الاقتصاد المصري

كيف نفسر رفع البنك المركزي لأسعار الفائدة؟

قررت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري رفع أسعار العائد الأساسية بواقع 200 نقطة أساس في 19 مايو 2022، ليصل إلى 11.25 % و12.25 % لسعري الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وكذا تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 200 نقطة أساس ليصل إلى 11.75 %.

يأتي ذلك القرار على خلفية حالة التضخم التي يمر بها العالم جراء استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، والتي ترتب عليها فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية عقوبات اقتصادية متعددة على روسيا أسهمت في تقييد حركة التجارة العالمية وتعطيل سلاسل التوريد، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار عالميًا لعدد من السلع الأساسية المرتبطة بالأساس بالطاقة والغذاء (القمح والبترول)، هذا فضلًا عن أن العالم يمر بحالة من التغير المناخي التي تسببت بنقص المعروض وتلف المحاصيل الزراعية بعدد من البقاع عالميًا، والتي كانت سببا لسوء حالة الطقس وانخفاض المحاصيل في مناطق بعينها. إلى جانب الوضع الصحي السيئ في الصين، والذي ترتب عليه اتخاذ السلطات الصينية قرارات بفرض حالة إغلاق تسببت في تفاقم سلاسل التوريد والإمداد عالميًا. 

كانت تلك الأوضاع سببًا لاتخاذ عدد من البنوك المركزية عالميًا سياسات نقدية متشددة، والتي يأتي على رأسها البنك الفيدرالي الأمريكي والذي اتخذ قرارًا برفع أسعار الفائدة بواقع 0.75 % على مرتين أولهما في مارس الماضي وآخرهما في الرابع من مايو الماضي، هذا فضلًا عن قيامة بخفض برامج شراء الأصول لاحتواء ارتفاع معدلات التضخم في البلاد.

الوضع المصري

قبل بدء الحرب الروسية الأوكرانية، كانت البيانات الاقتصادية تشير إلى النشاط الاقتصادي المحلي آخذ في الارتفاع خلال الربع الرابع من عام 2021، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ارتفاعًا بنسبة 8.3%، وهو أعلي معدل نمو ربعي تم تحقيقه منذ عام 2002. كان ذلك المعدل الإيجابي مدعومًا بتعافي عدد من القطاعات الرئيسة التي تأتي على رأسها قطاعات السياحة والتشييد والبناء والقطاع الصناعي، هذا فضلًا عن الأثر الإيجابي لسنه الأساس (2020) والتي اتسمت بالأداء الإيجابي لفترة الأساس الناجم عن انخفاض معدلات النمو في ذات الفترة من عام 2020 نتيجة للتدابير الاحترازية لجائحة الكورونا. أما عن البطالة في مصر فقد انخفضت خلال الربع الأول من عام 2022 مسجلة نسبة 7.2 %.

لكن بيانات شهر أبريل من العام 2022 شهدت ارتفاعًا كبيرًا في معدل التضخم السنوي، والذي وصل إلى 13.1% مقابل ارتفاع بنسبة 10.5% في مارس من عام 2022، مسجلًا أعلى معدل نمو في مايو 2019، واستمر معدل التضخم الأساسي في الارتفاع (معدل التضخم الذي يستبعد الخضروات والفاكهة الطازجة والسلع والخدمات المحدد أسعارها إداريًا) في الارتفاع ليسجل 11.9 % في أبريل 2022، مقابل نسبة 10.1% في مارس 2022. تأتي تلك الارتفاعات على خلفية الارتفاعات العالمية في أسعار السلع الغذائية، هذا إلى جانب العديد من العوامل الأخرى التي تسببت في تفاقم الأوضاع مثل سوء أحوال الطقس، وارتفاع أسعار الأسمدة، وتأثير الحرب بين روسيا وأوكرانيا على أسعار القمح.

رفع أسعار الفائدة

في ضوء ما سبق ذكره، اتخذت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري قرارها برفع أسعار الفائدة على الجنيه المصري بواقع 200 نقطة أساس. يمكن تفسير ذلك القرار بالموقف الجاد الذي يتبناه صانعو السياسات النقدية في مصر تجاه التضخم منذ العام 2016؛ إذ إن الأولوية الأساسية للبنوك المركزية عالميًا هي السيطرة على معدلات التضخم، حتى لو كان لذلك القرار أثر سيئ على معدلات النمو الاقتصادي في البلاد.

وهو ما تبناه البنك الفيدرالي الأمريكي نفسه، حيث صرح السيد جيروم باول محافظ البنك الفيدرالي الأمريكي أنه ربما أن تتعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع حالة التباطؤ الاقتصادي التي قد تعاني منها الولايات المتحدة الأمريكية لفترة من الزمن. تلك التصريحات تفسر جانبًا من سلوك المركزي المصري باتخاذه قرار رفع أسعار الفائدة على الرغم من أن الارتفاع في الأسعار المحلية سببه تضخم مستورد (نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة عالميًا).

تأثيرات القرار

كما سبق الإشارة، فإن اتجاه المركزي لرفع أسعار الفائدة هدفه الأول هو السيطرة على معدلات التضخم في البلاد، والسبب الثاني هو إثبات صدق وجدية السياسة النقدية في مصر في تعاملها مع الأوضاع الاقتصادية العالمية. لكن التساؤل الرئيس الذي يدور في ذهن القارئ هو أن التضخم الذي يحدث في مصر سببه ليس زيادة المعروض النقدي أو السيولة في السوق المصري، وذلك الرفع في أسعار الفائدة لن يساهم في جذب السيولة. 

يمكن الإجابة على ذلك التساؤل بأنه صحيح جزئيًا، لكن هناك أمر آخر وهو التمويل الاستهلاكي للأفراد الذين يساهمون في زيادة الطلب على المنتجات من خلال الشراء بالتقسيط؛ إذ إن ذلك الرفع في أسعار الفائدة يزيد من تكاليف التمويل الاستهلاكي، وهو الأمر الذي سيزيد من الطلب. ومن ثم فإن لذلك الرفع أثر كبير على التمويل الاستهلاكي للمواطنين سواء بشراء السلع الاستهلاكية أو السلع ذات الأعمار الطويلة نسبيًا، وهو أمر من شأنه أن يبطئ من وتيرة الطلب على تلك السلع بالأساس.

من ناحية أخرى، سيؤثر تباطؤ الطلب الاستهلاكي على تلك المنتجات على النمو الاقتصادي الذي قد يدفع البلاد إلى ركود اقتصادي أو ارتفاع نسبي في معدلات البطالة، لكن كما سبق القول إن التضخم أهم من البطالة أو الركود الاقتصادي؛ فالتضخم يؤذي الجميع بانخفاض قوتهم الشرائية، لكن البطالة أو الركود الاقتصادي قد تؤثر على بعض من الفئات لفترة زمنية يمكن التدخل من خلال برامج الدعم الاجتماعي المستهدف لعلاج أثر تلك السياسات على تلك الفئات.

ماذا عن القطاع الصناعي أو القطاع العقاري؟!، لا نعتقد أن تتأثر تلك القطاعات بشكل كبير بتلك السياسات؛  فمبادرات البنك المركزي لتمويل القطاع الصناعي أو القطاع العقاري بأسعار فائدة مدعومة ما زالت قيد التنفيذ؛ إذ يستطيع القطاع الصناعي الحصول على تمويل مدعوم بنسبة 5% لشراء المعدات أو لتمويل العمليات الصناعية، ولا زالت مبادرة القطاع العقاري للبنك المركزي المصري بمعدلات فوائد تتراوح من 3 – 8-11% متاحة، وهو ما يعني أن الأثر على تلك القطاعات سيكون محدود نسبيًا على الفئات التي لا تنطبق عليها شروط تلك المبادرات، والتي في حال وجود تأثر كبير عليهم يمكن للمركزي التدخل ببرامج طارئة لتخفيف الأثر على تلك الفئات.

لكن لذلك القرار أثر جيد على التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية على محفظة الاستثمارات غير المباشرة، والتي توفر قدرًا من العملات الأجنبية التي تحتاجها البلاد في الأجل القصير، وهو الأمر الذي سيعزز من التدفقات النقدية بالعملات الأجنبية للبلاد. وكذا، لذلك القرار أثر جيد على صورة واضعي السياسة النقدية في مصر تجاه المؤسسات الدولية والتي ترى رغبه جادة من جانب صانعي السياسة النقدية في التعامل مع التضخم بتطبيق القواعد الاقتصادية الصحيحة، والتي قد تسهل من مفاوضات مصر مع أي من الجهات الأجنبية للحصول على برامج تمويلية قصيرة الأجل وسريعة تدعم الوضع الاقتصادي الحالي في مصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى