الأكثر قراءةالاقتصاد المصري

“وثيقة سياسة ملكية الدولة”.. استراتيجية قومية تستهدف توسيع قاعدة القطاع الخاص

عرض – مي صلاح

أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن خريطة تقوم الحكومة بإعدادها حاليًا من أجل تحديد الأنشطة الاقتصادية التي ستتواجد فيها أو ستخرج منها خلال الفترة المقبلة، مطلقة عليها اسم “وثيقة سياسة ملكية الدولة للأصول”، ومن المقرر إطلاقها قريبًا، وتستند إلى عدد من المعايير والمحددات الرئيسة، والتي بينها معايير المنظمات الدولية “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية”، فضلًا عن استنادها إلى التجارب الدولية الرائدة، والدروس المستفادة من الأزمات العالمية والتي أثرت على الدولة خلال السنوات السابقة.

خطة متكاملة تستهدف تمكين القطاع الخاص وتنظيم تواجد الدولة في النشاط الاقتصادي

مما لا شك فيه أن وجود الدولة المصرية في النشاط الاقتصادي قد تنوع وفقًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها الدولة، وقد نتج عن الوجود الكبير للدولة في بعض الحقب الزمنية اتساع محفظة الأصول المملوكة للدولة المصرية لتضم العديد من شركات القطاع العام، وقطاع الأعمال العام، ووجودها في العديد من القطاعات؛ بعضها سلع استراتيجية أو خدمات أساسية، والبعض الآخر حضرت فيه الدولة لتحقيق أبعاد اقتصادية أو اجتماعية محددة.

والآن، أصبح من الضروري إلى جانب أهمية وجود حكومات تتمتع بأعلى مستوى من الكفاءة والاستجابة لاحتياجات مواطنيها، أن تتمتع كذلك بالمرونة في مواجهة الأزمات والصدمات الاقتصادية، وهو ما يبرر التحول نحو دور جديد للدولة تقاس فيه كفاءة الحكومات بمدى قدرتها على تقديم خدمات عامة عالية الجودة لمواطنيها، وسعيها نحو تعزيز مستويات البنية الأساسية الداعمة للاستثمار المحلي والأجنبي، وتبنيها لأطر تشريعية وتنظيمية تكفل جاذبية بيئات الأعمال.

واستكمالًا للإصلاحات الحكومية التي تتبناها الدولة، وجه رئيس الوزراء بأن يتم شرح التحديات التي يتم مواجهتها حاليًا محليًا وعالميًا من قبل الوزراء والمسؤولين مع البرلمان، وكذا وسائل الإعلام المختلفة، وخاصة عقب الأزمتين العالميتين اللتين عصفتا بمصر والعالم ولم تكن مصر سببًا فيهما، فالأولى كانت جائحة شلت أذرع الاقتصاد، والثانية هي الصراع بين روسيا وأوكرانيا، فتسببا في خلق ظروف شديدة الاستثنائية، وارتفاعات غير مسبوقة في مختلف أسعار السلع الأساسية، فضلًا عن اضطراب وضبابية المشهد بوجه عام.

ولأن الدولة المصرية تبذل جهودًا مضنية لتخفيف حدة هذه الأزمات المتتالية على المواطن المصري وتسعى دائمًا إلى اقتناص الفرص، فقد وضعت هذه السياسة لتستهدف بشكل رئيس الأصول المملوكة للدولة والإعلان عنها وتحديد جدول زمني لتخارج الدولة من عدة أنشطة على مراحل، فيما سيتم تحديد قطاعات أخرى سيستمر وجود الدولة بها، بالإضافة إلى تعزيز المشاركة مع القطاع الخاص، وتكوين شراكات بين القطاعين العام والخاص في إطار برنامج زيادة كفاءة الأصول المملوكة للدولة لتعزيز فرص استفادة مصر من التحول الرقمي، وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة، فضلًا عن المبادئ الحاكمة لحضور الدولة في النشاط الاقتصادي، وكذلك الحياد التنافسي والبيئة التشريعية المواتية لهذا النشاط الاقتصادي.

وستعمل الحكومة على إصدار الوثيقة بثلاثة ألوان، الأخضر والأصفر والأحمر، وسيعني اللون الأخضر تخارجًا كاملًا من الدولة في هذه القطاعات والأنشطة، ويعني اللون الأصفر تثبيت أو تخفيض حصة الدولة في هذه الأنشطة الاقتصادية، أما اللون الأحمر فيعني استمرار أو زيادة الدولة لاستثماراتها في هذه القطاعات؛ نظرًا لما تتسم به هذه القطاعات من أبعاد استراتيجية أو اجتماعية، بحسب الخطة الحكومية.

ووفقًا للمؤتمر، فإن الدولة قد انتهت من تقييم أصول بقيمة 9.1 مليار دولار وجارٍ تقييم أصول بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار، وسط تأكيدات بأن الحكومة ملتزمة بتسييل أصول بقيمة 10 مليارات دولار سنويًا لمدة 4 سنوات. 

وحددت الخطة المشروعات المتاحة للمشاركة في القطاع الخاص في عدد من أصول الدولة، وهي مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وأصول عقارية بالمدن الجديدة، ومشروعات تحلية المياه، ومشروعات بقطاع التعليم، ومشروعات بقطاع الاتصالات.

هل تحتكر الدولة المصرية المشروعات الضخمة والاستراتيجية؟

كان هناك عديد من الأصوات التي تنادي بترك المجال فيما يخص المشروعات الاستراتيجية للقطاع الخاص، وبالفعل استجابت الحكومة لهذه الآراء، وتسعى حاليا لحصر جميع الممتلكات التي توجد في الوزارات والتي يمكن مشاركتها مع رجال الأعمال المصريين أو الأجانب أو العرب.

وستعلن الحكومة عن جميع المشروعات التي سيتم طرحها للمشاركة أو البيع أو للإدارة؛ إذ إن هناك نوعًا من الخصخصة يتعلق بالإدارة مع بقاء ملكية هذه المشروعات للدولة بالطبع، لكن تسعى الحكومة إلى البحث عن شركات وخبراء يتولون الإدارة بشكل محترف يحقق أعلى ربحية، وهذا اتجاه جيد للدولة، ويلبي احتياجات المواطن، ويقضي على المزاعم التي تتحدث عن احتكار مزعوم لمؤسسات بعينها داخل الدولة، التي يقال عنها تمتلك الشركات وتحتكر العمل الاقتصادي منذ فترة طويلة وتهيمن على الاقتصاد المصري. 

هذا القرار من شأنه أن يتيح لرجال الأعمال شراء أسهم أو الدخول في الشركات التي تمتلكها الدولة، أو المشروعات الأخرى التي تمتلكها الدولة، وبالتالي القطاع الخاص يستطيع أنه يعدل من مسار هذه الهيئات والشركات ويديرها بشكل سليم، وتكون هناك خطط لإدارتها تختلف عن إدارة المال العام، بشرط أن يتم هذا الطرح بالحفاظ على الأصول، من خلال تقييمها تقييمًا حقيقيًا بسعر السوق.

خطوات صحيحة تتواكب مع التغييرات العالمية

بدأت الحكومة المصرية في اتخاذ خطوات مدروسة لتتواكب مع التغيرات العالمية والالتزامات الدستورية بشأن تبني معايير الحوكمة بالنظام الاقتصادي، بدءًا من تطبيق برنامج “الإصلاح الاقتصادي” عام 2016، وتبني العديد من الإصلاحات والإجراءات مؤخرًا. وذلك من أجل تحسين أداء الشركات المملوكة للدولة، ولعل أبرز هذه الإجراءات كانت تشمل الالتزام بمبادئ الحوكمة، ومعايير الشفافية والإفصاح، وتصفية الأصول غير المستغلة، وإعادة هيكلة بعض الشركات كالصناعات النسيجية، بالإضافة إلى وضع خطط لتطوير أساليب الإدارة، وأخيرًا تبني برنامج الطروحات الحكومية، ويعني أن يتم طرح بعض الشركات المملوكة للدولة في البورصة منها كذلك بعض الشركات التابعة للقوات المسلحة.

وعن “سياسة ملكية الدولة”، تقدم هذه الوثيقة الهدف من هذه السياسة، وأهم موجهاتها، ومنهجية تحديد قرارات الإبقاء على أو التخارج من الأنشطة الاقتصادية خلال السنوات المقبلة، وذلك كمرحلة أولى من مراحل تحديد سياسة ملكية الدولة المصرية للأصول المملوكة لها، وسوف تتبعها مراحل أخرة للتنفيذ الأمثل لهذه السياسة.

واستنادًا إلى رؤية الدولة لتشجيع القطاع الخاص، استهدفت الوثيقة على وجه الخصوص الأهداف التالية:

  • رفع مستويات النمو الاقتصادي إلى مستويات محققة لطموحات المصريين: وذلك عن طريق رفع معدل الاستثمار إلى ما يتراوح بين 25%- 30%، ما سيسهم في زيادة معدل النمو الاقتصادي إلى ما بين 7%-9% لتوفير فرص عمل كفيلة بأن تخفض معدلات البطالة.
  • تمكين القطاع الخاص المصري: بما يساعد على رفع نسبة مساهمته الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي، والاستثمارات المنفذة، والتشغيل، والصادرات والإيرادات الحكومية.
  • تركيز تدخل الدولة لضخ الاستثمارات وملكية الأصول في قطاعات رئيسية تعد عملًا أصيلًا للدولة. 
  • حوكمة وجود الدولة في الأنشطة الاقتصادية: حيث تستهدف الحكومة الاستمرار في القطاعات الاقتصادية وفقًا لمعايير محددة، على أن يتم التحول من إدارة مؤسسات الدولة إلى إدارة رأس مال الدولة، من خلال وجود الدولة بالقطاعات ذات الألوية، والخروج من دونها بالتدريج.
  • تحقيق وفورات مالية تمكن من دعم أوضاع الموازنة العامة: وذلك بتحقيق الانضباط المالي، وضمان الاستدامة المالية، وتعزيز قدرة الدولة على دعم شبكات الأمان الاجتماعي، لحماية الفئات الهشّة، وزيادة قدرة صمود الاقتصاد المصري أمام الأزمات.

ولتحقيق هذه الأهداف، تمت صياغة عدد من المعايير الرئيسة لتحديد خريطة وجود الدولة في النشاط الاقتصادي، وتمثلت في:

  • تصنيف السلعة أو الخدمة وما إذا كانت ذات علاقة بالأمن القومي.
  • أهمية دخول الدولة كمنظم وممول وداعم للصناعات المستقبلية التكنولوجية ذات الصلة بالثورة الصناعية الرابعة لتوطينها في مصر. 
  • مدى جاذبية القطاع/النشاط للاستثمارات الخاصة.
  • عدم مزاحمة الاستثمارات العامة للاستثمارات الخاصة.
  • تخارج الدولة من الصناعات/القطاعات المشبع سوقها، والتي لا تحتاج إلى دعم الدولة.
  • مستوى ربحية الأصول المملوكة للدولة.

ووفقًا لما سبق، فقد تم تحديد ثلاثة توجهات لملكية الدولة ووجودها في النشاط الاقتصادي على “مستوى القطاعات/ الأنشطة الاقتصادية” على النحو التالي:

  • تخارج خلال 3 سنوات: من خلال تحديد قطاعات/أنشطة سيتم تخارج الدولة منها خلال الفترة القادمة، كقطاع الزراعة (الحبوب ما عدا القمح، والاستزراع السمكي، والثروة الحيوانية)، وقطاع النقل (إنشاء الموانئ الجافة والبرية والنقل النهري)، وأنشطة المياه (محطات إنتاج مياه الشرب وتحلية المياه)، بالإضافة إلى عدد من الأنشطة في المعلومات والاتصالات، وأنشطة التشييد والبناء.
  • استمرار وجود الدولة مع التثبيت أو التخفيض: من خلال تحديد قطاعات/ أنشطة سيتم تثبيت أو تخفيض الاستثمارات الحكومية الموجهة إليها، مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في بعض منها، كبعض من أنشطة قطاع النقل (تشغيل وصيانة الحاويات، إدارة وتشغيل وصيانة مترو الأنفاق)، وأنشطة في التعليم خاصة مرحلة ما قبل الابتدائي، ونشاط الألبان في قطاع الزراعة، بالإضافة إلى شبكات تجميع مياه الصرف ومحطات الرفع، ومحطات معالجة مياه الصرف، وجمع وتدوير المخلفات)، وقطاع التعدين (تعدين الفحم، واستخراج البترول والغاز الطبيعي، وأنشطة الخدمات المتصلة بالتعدين)، وقطاع الكهرباء (محطات توليد الكهرباء، وشبكات النقل والتوزيع)، والأنشطة العقارية، والأنشطة المساعدة للوساطة المالية، وعدد من أنشطة المعلومات (كخدمات الإنترنت والهاتف المحمول والبريد).
  • استمرار وجود الدولة مع التثبيت أو الزيادة: من خلال تحديد قطاعات/أنشطة ستوجد بها الدولة بشكل مستمر، وفقًا لما تتسم به من أبعاد استراتيجية أو اجتماعية، مع السماح بمشاركة القطاع الخاص في بعض الأنشطة بها، في قطاع النقل مثلًا (إنشاء الأرصفة والبنية التحتية لكل من النقل البحري والسكك الحديدية ومترو الأنفاق والنقل الجوي)، وقطاع التعليم (بدءًا من مرحلة التعليم الابتدائي وحتى مرحلة التعليم الثانوي العام والصناعي والزراعي والتجاري)، وعدد من الأنشطة في المياه (محطات إنتاج ورفع مياه الشرب من مصادر مياه سطحية)، والأنشطة المتعلقة بقناة السويس، وقطاع الصحة، وتجارة الجملة، وعدد من الأنشطة في قطاع الوساطة والتأمين، وعدد من الأنشطة في المعلومات والاتصالات (خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية، أنشطة النشر، البث الإذاعي والتلفزيوني، وأنشطة خدمات المعلومات).

“الصناعات التحويلية” وفقًا للمنهجية والمعايير السابقة

وهي الصناعات التي ينطوي نشاطها على تحويل المنتجات الأولية إلى منتجات نهائية أو منتجات وسيطة، ويمكن تعريفها بأنها: الأنشطة التي تعالج المواد الخام المستخرجة من الطبيعة والمواد الزراعية والنباتية والحيوانية وتحويلها إلى شكل آخر قابل للاستفادة منه، وفيما يلي نستعرض أبرز ملامح وجود الدولة على مستوى تلك الصناعات وفقًا لتطبيق المنهجية والمعايير المشار إليها:

  • تخارج خلال 3 سنوات: وذلك من صناعات مثل الجلود ومنتجات الأخشاب، وأنشطة من الصناعات الهندسية (كصناعة الأجهزة الكهربائية، والإلكترونيات)، وأنشطة من الصناعات الغذائية والمشروبات (كالمجازر، وإنتاج منتجات الخضر والفاكهة، وصناعة الألبان والعصائر والزيوت)، وأنشطة من الصناعات المعدنية كالمشغولات الذهبية والمسابك، والصناعات الكيماوية (كصناعة الورق والمنظفات والأسمدة)، وأنشطة من الصناعات الدوائية (كصناعة العطور والنباتات الطبية).
  • استمرار وجود الدولة مع التثبيت أو التخفيض: ومن أبرز النشاطات نشاط الطاقة الجديدة في الصناعات الهندسية، وعدد من الأنشطة في الصناعات الغذائية والمشروبات (كصناعة اللحوم والطيور والأسماك، وصناعة الأعلاف والسكر والحلوى، وصناعة السجائر والدخان)، وعدد من الأنشطة في الصناعات المعدنية فيما يتعلق بتشكيل المعادن، وعدد من الأنشطة في الصناعات الكيماوية (مثل صناعة البطاريات والفحم النباتي)، فضلًا عن نشاط صناعة حلج ونسج القطن والصوف في القطاعات النسيجية. أما عن الصناعات الدوائية، فقد تحدد أن تكون في الأنشطة المتعلقة بصناعة المستلزمات الطبية والكيماويات الدوائية، وأخيرًا أنشطة تكرير البترول.
  • استمرار وجود الدولة مع التثبيت أو الزيادة: وذلك في عدد من الأنشطة في الصناعات الهندسية مثل (صناعة السفن والقوارب وأشباه الموصلات)، وعدد من الأنشطة في صناعات الطباعة (الطباعة الرقمية وطباعة الصحف والمحلات)، وأخيرًا نشاط صناعة الأدوية في الصناعات الدوائية.

الموجهات والمرتكزات الرئيسة لسياسة الملكية

في سياق تنفيذ سياسة الملكية للدولة المصرية، تم وضع عدد من الموجهات الأساسية التي ستتم مراعاتها؛ لضمان التنفيذ الناجح للوثيقة، على أن يشمل ذلك:

  • التخارج على مراحل وبشكل تدريجي، حتى لو كانت المراحل قصيرة الأمد.
  • مراعاة الأبعاد الاستراتيجية والأمنية للأنشطة الاقتصادية عند اتخاذ قرارات ملكية الدولة للأصول.
  • الالتزام بما ورد بالدستور المصري بإلزام الانفاق الحكومي على بعض القطاعات كالتعليم والصحة.
  • استهداف سياسة الملكية، لتحسين طريقة تخصيص الموارد الاقتصادية
  • تحديد منهجية التعامل بعد التخارج لتجنب التداعيات غير المواتية من حيث العمالة أو الإيرادات وهكذا.

الدور الرائد لصندوق مصر السيادي لتعزيز المشاركة مع القطاع الخاص

The Sovereign Fund of Egypt

يلعب صندوق مصر السيادي دورًا مهمًا على صعيد تنفيذ سياسة ملكية الدولة للأصول، بما يتماشى مع أهداف الصندوق في جذب الاستثمارات إلى الاقتصاد المصري، وذلك من خلال مشروعات تعظم العائد للأجيال المقبلة، وتحقق البعد التنموي وفقًا لأهداف التنمية المستدامة وخطة مصر ٢٠٣٠.

هذا ويهدف صندوق مصر السيادي للاستثمار والتنمية وفق قانون تأسيسه رقم ١٧٧ لسنة ٢٠١٨، والمعدل بقانون ١٩٧ لسنة٢٠٢٠، والنظام الأساسي الصادر بقرار رئيس الوزراء رقم ٥٥٥ لسنة ٢٠١٩ إلى المساهمة الإيجابية للصندوق في التنمية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الخاصة وخاصة الخارجية؛ لزيادة النمو الاقتصادي والتشغيل، وتحقيق الاستغلال الأمثل لأصول الدولة، وتعظيم العائد عليها.

ويعمل الصندوق على جذب قطاع كبير من المستثمرين المهتمين بالاستثمار في مصر والمستثمرين المتخصصين في قطاعات معينة، ويتواصل العديد من المستثمرين من داخل مصر وخارجها مع صندوق مصر السيادي؛ للتعرف على المشروعات التي يمكن للصندوق المشاركة بها استثماريا؛ وذلك لما يتمتع به الصندوق من مرونة ودعم مؤسسي، وكوادر متخصصة قادرة على التعامل مع المناخ الاستثماري، وخلق فرص استثمارية جديدة للمستثمرين بما يعود بالنفع على الدولة بقطاعاتها المختلفة.

وقد برزت أهمية قطاع البنية الأساسية بصفة خاصة كقطاع من القطاعات المهمة الجاذبة للاستثمار، حيث أصبح هناك اتجاه عالمي لاضطلاع الدولة بدور تنظيمي ورقابي يقوم القطاع الخاص من خلاله بالإنفاق على مختلف مشروعات البنية الأساسية مثل محطات المياه، والكهرباء، والطرق، والاتصالات، وغير ذلك وفقًا للمحددات الفنية التي تحددها الدولة، ثم تقوم الدولة بدفع مقابل الخدمات المقدمة من هذه المرافق على مدى زمني طويل لا يحملها أعباءً جسيمة، ويحافظ على جودة الخدمة المقدمة من هذه المرافق، والذي يلتزم القطاع الخاص بصيانتها وتسليمها إلى الدولة في نهاية عمل المشروعات المتفق عليها وهي بحالة جيدة، وهو ما يوفر على الدولة عبء الاستثمار مرة أخرى لإقامة بديل لهذه المرافق بعد مدة طويلة.

وعليه، فإن قدرة الصندوق على جذب المستثمرين وآليات عمله تؤدي إلى وجود مزايا لمشاركة صندوق مصر السيادي في عملية التوسع في إقامة مشروعات البنية الأساسية بصفة عامة وتعزيز الأصول المملوكة للدولة بصفة خاصة بدون مزاحمة القطاع الخاص، الأمر الذي من شأنه أن يوفر مصادر تمويلية كبيرة، ويعمل على خفض تكلفة تأسيس المشروعات في ظل التنافس بين المستثمرين، ويخلق فرصًا كبيرة لتوطين عدد من الصناعات، وتنفيذ العديد من مشروعات البنية الأساسية الداعمة للنمو الاقتصادي في الأجل المتوسط والطويل.

من جانب آخر، يعمل الصندوق، ومن خلال شراكاته مع القطاع الخاص، على دعم عدد من القطاعات الاجتماعية بالغة الأهمية، وعلى رأسها قطاعي التعليم والصحة وفق شراكات يقوم بمقتضاها صندوق مصر السيادي بإبرام عقود شراكات مع القطاع الخاص؛ للاستثمار في قطاعي التعليم والصحة في ظل جهود الصندوق لاستغلال الأصول المنقولة، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية عالية الجودة.

وفي إطار الاتفاقات الاستثمارية التي يبرمها الصندوق في هذا المجال، تم تنفيذ بعض مشروعات للشراكة بمعدلات عائد داخلي على الاستثمار جاذبة تتراوح بين ٣٠ ٪و٤٠٪، حيث تستهدف هذه المشروعات:

  •  تعزيز تنافسية الخدمات التعليمية والصحية؛ لضمان تحقيق التوازن بين جودة الخدمة وسعرها لشرائح الدخل المتوسط.
  •  الحفاظ على البعد الاستراتيجي للدولة في قطاعي التعليم والصحة.
  • تعظيم العائد على الأصول المملوكة للدولة.
  •  تشجيع الاستثمارات الخاصة، ورفع العبء التمويلي عن كاهل الدولة.

تكوين شراكات ما بين القطاعين العام والخاص لتعزيز فرص استفادة مصر من التحول الرقمي

التحول الرقمى كيف ولماذا؟ Digital transformation

تكمن أهمية عقد شراكات بين القطاعين العام والخاص في تمكين مصر من الاستفادة من المكاسب الاقتصادية الهائلة التي يتيحها تبني تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، ومن أبرزها على سبيل المثال “تقنيات الذكاء الاصطناعي”؛ إذ تشير التقديرات الدولية إلى وجود فرص لزيادة مكاسب الاقتصاد المصري جراء تبني هذه التقنية تقدر بنحو 43 مليار دولار في عام 2030، أي ما يعادل 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي هذا الإطار، سوف يركز برنامج زيادة كفاءة الأصول المملوكة للدولة على عقد شراكات مع القطاع الخاص المصري، وذلك من خلال تنفيذ مشروعات مشتركة للاستثمار في عدد من القطاعات التي تستهدف زيادة إنتاجية ودعم تنافسية الاقتصاد المصري، والإدارة الذكية للموارد الاقتصادية، وبناء قدرات العمالة المصرية، والتطوير التقني ورقمنة منظومة التصنيع القائمة، وتشجيع استحداث مشروعات جديدة مشتركة ما بين القطاعين العام والخاص في مجالات:

وتتمثل آلية التنفيذ في عقد شراكات مع القطاع الخاص؛ لتأسيس مشروعات رائدة في عدد من مجالات الثورة الصناعية الرابعة المختلفة؛ بهدف زيادة فرص استفادة القطاعات الاقتصادية، ومن أبرزها قطاع الصناعة المصري من دمج حلول وتطبيقات الثورة الصناعية في المصانع المصرية؛ بهدف تعزيز القدرة التنافسية الصناعية للدولة، وخفض التكاليف، وزيادة الإنتاجية، ورفع الكفاءة، وتحسين الجودة والسلامة، وخلق فرص عمل جديدة. 

وفي إطار سعي مصر إلى تبوء مكانة عالمية رائدة في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة بحلول عام ٢٠٣٠، ستعمل الدولة المصرية على تهيئة البيئة المواتية للتحول نحو تقنيات الثورة الصناعية، وذلك من خلال:

  • تعزيز دور التحالف القومي للثورة الصناعية الرابعة الممول من قبل أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والاسترشاد بعدد من المشروعات القائمة حاليًا، مما يشكل مرجعية للقطاعات التي تستهدف تطبيق تقنيات الثورة الصناعية الرابعة.
  • تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية لدعم التحول نحو الثورة الصناعية الرابعة وذلك من خلال تكاتف جهود الجهات المعنية؛ لضمان توفر وإنفاذ التشريعات والأطر التنظيمية الخاصة بضمن السلامة السيبرانية، والأمن الرقمي، وحماية البيانات الشخصية، وحقوق الملكية الفكرية، والنماذج الصناعية، وحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتسجيل براءات الاختراع والعلامات التجارية.
  • الإسهام في توفير التمويل اللازم لتبني عدد من هذه المشروعات بالبناء على الدور الريادي لصندوق مصر السيادي في الاستثمار في عدد من هذه المشروعات ذات الصبغة الاستراتيجية والعوائد الاقتصادية الجاذبة.
  • المتابعة الصارمة للتنفيذ، وتطوير عدد من مؤشرات الأداء من خلال المجلس الأعلى للثورة الصناعية، والذي سيضم ممثلين عن الوزارات المعنية، وعدد من الجهات الرسمية ذات العلاقة، وممثلين عن اتحادات الصناعات والغرف التجارية.

المبادئ الحاكمة لتواجد الدولة في النشاط الاقتصادي

وهي المبادئ الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تمثل مرجعية دولية للحكومات، وتساعد على ضمان عمل الشركة المملوكة للدولة بطريقة فعالة وشفافة وقابلة للمساءلة. وتتطرق مجموعة المبادئ التوجيهية إلى سبعة جوانب، وهي: مبررات ملكية الدولة للأصول، ودور الدولة كمالك، والشركات المملوكة للدولة في السوق، والمعاملة المتكافئة للمساهمين والمستثمرين الآخرين، والعلاقات مع أصحاب المصلحة، وممارسة الأعمال بمسؤولية، والإفصاح والشفافية وتهدف تلك المبادئ إلى:

  • جعل الدولة مالكًا محترفًا.
  • جعل الشركات المملوكة للدولة تعمل بدرجة كفاءة وشفافية مماثلة لشركات القطاع الخاص التي تتبع ممارسات الحوكمة الرشيدة.
  • ضمان أن المنافسة بين الشركات المملوكة للدولة وشركات القطاع الخاص تجرى في مناخ مهيأ للمنافسة.

الحياد التنافسي والبيئة التشريعية المواتية للنشاط الاقتصادي

يتطلب تعزيز نمو الإنتاجية في مصر على نحو مستدام العمل على تعزيز الحياد التنافسي بالأسواق، من خلال تبني إصلاحات تنظيمية على مستوى الدولة والقطاعات ذات الأولوية، فمن شأن المنافسة العادلة أن تسهم في معالجة سوء توزيع الموارد داخل الاقتصاد المصري، سواء بين الأنشطة مختلفة الإنتاجية، أو بين مؤسسات الأعمال في النشاط نفسه، ومن هنا تستهدف الدولة تحقيق ما يلي:

  • تعزيز الإطار القانوني الداعم للتنافس الحيادي بين الشركات، مع المحافظة على الحياد التنافسي في إنفاذ القوانين الخاصة بالمنافسة والإفلاس.
  • الحفاظ على الحياد التنافسي في البيئة التنظيمية، وإنفاذ اللوائح بنفس القدر من الصرامة والشفافية، والتأكد من أن الشركات، بغض النظر عن ملكيتها أو موقعها أو شكلها القانوني، ليست مسؤولة عن تنظيم الأسواق التي تتنافس فيها.
  • تعزيز الشفافية والإفصاح بشأن أداء الشركات المملوكة للدولة وأنشطة الأعمال التجارية العامة.
  • تعزيز بيئة أكثر تنافسية تدعم الأداء الاقتصادي، فضلًا عن رفع كفاءة الشركات والمؤسسات الحكومية.
  • إجراء مراجعة دورية للقطاعات التي توجد فيها الدولة في الاقتصاد.
  • المراجعة الدورية لحصص الحكومة في الشركات المملوكة للدولة، وإعداد تقارير بصفة دورية بشأن أداء هذه الشركات.
  • تعزيز دور جهاز المنافسة ومنع الاحتكار.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى