دول المشرق العربي

لبنان.. ماذا بعد خسارة حزب الله ورفاقه للأغلبية البرلمانية؟

خسر تحالف 8 آذار بقيادة الثنائي الشيعي “حزب الله وحركة أمل” الأغلبية البرلمانية على وقع نتائج الانتخابات النيابية اللبنانية التي عقدت الأحد 15 مايو 2022، وهو التحالف المكون من القوى اللبنانية المؤيدة للهيمنة السورية الإيرانية على لبنان.

ومن أصل 128 مقعدًا يتألف منها مجلس النواب اللبناني، ظفر المستقلون ونشطاء المجتمع المدني بـ 13 مقعدًا، وهو رقم ضخم بمعايير الحياة البرلمانية اللبنانية، من ضمنهم 12 اسمًا جديدًا لم سبق له العمل البرلماني أو الحزبي.

وشهدت الانتخابات هزائم تاريخية للغطاء السني والدرزي والأرثوذكسي لحزب الله، طلال أرسلان رئيس الحزب الديموقراطي والزعيم الدرزي المنافس للزعامة الجنبلاطية الدرزية، خسر مقعده البرلماني بعد ثلاثة عقود من العمل البرلماني والوزاري، وذلك أمام مارك ضو الوافد الجديد للعمل البرلماني.

طلال أرسلان مدعوم من إيران وسوريا وحزب الله وحركة أمل، هو الفصيل الدرزي اللبناني في المحور الإيراني السوري، هو ابن الأمير مجيد أرسلان وزير الدفاع الأسبق واحد قادة الاستقلال اللبناني عن الاحتلال الفرنسي.

القيادي الثاني في الغطاء الدرزي لحزب الله، يتوالى إعلان سقوط حلفاء حزب الله، وئام وهاب رئيس حزب التوحيد، خسر مقعده الانتخابي، وكذلك إيلي الفرزلي نائب رئيس الحزب الديموقراطي خسر مقعده الأرثوذكسي.

وواصل حلفاء حزب الله الأرثوذكس خسارتهم في الانتخابات، إلياس جرادة عضو قائمة “معًا نحو التغيير” نجح في إسقاط أسعد حردان أحد أبرز زعماء الحزب السوري القومي الاجتماعي، ويعد حردان من أهم عناصر المكون اللبناني الأرثوذكسي الموالي لسوريا وإيران وحزب الله وحركة أمل.

وعلى صعيد الظهير السني فجر الناخب اللبناني مفاجأة بإسقاط فيصل كرامي رئيس حزب الكرامة في معقل آل كرامي التاريخي في طرابلس، وفيصل كرامي كان المرشح السني الأبرز لتشكيل الوزارة اللبنانية إذا ما حقق 8 آذار انتصارًا ساحقًا، كما أن أسرته قدمت من قبل ثلاثة رؤساء للوزارات اللبنانية، والده عمر كرامي وعمه رشيد كرامي وجده عبد الحميد كرامي.

وعلى صعيد المكون الماروني في قوائم 8 آذار، خسر التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل صهر الرئيس ميشيل عون الأغلبية المسيحية في البرلمان لصالح حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع، كما حافظ تيار المردة – حليف سوريا وحزب الله – على وجوده الرمزي في البرلمان برئاسة طوني فرنجية، على نفس نمط التمثيل الرمزي لحزب الكتائب المناهض للمحور السوري الإيراني.

وعلى صعيد القوى الرافضة للهيمنة السورية الإيرانية، أصبح حزب القوات اللبنانية أكبر حزب مسيحي في البرلمان بــ 20 مقعدًا، ليسحب عباءة الزعامة المارونية والمسيحية عن ميشيل عون وجبران باسيل لصالح سمير جعجع، كما نجح كميل دوري شمعون رئيس حزب الأحرار الوطنيين في الظفر بمقعد برلماني للمرة الأولى، وهو حفيد الرئيس اللبناني كميل شمعون، ويعتبر رابع رئيس للحزب بعد جده، ثم عمه داني (1985-1990) ووالده دوري (1990-2021). وفي نفس السياق يظفر تيمور جنبلاط بمقعد برلماني، وهو ابن وليد جنبلاط زعيم دروز لبنان، وورث تيمور المقعد ورئاسة الحزب الاشتراكي عن الوالد، الذي ورثه بدوره عن كمال جنبلاط.

وكان لافتًا أن المسلمين السنة قد رفضوا المقاطعة التي حاول أنصار تيار المستقبل فرضها بعد أن علق رئيس التيار سعد الحريري مشاركته في الانتخابات، وصوت السنة بكثافة للمرشحين السنة المحسوبين على القوات اللبنانية في اصطفاف جديد عابر للطائفية.

ورغم عدم حصوله على دعم القوات اللبنانية، حافظ النائب نديم الجميل ابن الرئيس بشير الجميل على مقعده البرلماني في دائرة بيروت الأولى، كما ظفر ابن عمه سامي الجميل رئيس حزب الكتائب بمقعد برلماني. أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط فقد استطاع تفكيك حملة تطويق زعامته الدرزية وكتلته البرلمانية والخروج بانتصارات مهمة خاصة لحليفه العتيد مروان حمادة، ليثبت السياسي العجوز أنه لاعب مخضرم في النظام الانتخابي اللبناني شديد التعقيد.

تعرض حزب الله لخسارة الغطاء الدرزي والأرثوذكسي بشكل تام، وتقلص شديد في الغطاء الماروني والسني، والأهم أن حلفاء حزب الله الموارنة قد خسروا زعامة الشارع الماروني، ميشيل عون وجبران باسيل ومن قبله سليمان فرنجية الحفيد. وانتقلت زعامة 14 آذار عمليًا إلى سمير جعجع منذ استقالة سعد الحريري الأولى في يناير 2011، وغيابه عن بيروت في أعتى سنوات الربيع العربي، واليوم يصبح جعجع الزعيم الفعلي لـ 14 آذار بتكتل “الجمهورية القوية” داخل البرلمان.

تحالفات ما بعد الانتخابات

إذا كانت قوى 8 آذار قد خسرت الأغلبية، فإن هذا لا يعني أن 14 آذار قد حصدت الأكثرية، فهذه الأكثرية رهينة اتفاق حزب القوات اللبنانية مع حزب الكتائب، ثم كتلة وليد جنبلاط، وكتلة المجتمع المدني والحراك المدني والمستقلين، وهو أمر بحاجة إلى مفاوضات ماراثونية.

وهكذا فإن لبنان ذاهب إلى مزيد من الفراغ السياسي، ما بين تسمية رئيس الوزراء، ثم تسمية أعضاء مجلس الوزراء، ولاحقًا تنتهي ولاية رئيس الجمهورية العماد ميشيل عون في أكتوبر المقبل، ليبدأ مارثون تسمية رئيس الجمهورية حيث يحق للبرلمان انتخاب الرئيس.

وفي ظل انتقال زعامة مناوئة المحور السوري الإيراني إلى الدكتور سمير جعجع، فإن الأخير سوف يسعى لعدم تكرار أخطاء سعد الحريري حينما قاد معارضو المحور السوري الإيراني عقب انتصار 14 آذار في انتخابات 2009، وهي الأخطاء التي أوصلت الحريري الابن إلى التماهي مع دمشق وطهران وصولًا إلى التحالف معهم تحت عنوان “العهد”، بينما يسعى جعجع إلى سياسة متشددة وتشكيل حكومة لها قرارات واضحة بالقضاء على فوضى السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وعلى ضوء الاختراقات الانتخابية التي صنعها الناخب اللبناني وإسقاطه للثنائيات الحزبية التقليدية في أكثر من دائرة، فإن البرلمان الجديد سوف يسعى إلى اختيار وجوه جديدة لمنصب رئيس الوزراء وتشكيلة حكومته، على أن يستمر رئيس حركة أمل نبيه بري في رئاسة مجلس النواب، وهو ما يعني أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته نجيب ميقاتي سوف يستمر في منصبه لفترة طويلة إلى حين تشكيل الوزارة الجديدة.

وحتى الآن لا توجد أسماء مرشحة لمنصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، على ضوء مفاجآت الناخب اللبناني في هذه الانتخابات، فإن خسارة حزب الله وحلفائه للأكثرية حتى الآن لا تعني نجاة لبنان من الفراغ السياسي سواء الوزاري أو الرئاسي، أو خروجه من الأزمة الاقتصادية، أو تشكيله حكومة مستقرة قادرة على مفاوضة المجتمع الدولي لإنقاذ لبنان من السقوط في بئر الإفلاس والظلام.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى