القضية الفلسطينيةدول المشرق العربيالأمريكتان

قمة أردنية – أمريكية: الطريق للسلام يمر بالقدس

قمة توصف بالاستراتيجية جمعت الرئيس الأمريكي جو بايدن والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يوم الجمعة الماضي. بدأت القمة بلقاءات “خاصة” مع دوائر عسكرية في واشنطن تضمنت نخبة من أهم الجنرالات في وزارة الدفاع الأمريكية، مما ترك انطباعًا بأن العلاقات العسكرية في أفضل أوضاعها بالرغم من التوترات التي شابت العلاقات على المستوى السياسي والتي تتعلق بالأوضاع في القدس -إذًا في الأمر تأكيد على أن الأوضاع السياسية لا تنعكس على الالتزامات الأمنية بين الطرفين، وهي تحمل تجديدَا بالتزام الولايات المتحدة باستراتيجية العلاقات مع الأردن. وتعد هذه الزيارة الثانية التي يقوم بها العاهل الأردني للولايات المتحدة بعد تولي جو بايدن السلطة.

ويفهم من طبيعة اللقاءات التي جرت خلال الزيارة أن هناك ملامح أساسية لاستراتيجية التعاون العسكري بين عمّان وواشنطن، وهي الركيزة التي تعد أساسية في العلاقات بين البلدين؛ إذ يرتبط الأردن والولايات المتحدة باتفاقية تعاون عسكري وقعت في يناير من العام الماضي ومدتها 15 عامًا، تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي الدفاعي والأمني لمواجهة التحديات المشتركة في المنطقة والإسهام في تحقيق السلام والاستقرار الدوليين.

وتضمنت القمة أيضًا تناول العديد من الملفات الفرعية بحكم الدور الذي يضطلع به الأردن في التهدئة داخل القدس، وكذلك بحكم التعاون في مجالات شتى بين واشنطن وعمّان منها المجالات الاقتصادية ومكافحة الإرهاب. وفي هذا الإطار فإن الأردن يتلقى مساعدات مالية أمريكية سنويًا، وقد وافق الكونجرس الأمريكي على تخصيص 1.650 مليار دولار كمنحة للأردن ضمن موازنة الولايات المتحدة للعام الحالي 2022، منها نحو 1.2 مليار دولار وجهت كمساعدات اقتصادية، والمبلغ المتبقي كمساعدات عسكرية. 

وبالإضافة إلى ما تقدم، يمكن تحريك المؤشر وتسليطه على حساسية التوقيت الذي تجري فيه الزيارة والذي يأتي في ظل أوضاع سياسية غير مستقرة في الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن أنها تأتي لاحقة للقاء العاهل الأردني بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، والتي تم فيه النقاش حول خطورة تغيير الأوضاع المستقر عليها في الأراضي المقدسة، وكذلك التحذير من المساس بالمقدسات المسيحية بعد الاعتداءات التي سجلت في كنيسة القيامة.

من جانب آخر، فإن الزيارة تأتي كتمهيد لإعادة إحياء مباحثات السلام المتجمدة منذ ما تم الإعلان عن خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب؛ ويرجع ذلك إلى أن الإدارة الديمقراطية الحالية لديها مقاربة مختلفة للتسوية في فلسطين تعتمد على إقرار حل الدولتين، إضافة إلى الوصول إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية بما فيها قضايا الوضع النهائي التي تتضمن عودة اللاجئين والأوضاع في القدس، مع الأخذ بالحسبان أنه على الرغم من كون الإدارة الديمقراطية تؤيد حل الدولتين إلا أنها لا تتخذ موقفًا يغاير موقف ترامب من وضع القدس الشرقية.

وتعد الأوضاع في القدس الشرقية المثار الأكبر للخلاف بين الأردن وإسرائيل؛ ففي الوقت الذي ترى فيه عمّان أنه لا حياد عن الوصاية الهاشمية، ترى تل أبيب أن الحكومة الإسرائيلية هي الجهة المنوط بها اتخاذ جميع القرارات حيال الحرم القدسي دون الخضوع للضغوطات التي يمارسها الأردن. بجانب أن هناك أهمية أخرى لتوقيت الزيارة بالنظر إلى أوضاع داخلية في الأردن والتي تتضمن أن عمّان ماضية في إصلاحات إدارية وسياسية تتضمن قانونين جديدين للانتخابات والأحزاب. ومن منظور أكثر شمولًا فإن توقيت الزيارة يتضمن بدء التعافي العالمي من وباء كورونا والدخول في أزمة جديدة متمثلة في الحرب الأوكرانية وما نتج عنها من تهديد لسلاسل الغذاء والإنتاج العالمية، إضافة إلى أوضاع متفاقمة في العراق ولبنان.

حقوق هاشمية

بدأت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس منذ عام 1924، وبالتالي فإن التنكر الإسرائيلي لهذه الحقوق يعد تصرفًا عدائيًا ناحية الأردن. ومنذ ذلك الحين حالت الوصاية الهاشمية دون أن ينفذ الاحتلال الإسرائيلي الكثير من المخططات التي تستهدف الوضع القائم. وتنصب محاولات الأردن في هذا الإطار على التصدي للمحاولات الإسرائيلية التي تسعى إلى تغيير الواقع على الأرض، والتي تتضمن مخططات التقسيم للحرم في محاولة للسيطرة عليه بشكل نهائي.

وفي ظل التوترات المستمرة بخصوص مسألة الوصاية ومحاولة إسرائيل انتزاع هذا الحق من الأردن فإن هناك اقتراحات جادة حول نقل ملف الوصاية للمملكة العربية السعودية ولكن يتم تداولها بين مستويات دنيا من صناع القرار في إسرائيل، مع الأخذ بالحسبان أن اقتراحًا مثل هذا سيكون مرفوضًا تمامًا في السعودية لأن الهدف من ورائه معروف.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\الداخلية\587c49fd-d9e4-4639-98db-969c4c9d79f2.jpg

إجمالًا، شكلت الفترة التي طرحت فيها خطة السلام الأمريكية السابقة اختبارًا حقيقيًا للعلاقات الأردنية – الأمريكية، وحدث نوع من التراجع في النظرة الأمريكية للمملكة الأردنية الهاشمية في عهد ترامب بوصفها شريكًا استراتيجيًا؛ وذلك بعد أن رفضت عمّان جملة وتفصيلًا الخطة كفكرة فضلًا عن بنودها. ولكن نظرًا إلى كون الشراكة بين الولايات المتحدة والأردن شراكة استراتيجية، فإنه ليس من مصلحة عمّان المضي في التغريد بعيدًا عن الحليف الأمريكي، خصوصًا في ظل أوضاع اقتصادية عالمية بالغة التأزم. وعلى الجانب الآخر، شكل وصول إدارة ديمقراطية إلى البيت الأبيض نقطة تحول أعادت دفة العلاقات بين عمّان وواشنطن إلى سابق عهدها بشكل كبير؛ وذلك نظرًا لتقارب المفاهيم بشأن حل القضية الفلسطينية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى