مصر

رسائل طمأنينة.. إعداد قانون أحوال شخصية متوازن يُحقق العدالة للجميع خلال أيام

منذ أيام، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي العديد من الرسائل المهمة حول قانون الأحوال الشخصية الجديد، مصرحًا بـ “إننا سوف نُحاسب أمام الله عن هذا الملف قضاة ودولة ورئيسًا وحكومة وبرلمانًا وأزهرًا”، منوهًا بأنه يجري إعداد قانون أحوال شخصية متوازن يُحقق العدالة للجميع خلال أيام؛ نظرًا لأهمية القضية وخطورتها في تأثيرها على المجتمع ومستقبله.

جدير بالذكر أنها لم تكن المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس الجمهورية عن خطورة هذا الملف، بل سبق وصرح بعبارته الشهيرة بمنتدى أسوان للسلام والتنمية “لن أوقع على قانون لا ينصفكن” في دليل على حرص الإرادة السياسية دومًا على دعم المرأة المصرية وحمايتها والدفاع عن حقوقها، وفيما يلي نستعرض أهم المحطات التي مر بها قانون الأحوال الشخصية وما هي أهم العراقيل التي تقف حائلًا دون إصداره.

ما المهم حول قانون الأحوال الشخصية؟

قانون الأحوال الشخصية هو القانون الذي ينظم العلاقات بين أفراد الأسرة، وهو أيضًا المنوط به تحقيق التوازن العادل بين الرجل والمرأة داخل الأسرة، ومن خلاله تتحدد الحقوق والواجبات المرتبطة بالأسرة، وتشمل الخطبة والزواج وحقوق الطفل في الميلاد والنسب والسكن والحضانة والنفقة والرؤية والتعليم والعلاج. وينظم القانون الحياة بعد الطلاق والموت، وتنظيم حق الإرث والتركات، وحالات القوامة والولاية على النفس والمال وحماية حقوق القُصر.

وهناك الكثير من القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية في مصر، ولكن أهمها هو القانون رقم 25 لسنة 1920، والمرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929، والذي تم تعديله بالقوانين “100 لسنة 1985، 4 لسنة 2005، والقانون رقم 1 لسنة 2000، الذي نظم حالات التطليق بالخلع، والقانون رقم 10 لسنة 2004 الذي أنشئت بموجبه محاكم الأسرة، والقانون رقم 11 لسنة 2004، الذي اختص بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة.

ومع قدم التشريعات، وإدخال العديد من التعديلات عليها، واتضاح العيوب والقصور في بعض المواد عند تطبيقها، بالإضافة إلى التطور الاجتماعي الكبير الذي لحق بالمجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة؛ دعت الحاجة إلى تطوير النصوص التي تحكم الأحوال الشخصية والولاية على المال بما يواكب العصر، لذلك قُدم العديد من مشاريع القوانين الخاصة بالأحوال الشخصية في أدوار انعقاد مجلس النواب خلال السنوات الأخيرة دون أن يخرج أي منها للنور.

مسودة قانون الأحوال الشخصية 2021

في فبراير 2021، أحال مجلس الوزراء إلى البرلمان مقترحًا لقانون الأحوال الشخصية، وقد تسببت مسودة القانون في حدوث جدل واسع في الشارع المصري، وانتقدته منظمات نسوية عدة، والتي عللت انتقادها بكونه لم يحسم أي مشكلة إجرائية عانت منها المرأة لسنوات طويلة، بالإضافة إلى احتوائه على أكثر من 37 مادة تشوبها شبهات غير دستورية لا تتوافق مع مبادئ حقوق الانسان.

فقد حددت المسودة في فصلها الثاني شروط وإجراءات “عقد الزواج“، واستحدثت موادًا جديدة منها حرف “ب” في المادة “6”، والتي نصت على أن ” للولي الحق في مطالبة قضاء بفسخ عقد الزواج قبل الدخول خلال مدة لا تزيد على سنة من تاريخ العلم به أو تاريخ العقد أيهما اقرب، إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء، أو من دون مهر المثل شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب”. ويرى الحقوقيون في تلك المادة سلبًا واضحًا لحق المرأة في اختيار شريكها، وجعل الآخرين يتحكمون بشؤون حياتها دون الالتفات إليها أو حتى أخذ رأيها، وهو ما يعد انتقاصًا من أهلية المرأة كشريك في الزواج.

وفي الفصل الخامس الخاص بآثار الزواج وأحكامه، أشارت المادة “29” إلى أن منقولات الزوجية هي” كل ما اتفق الزوجان عليه كتابة وقت العقد، وهي ملك خالص للزوجة مالم يتفق الطرفان على خلاف ذلك كتابة، ويجوز إرفاق صورة من قائمة المنقولات بملحق عقد الزواج، وتختص محكمة الأسرة دون غيرها بكافة المنازعات المتعلقة به”. ويلغي هذا البند اختصاص المحاكم الجنائية فيما يتعلق بقضايا تبديد المنقولات، ويحيل الاختصاص في هذه القضايا إلى محكمة الأسرة، مما يضعف موقف الزوجة في المطالبة بحقها في المنقولات.

ونصت المادة (37) على أنه لا يعد سببًا لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية في الأحوال التي يباح فيها ذلك شرعًا، وهو ما يمثل غموضًا لاختلاف الفقهاء والمذاهب الدينية الأربعة في حالات خروج المرأة من المنزل، مما يتسبب في تأويل المادة وفقًا للأهواء الشخصية، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة المواد القانونية من وجوب وضوحها وإنفاذها.

وقد لاقت المادة (38) رفضًا واسعًا من المنظمات النسائية، ونصت المادة على “إذا أُعسر الزوج وطلبت زوجته التطليق لتضررها من ذلك وطلقها القاضي فلا تستحق النفقة”؛ إذ ارتكزت المنظمات إلى أن هذه المادة تفتح الباب لزيادة نسب الطلاق بطريقة مباشرة عن طريق تكاسل الزوج الذي يريد التطليق عن العمل وإثباته لتعثره المادي، ومن ثم تطلق المرأة دون الحصول على نفقتها.

وفي ذات الفصل في المادة (43) الجزء(ب)، تنص المادة على ألا تُقبل دعوى إثبات الزوجية إذا كانت سن أي من الزوج أو الزوجة تقل عن ثماني عشرة سنة ميلادية وقت رفع الدعوى. وهو ما يراه البعض بمثابة إغلاق الباب أمام المئات من الزوجات القاصرات اللائي يبحثن كل عام عن طرق لإثبات زواجهم وإثبات نسب أطفالهم في حالة وفاة الزوج قبل إتمام العقد الشرعي أو في حالة الطلاق، فبلغت أعداد دعاوى إثبات النسب 635 دعوى في عام 2018 لزوجات قاصرات تحاولن إثبات زواجهم ونسب أطفالهم. لذا يقترح من القانون توفيق أوضاع تلك الشريحة من النساء.

وفي الباب الثاني الخاص بالطلاق، نصت المادة (52) في جزئها الثاني على ألا يرتب الطلاق الشفهي أثره قانونًا حال إقرار الطرفين به أمام جهة رسمية. فلم تعالج تلك المادة المشكلة القائمة بوضع المرأة في حالة طلاقها شفهيًا، وعدم اعتراف الزوج به، والذي نادى رئيس الجمهورية مرارًا بالفصل في تلك المشكلة، وطالب الأزهر الشريف بحلول في العديد من المناسبات. فإقرار تلك المادة يزيد وضع النساء المطلقات شفهيًا سوءًا في عدم إمكانية الحصول على مستحقاتهن لعدم إثباتهن حالة الطلاق.  

أما في القسم الثاني الخاص بالولاية على المال، أشارت المادة “103” إلى أن الولاية على مال القاصر تثبت للأب ثم للجد إذا لم يكن الأب قد اختار وصيًا وعلى كل من تثبت له القيام بها، ولا يجوز له أن يتنحيا عنها إلا بإذن المحكمة. وهو ما رآه المدافعون عن حقوق المرأة انتقاصًا من أهليتها وقدرتها، حتى وإن كانت حاضنة، على التصرف في شؤون طفلها، مما يجبرها مرة أخرى على خوض الكثير من النزاعات سواء مع الأب أو الجد لاتخاذ القرارات الخاصة بطفلها، مما يضر بمصلحة الطفل.

واعترض الحقوقيون على المادة (92) كونها تمنع المرأة من الولاية التعليمية على طفلها، وتعطي الأب حق التحكم في كل أمور الطفل التعليمية، مما ينتقص من دور المرأة كحاضنة ومتولية شؤون الطفل. وبالتالي وبالنظر إلى المواد السابقة، وُجد في مشروع القانون تذليل لبعض العقبات التي طالما واجهت النساء في الحصول على حقوقها، لكنه ينطوي أيضًا على نقاط خلافية تضعف من موقف المرأة وتهدد حقوقها. 

استجابات متعددة لتوجيهات الرئيس

في سياق توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بإخراج قانون أحوال شخصية محايد ومتوازن يحقق العدالة للجميع، أصدر المجلس القومي للمرأة ورقة بعنوان “المحددات والمتطلبات التشريعية لتعديلات قوانين الأحوال الشخصية (قوانين الأسرة)“، وقد طرح المجلس الموضوعات العامة التي يتمسك بها في القوانين المقترحة للأسرة ويأتي أهمها في: 

  • ضرورة النص على الالتزام بتوافر سن الأهلية للزواج في الخطبة وما يترتب عليها من آثار درءًا للتحايل على السن القانونية دون ضابط.
  • النص صراحة كما هو مقدم في مشروع قانون منع زواج الأطفال على أن السن القانونية للزواج هي 18 عامًا للرجل والمرأة.
  • أهمية وضع تعريف محدد للزواج، بجانب إضافة بعض البيانات إلى نموذج وثيقة الزواج التي من شأنها سرعة الفصل في المنازعات مثل “تحديد مسكن الزوجة- دخل الزوج وقائمة اختيار للشروط الخاصة”. 
  • النص على الحق في الكد والسعاية والتأكيد على الذمة المالية المستقلة للزوجين.
  • تنظيم تعدد الزوجات، وذلك بتحقق القاضي من شرط علم الزوجة برغبة الزوج في الزواج من أخرى وموافقتها وضمان استيفاء العدل بينهن، ومنح القاضي سلطة التصريح بالزواج الثاني في حال تحقق كل الشروط.
  • النص صراحة على حق المرأة الراشدة في عقد زواجها بنفسها.
  • تنظيم النسب وكافة أحكامه في نصوص قانونية مع وضع عقوبات للممتنع عن قيد الصغير أو إثبات النسب له.
  • إنشاء آلية تنظيمية لمتابعة ومراقبة تنفيذ الأحكام والقرارات، خاصة فيما يتعلق بالأطفال في الأسر المتنازعة.
  • التأكيد على حق المرأة في العمل وعدم عدّه سببًا من أسباب سقوط النفقة.
  • إجازة الكشف عن الحسابات البنكية للزوج، مع مراعاة سرية البيانات، وأن تتضمن عناصر الدخل كل أنواع وفئات مصادر الدخل على تنوعها في المواد الخاصة بالنفقة.
  • الحفاظ على مادة الخلع بنصها الحالي في القانون وعدم تعديل حكم الخلع بوصفه طلاقًا بائنًا وليس فسخًا لعقد الزواج.
  • مراعاة المصلحة الفضلى للطفل فيما يتعلق بالحضانة من حيث عدم سقوطها عن الأرمل أو الأرملة وكذا في حالة زواج الحاضنة ما لم يقرر القاضي خلاف ذلك.
  • ضرورة النص على تنظيم تنفيذ الرؤية وسقوطها، خاصة في حالة امتناع غير الحاضن عن تنفيذها ووضع العقوبات والتدابير المناسبة لذلك، مراعية ما يقوم به غير الحاضن من أداء النفقة والواجبات الأخرى المتعلقة بالطفل.
  • فيما يتعلق بأي مقترح للاستضافة، فلابد من وضع تعديلات تشريعية مقابلة لذلك في الجزء الإجرائي الذي يتعلق بعدم تنفيذ أحكام تسليم الأطفال ومراعاة العقوبات الصارمة التي تخص الاستضافة في حال المخالفة.

خلاصة الأمر، هناك ضرورة ملحة للخروج بقانون عادل بعد حوار مجتمعي جاد في ضوء ما تحدث به السيد الرئيس، ويحمل في طياته احترام كامل للمرأة المصرية ويساعد في تعديل أوضاع طالما عانت منها لسنوات، خاصة بعد ما تبذله كل يوم في سبيل الحفاظ على أسرتها ووطنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى