أوروبا

اليسار الاسكندنافي.. حليف جديد للناتو ضد روسيا

تحمل التحركات العاجلة لمملكة السويد وجمهورية فنلندا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي “حلف الناتو” مفارقة سياسية وإيديولوجية مهمة، ألا وهي أن حكومتي البلدين تنتميان إلى اليسار الاشتراكي.

ففي استكهولم، ترأست السيدة ماجدالينا أندرسون الحكومة السويدية منذ 30 نوفمبر 2021، عقب اختيارها رئيسة لحزب العمال الاشتراكي في 4 نوفمبر 2021، وهي أول سيدة تتولى رئاسة الوزراء في السويد، علمًا بأن سلفها على رأس الحزب الاشتراكي ستيفان لوفن قد شكل الوزارة لثلاث ولايات منذ عام 2014 حتى اللحظة التي تسلمت منه رئاستي الوزارة والحزب. وتستعد أندرسون لقيادة الاشتراكيين في الانتخابات البرلمانية السويدية في 11 سبتمبر 2022.

وفي هلسنكي، ترأست السيدة سانا مارين الحكومة الفنلندية منذ 10 ديسمبر 2019، وتترأس الحزب الاشتراكي الديموقراطي منذ 23 أغسطس 2020، وإن كانت مارين تتفوق على أندرسون في أنها من مواليد عام 1985 لتصبح ثالث أصغر رئيس حكومة على مستوى العالم.

وإذا ما توسعنا في دائرة أوروبا الشمالية، أو الدائرة الاسكندنافية، سوف نجد أن رئيسة الحزب الاشتراكي الدانماركي السيدة مته فريدريكسن ترأست الحكومة منذ 27 يونيو 2019 بعد سيطرتها على رئاسة الحزب في 28 يونيو 2015، ومملكة الدانمارك أعلنت عقب 24 ساعة من بدء الحرب الأوكرانية عن تأييدها نشر قوات أمريكية في عموم الدانمارك.

وفي وقت لاحق أعلنت كوبنهاجن مقتل عدد من مواطنيها في الفيلق الدولي الأوكراني، وهو الفيلق التابع للجيش الأوكراني الذي تأسس عقب بدء الحرب ويضم المتطوعين الأجانب القادمين من خارج أوكرانيا للمحاربة بجانب المقاومة الأوكرانية بوجه الجيش الروسي، وأعلنت الخارجية الروسية طرد 7 دبلوماسيين دانماركيين، قبل أن تتهم الدنمارك جارتها الروسية بخرق مجالها الجوي.

وفي ريكيافيك عاصمة أيسلندا، تترأس السيدة كاترين ياكوبسدوتير الحكومة منذ 30 نوفمبر 2017، وترأست حركة اليسار الأخضر أو حزب الخضر الاشتراكي منذ فبراير 2013، وهي إيديولوجيا تدمج بين الفكر الاشتراكي وأحزاب البيئة في أوروبا.

إن الظاهرة الأساسية التي تمر بها الدول الاسكندنافية هو أن اليسار – بكل فرقه – الذي كان عادة – وحول العالم أجمع – يقف بجانب الكرملين في حربه ضد الكتلة الغربية، وقد أصبح اليوم رأس حربة الغرب في مواجهة الكرملين.

وكانت الدول الدائرة الاسكندنافية خلال الحقبة السوفيتية والحرب الباردة، قد عانت من التدخل ومحاولات الهيمنة السوفيتية، وأصبحت محطة مهمة للمخابرات الغربية خاصة المركزية الأمريكية للتجسس على الداخل السوفيتي.

ومع ذلك فإن اليسار في الدول الاسكندنافية، وحتى أغلب دول الكتلة الغربية كان يحمل توجهات فكرية أقل ما يقال عنها إنها “ودية” وقد تصل إلى التحالف الإيديولوجي مع الاتحاد السوفيتي ذي الإيديولوجيا الماركسية اليسارية.

وحتى مع تأسيس اليسار الأوروبي أو الليبرالي الجديد أواخر ستينيات القرن العشرين، وقيادة هذا اليسار الليبرالي لمتغيرات اجتماعية وثقافية قبل أن تكون سياسية واقتصادية في أوروبا وأمريكا خلال السبعينيات، فإن الغرب ظل يحمل في معاقله نخبة يسار عتيق يتقاطع “ماركسيًا” مع الاتحاد السوفيتي، ولم يكن هذا الوفاق الماركسي بسبب المرجعية الشيوعية للاتحاد السوفيتي ولكن بسبب مناوئة الاتحاد السوفيتي لهيمنة الرأسمالية الغربية وعلى رأسها إمبريالية الولايات المتحدة الأمريكية.

ولكن عقب سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991، انتصر الاقتصاد على السياسة وانتصرت المصالح التجارية على الإيديولوجيا، وبدأت سلسلة مراجعات فكرية على مستوى كافة بيوت الفكر اليساري حول العالم أجمع، وأنتجت تلك المراجعات يسار عالمي جديد، يتماهى مع المشاريع الإمبريالية الغربية والأمريكية بل ويمكن القول إنه أصبح الجناح اليساري للعولمة والنظام العالمي الذي يحاول الغرب فرضه.

وبدوره رأى الغرب أن الحرب الباردة لم تكن مع اليسار ولكن مع اليسار الموالي للاتحاد السوفيتي، ولكن طالما هنالك يسار ليس مواليًا لأعداء الكتلة الغربية، ويمكن أن يصبح ابن ثقافة الغرب ويتبنى هذا المشروع، فإن هذا اليسار الجديد مفيد أكثر للغرب من اليمين المحافظ أو الوسط الليبرالي الذي حكم أوروبا وأمريكا أغلب فترات الحرب الباردة.

والسبب في ذلك أن الخطاب اليساري هو خطاب معاد لليمين القومي، لذا يتم استخدامه واستخدام أفكاره وعناصره في حرب الإيديولوجيات الجارية في الغرب منذ عام 2008 لمحاولة عرقلة صعود المد القومي الساعي لهدم قيم العولمة ورد الاعتبار للدولة الوطنية والخصوصية الثقافية لكل دولة أمريكية وأوروبية، بينما أفكار الأممية الاشتراكية تم توظيفها في فكرة العولمة.

بل إن قواميس الصوابية السياسية، ونشر موضة وأفكار الشواذ جنسيًا، والراديكالية النسوية، والمركزية الأفريقية وتمكين الأقليات على حساب الأكثرية، وإباحة الإجهاض وتداول المخدرات بشكل قانوني كلها أفكار ماركسية روج لها اليسار التقدمي أولًا قبل أن يتلقفه اليسار الليبرالي الأوروبي الأمريكي ويقوم بنشره في أوروبا وأمريكا.

وهكذا فإنه بحلول التسعينيات وفور سقوط الاتحاد السوفيتي، انتهت الفكرة الكلاسيكية عن اليسار أو الماركسيين باعتباره مناوئًا أو مناهضًا أو معارضًا للغرب ومشاريعه ورؤيته الإمبريالية، وأصبح اليسار أداة وجماعة وظيفية في دولاب العولمة الأمريكية وشبكات المصالح الغربية.

وسارعت كلًا من السويد وفنلندا إلى استقبال بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني، في استجابة مفهومة لخطوات بريطانيا ما بعد بريكست في إثبات فاعليتها بعيدًا عن الاتحاد الأوروبي، حيث قامت لندن بإبرام معاهدتي للدفاع المشترك مع السويد وفنلندا، وذلك قبل بدء الدولتين في إجراءات الانضمام إلى حلف الناتو.

وتكسب لندن الوقت لصالح الدفاع عن الدولتين، إذ إن انضمام دولة جديدة إلى الناتو يستلزم موافقة حكومات وبرلمانات ثلاثين دولة هم أعضاء حلف الناتو، وتدرك لندن أن تركيا سوف تعارض لبعض الوقت انضمام السويد وفنلندا على ضوء المزاعم التركية بأن كلتا الدولتين تدعمان وتأويان عناصر من حزب العمال الكردستاني المتمرد في تركيا.

فتحت جبهة اسكندنافيا في حرب الغرب ضد روسيا، عقب التعاون المثمر بين دول البلطيق والغرب، وبعد أن أصبحت بولندا قائدة لجبهة أوروبا الشرقية، ليصبح سؤال اللحظة اليوم في المجال الحيوي الروسي.. هل تمتد الحرب الأوكرانية إلى اسكندنافيا وتحديدًا فنلندا؟ إذ إن انضمام فنلندا إلى الناتو يعني توسع الحدود المشتركة بين الناتو وروسيا من 708 كم إلى أكثر 1931 كم، كما أن فنلندا تمتلك حدودًا بحرية مع روسيا وكانت جزءًا من السويد ثم أصبحت جزءًا من روسيا القيصرية عام 1809، وظلت ولاية روسية حتى عام 1917 حينما أعلنت استقلالها عن روسيا البلشفية أي كانت ولاية روسية لقرابة 110 عامًا.

إن من فكك حياد السويد وفنلندا والدول الاسكندنافية اليوم لصالح الغرب وحلف الناتو، لم يكن المحافظين أو الليبراليين ولكن الاشتراكيين والخضر الموالون للغرب في نسختهم الجديدة، في إشارة إلى تحول اليسار الغربي بوجه عام واليسار الاسكندنافي على وجه التحديد إلى أجندة العولمة الغربية والتحاقه بشكل وظيفي بدوائر الغرب ومشاريعه.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى