 2007 و2013؛ وعادت مرة أخرى هذا العام. ناشطة سياسية أطلق عليها “ماما كينيا” ورشحت لأربع جوائز لامرأة العام.

وتضم قائمة المرشحين الأكثر حظًا مرشحي الأحزاب السياسية والتي يبلغ عددها 81 حزبًا[8]؛ لكن الأحزاب المؤثرة هي 3 أحزاب (التحالف الديمقراطي المتحد- الحركة الديمقراطية البرتقالية- حزب اليوبيل). لكن حزب اليوبيل لم يشارك لاستنفاد رئيسه كينياتا مرات الترشح.

أولًا: التحالف الديمقراطي المتحد

 وهو الحزب الأكثر شعبية، يتميز بكونه حزبًا يساريًا ولد من رحم حزب التنمية والإصلاح، يهتم بالطبقات الفقيرة، لذا اتخذ من عربة اليد شعارًا له. وعلى عكس باقي الأحزاب التي تؤسس أولًا ثم ينضم إليها المؤيدون؛ فقد تجمع الحزب حول السياسيين المتحالفين مع الدكتور ويليام روتو، نائب رئيس كينيا الحالي. [9]

ويعد ويليام روتو أحد المرشحين الأوفر حظًا في الانتخابات الرئاسية هذا العام، وهو ينتمي إلى عرقية كالينجين؛ والمرشح الرئاسي لتحالف كينيا كوانزا (كينيا أولاً) الذي يضم أكثر من 10 أحزاب سياسية.[10]  وقد اختار رجل الأعمال ريجاثي جاشاجوا نائبًا له لكونه من أكبر عرقية في كينيا “كيكويو” الذين يعد دعمهم أمرًا حيويًا للفوز.

ثانيا: الحركة الديمقراطية البرتقالية

هي حزب سياسي يسار الوسط؛ جاءت خليفة للحركة الشعبية التي تشكلت خلال حملة الاستفتاء على الدستور الكيني لعام 2005. انفصلت هذه الحركة في أغسطس 2007 إلى حزب الحركة الديمقراطية البرتقالية، وحركة تنظيف الديمقراطية – كينيا.[11]

ومرشح هذه الحركة هو رايلا أودينجا، وهو سياسي مخضرم يبلغ من العمر 77 عامًا، ينتمي إلى عرقية لوس، يخوض الانتخابات للمرة الخامسة؛ شارك في انتخابات أعوام 1997 و2007 و2013 و2017. وبالرغم من أنه خسر أمام أوهورو كينياتا؛ إلا أن الأخير يسانده ضد نائبه. اختار نائبة له مناصرة لحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية مارثا كاروا وهي وزيرة العدل السابقة التي حصلت على لقب “السيدة الحديدية” لمواجهتها جميع القادمين في المشهد السياسي الذي يهيمن عليه الذكور. قدمت ترشيحاتها الرئاسية في عام 2013 بعد أن خدمت في البرلمان لمدة عقدين من الزمن.[12]

التقديرات

الظاهر للعيان أن الدكتور روتو هو الأوفر حظًا في الفوز بالانتخابات القادمة؛ فهو يخوضها ليس بمنطق صراع عرقي حيث استعان بنائبه جاشاجوا حتى لا يخسر أكبر العرقيات وأقواها وأكثرها سيطرة في كينيا. لكن ما يؤثر على حظوظه هو الاتهامات التي وجهت له ولنائبه السيد جاشاجوا بتهم فساد وغسيل أموال وعدم معرفة مصادر ثروتيهما. لكن الدكتور روتو حول الصراع إلى صراع طبقي ما بين أنصاره من المهمشين سواء الفقراء أو النساء والشباب -فيفخر دائما بأنه عمل بائع دجاج في صغره على الرغم من أنه الآن أحد أهم رجال الاعمال- وما بين أنصار أهم منافسيه أودينجا. وأخذ يوزع عربات اليد وخزانات المياه للعاطلين عن العمل لكسب الدعم في الانتخابات.

أما عن فرص أودينجا، وعلى الرغم من أنه مرشح رئيس الجمهورية الحالي كينياتا، وأنه أقدم معتقل سياسي في كينيا، وله دور فعال في الكفاح من أجل الإصلاحات السياسية، وكونه استعان أيضا بنائبته من عرقية “كيكويو”؛ إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تعلن تفوق د. روتو بنسب لا يمكن التهاون فيها. لأنه سيحمل إرث كينياتا من فشل في الملفات العديدة خاصة الملف الاقتصادي. بجانب هجوم د. روتو عليهم من منطلق أنهم أبناء الصفوة والعائلات الثرية؛ بينما هو من الفقراء وأنه لم يحصل على حذاء إلا بعد أن وصل لسن 15.

الناظر إلى ماضي المواجهات بين كل من كينياتا وروتو سيجد أن الأول يستخدم أودينجا كستار له كونه لا يمكنه الترشح مرة أخرى لاستنفاده مرات الرئاسة. فضلًا عن أنه نقض اتفاقًا كان قد عُقد بينه وبين روتو بعد أحداث العنف التي تلت انتخابات 2007 و2008؛ وبسببه تم توجيه اتهامات لهما من المحكمة الجنائية الدولية. ولتفادي حكم المحكمة توحد الاثنان بعد عقد اتفاق شفهي، حيث سيدعم د. روتو السيد كينياتا ليكون رئيسًا لفترتين مدة كل منهما خمس سنوات. بعد ذلك، يرد السيد كينياتا بالمثل بدعم نائبه للفوز بالرئاسة في انتخابات 2022، ليخدم أيضًا فترتين.[13]

لكن في يناير 2021، أعلن الرئيس انتهاء تلك الصفقة بتصريحه علانية بأن “الرئاسة لا تخص قبيلتين فقط”، مضيفًا أنه حان الوقت لتولي مجموعة عرقية أخرى من 42 مجموعة عرقية في كينيا السلطة. لذا قرر أن يساند منافسه في الانتخابات السابقة والذي وصفه فيما مضى بأنه من الجيل القديم الذي تسبب في ماضي كينيا المظلم.

لا تتعلق السياسة الكينية كثيرًا بالمواقف الأيديولوجية أو حتى الاختلافات السياسية المتميزة، ولكن القدرة على تشكيل تحالفات استراتيجية -مبنية إلى حد كبير على أسس عرقية- لتسليم غنائم السلطة للمتنافسين. من هنا يتضح مدى خطورة الأمر سواء فاز د. روتو أو أودينجا؛ ففي كلا الحالتين من المتوقع جدًا نشوب صراعات داخلية قد تصل إلى عنف؛ وهو ما يقوله تاريخ الانتخابات الكينية خاصة بين نفس الأسماء. سيحسم الأمر عاملان: الأول هو استعداد المرشحين لقمع مشاعرهم السياسية لتجنب تكرار العنف، والثاني ما إن سيتغذى القادة السياسيون على الانقسام أو يتخذون خيارات وإصلاحات مسؤولة يمكن أن تحمي الأمن القومي وتضمن انتخابات حرة ونزيهة.


[1] Claire Felter, Jonathan Masters, and Mohammed Aly Sergie: Al-Shabab, Council on Foreign Relation (New York: May 19, 2021)

[2] Victoria Amunga: Outbreak of Ethnic Violence Kills 5 in Kenya’s Marsabit, VOA News (Washington, D. C.: Agency for Global Media (USAGM), 5th. May, 2022)

[3] https://www.statista.com/statistics/1306465/opinions-on-government-perfomance-on-most-important-problems-facing-kenya/

[4] Kenya is raising debt ceiling and Samia’s on borrowing binge, Beatrice Meru, The East Africa (Nairobi: Mar. 2022)

[5] The bank for the new economy – Here for good, Annual Report 2021, Standard Chartered  (Nairobi : Chartered Bank of India, 30th. Mar. 2022)

[6] Kenya’s Deputy President Ruto campaigns for ‘Hustler Nation’ ,Emmanuel Onyango, BBC News (Nairobi, 26 August 2021)

[7] Meet ex-soldier who wants to be Kenya’s 5th president, The Nation (Jul. 2020)

[8] List Of All Registered Political Parties in Kenya 2022, Victor Matara (15th. Jan. 2022)

https://victormatara.com/list-of-all-registered-political-parties-in-kenya-2018/

[9] https://uda.ke/site/

[10] Kenya’s election 2022: Rigathi Gachagua and Martha Karua chosen as running mates, Evelyne Musambi, BBC News (Nairobi: 17th. May, 2022)

[11] Orange Democratic Movement Constitution (Nairobi: 31st. Oct., 2016)

https://www.politicalpartydb.org/wp-content/uploads/2021/01/Kenya_ODM_Party-Constitution_2015.pdf

[12] Kenya Presidential Contenders Pick Rights Champion, Political Campaigner as Running Mates, Reuters ( 16th. Mar. 2022)

[13] Kenyatta, Ruto and Odinga: The true cost of Kenya’s political love triangle, BBC News (11th. July 2021)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى