الاقتصاد المصري

خمسة محاور تصوغ الخطة الاقتصادية لمصر

استجابة لتوجيه الرئيس السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في 26 أبريل الماضي للحكومة بسرعة الإعلان عن خطة التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية، وتكليفها بعقد مؤتمر صحفي عالمي للإعلان عن تلك الخطة، فقد أعلن رئيس الوزراء في مؤتمر صحفي أمس محاور خطة الحكومة المصرية في التعامل مع الأزمات الحادة التي تحدث في الاقتصاد العالمي، وأثر تلك الأزمات على الاقتصاد المصري، ثم صياغة خطة وطنية للتعامل مع تلك الأزمات، والتي تم صياغتها لتشمل تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، وتوطين الصناعات الوطنية، والإعلان عن خطة لخفض الدين العام، وتنشيط البورصة المصرية، وبالطبع توفير الحماية الاجتماعية للمواطنين من خلال توفير احتياجاتهم الأساسية.

تحديات عالمية

يمر الاقتصاد العالمي بأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير الذي حدث منذ 100 عام تقريبًا، ونتيجة لتلك الأزمة الكبيرة توقعت العديد من المؤسسات الدولية خسارة الناتج المحلي الإجمالي العالمي مبلغ 12.5 ترليون دولار حتى عام 2024 (من الجدير بالذكر أن إجمالي الناتج المحلي العالمي بلغ 84.71 ترليون دولار في عام 2020). ولوصف حقيقة حجم تلك الخسائر فهي خمسة أضعاف اقتصاد قارة أفريقيا مجتمعة، أو توازي اقتصادات دول أوروبية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا والمملكة المتحدة. 

وقد توقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض معدل نمو الاقتصاد العالمي من 4.4 % إلى 3.6 % (توقعات شهر يناير مقابل توقعات شهر أبريل)، وتوقع الصندوق أن ينمو الاقتصاد العالمي في العام 2023 بنسبة 3.6 % (التوقعات الخاصة بشهر أبريل) مقابل 3.8 % (نسبة النمو التي توقعها الصندوق في يناير قبل نشوب الحرب الروسية الأوكرانية)، وتسببت تلك الأزمة في تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا ليصل إلى رقم سالب 72 مليار دولار في عام 2021 (إغلاق للمصانع القائمة وعدم استثمار أخرى بديلة) مقابل مبلغ 337 مليار التي تم استثمارها في عام 2020. 

https://lh4.googleusercontent.com/DkevJ8liAh_XF0XjjBlrVYiRKP0G7czVJ1bGp_sFAwBkDN93nCNLjG9FGuBWjX0-bHiasOh3PX4yC9lhdFAhn9_Es6CcfYLWFi2_s2Wkv0o7abhUM4igxJxpkvKCMz8_FtrVX71QlCQz65yW3g

وانخفض حجم التجارة العالمية بحوالي 285 مليار دولار أمريكي وهو الانخفاض الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما دعا منظمة التجارة العالمية إلى الاعتراف بحجم الأزمة، والإشارة إلى أن العالم بالكامل سيشعر بآثار تلك الأزمة نتيجة لارتفاع أسعار السلع والغذاء والطاقة التي تصدرها روسيا وأوكرانيا.

أما عن المديونية العالمية فقد تطور الدين العالمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي ليصل الي 351% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 مقابل 256 % في عام 2020، و227 % في عام 2019، وهي تعد الطفرة الأكبر في الزيادة منذ أكثر من خمسين عامًا.

فقد أضافت الدول ديونًا بقيمة 303 ترليون دولار أمريكي. وكان أكثر الدول استدانة هي تلك الدول الفقيرة حيث وصل 60 % منها إلى حالة مديونية حرجة بالفعل وفقًا لما تم إعلانه من جانب البنك الدولي. وقد مثلت الأسواق الناشئة نسبة 80% من حجم الدين العالمي في عام 2021 وفقًا لما تم الإشارة إليه من جانب معهد التمويل الدولي.

بالنظر إلى التضخم العالمي فحدث ولا حرج، فقد تسبب ارتفاع أسعار السلع عالميًا في موجة تضخم عاتية حيث بلغ متوسط التضخم العالمي إلى 9.2 % وهي المرة الأولى التي يصل إليها العالم إلى ذلك المستوى من التضخم منذ الأزمة الاقتصادية العالمية، وهو ما عرض 121 دولة لضغوط تضخمية كبيرة (19 دولة متقدمة من أصل 40 دولة، و102 دولة نامية من أصل 165 دولة).

https://lh6.googleusercontent.com/FsDj8efkOt0eFGoSJZxP2VuRBv8OlVOeuU2rCSCboPjIFfncDtT7cKavoxoeDuttOjwhBNpp_2gFFrGr9sQ-MGbPrUjDuya8V2V8ogls9Ry-sb1ydtf3kFjFCpQkEgFWBCLINSJx4kqc9_La7A

فقد ارتفعت معظم أسعار السلع الأساسية خلال فترة عام (من مايو 2021 إلى مايو 2022) والتي تتضمن القمح + 62.26 %، اللحوم + 11.04 %، البترول + 67.16 %، ذرة + 8.93 %. تلك الارتفاعات في معدلات التضخم والأسعار عالميًا تسببت في توجه عالمي لعدد كبير من دول العالم لفرض سياسات التشديد النقدي لمواجهة ارتفاع الأسعار، والتي شملت الولايات المتحدة الأمريكية والتي قامت برفع معدلات الفائدة مرتين في مارس ومايو 2022 بمجموع 0.75 %، وهي المرة الأولى التي ترفع فيها الولايات المتحدة أسعار الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس لمرة واحدة منذ عقود، وهو الأمر الذي سبب في خفض صندوق النقد الدولي لتوقعاته لنسب النمو لعدد 143 دولة في أبريل 2022 بسبب تلك الأزمة الاقتصادية.

تأثيرات مصرية

دخلت مصر تلك الأزمة وهي في مركز قوى اقتصاديًا بعد تجربة ناجحة من برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي استطاع أن يحقق خلاله الاقتصاد المصري معدل نمو بنسبة 6% للمرة الأولى منذ سنوات. ومن ثم فقد خفف ذلك الأداء الاستثنائي من حدة تلك الصدمة على الاقتصاد المصري. وقد كان أداء الاقتصاد المصري قويًا للغاية في النصف الأول من العام 2021-2022 حيث نجح الاقتصاد المصري في تحقيق معدل نمو بنسبة 9%، وهو ما دفع صندوق النقد الدولي إلى زيادة توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد المصري لتصل إلى 5.9 % على الرغم من خفضه لتوقعات النمو لنحو 143 دولة.

وهو ما دفع وكالتي ستاندرد آند بورز وفيتش للتصنيف الائتماني لمصر عند BB وB + مع نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد المصري، وذلك على الرغم من الارتفاع الذي حدث في أسعار الغذاء والطاقة الناجم عن الحرب الروسية الأوكرانية، وهو الأمر الذي زاد من الضغوط المالية العامة للدولة.

خطة الدولة

جاءت خطة الدولة المصرية ليتم تنفيذها من خلال خمسة محاور أساسية، يبدأ محورها الأول في تعزيز دور القطاع الخاص الوطني في النشاط الاقتصادي، ودعم وتوطين الصناعات الوطنية، وزيادة الاعتماد على المنتج المحلي، والتي تضمنت سعي الدولة إلى خلق المزيد من فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي والمشاركة في إقامة البنية التحتية والمنافسة الدولية. فقد وضعت الدولة هدفًا عامًا تضمن رفع نسبة مشاركة القطاع الخاص لتصبح نسبة المشاركة إلى 65% من إجمالي الاستثمارات المنفذة خلال ثلاث سنوات.

وقد وضعت الحكومة ثلاثة محاور لتعزيز مساهمة القطاع الخاص والتي تتمثل في تحسين مناخ الأعمال وإطلاق حزمة من الحوافز المتنوعة وفتح قنوات تواصل مباشرة مع القطاع الخاص، وقد تضمن البرنامج تفاصيل كثيرة تضمنت الإعلان عن وثيقة سياسة ملكية الدولة التي تحدد القطاعات التي ترغب الدولة في التخارج منها وترك الساحة للقطاع الخاص.

https://lh6.googleusercontent.com/HzmsbvhWwB3Da3xwIIWJ_AZeZavw7I6O5MH2PdF_P4xHsB66EJ9x_3_E8lbt5s7ld9n4ecOuCAnsogu64ZuD20VSX5_nfe06hh6T9oSXC2vW28bXyd2yPto_fUmfwoPQ06oA3_POhvdJMvY4TA

أما عن الهدف الثاني فهو الإعلان عن برنامج شامل للمشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص في الأصول المملوكة للدولة بمستهدف يصل إلى 10 مليار دولار سنويا ولمدة 4 سنوات، حيث تم الانتهاء من تقييم أصول بقيمة 9.1 مليار دولار، وجارٍ تقييم أصول بقيمة تتجاوز 15 مليار دولار مثل مشروعات الطاقة المتجددة والأصول العقارية، ومشروعات بقطاع الاتصالات ومشروعات تحلية المياه، وقطاع التعليم، وقد شملت تلك الخطة إطلاق منظومة الحصول على الأراضي للمشروعات الصناعية والتحول إلى نظام حق الانتفاع في الأراضي الصناعية وتسعير الأراضي بناء على قيمة المرافق.

الإعلان عن خطة واضحة لخفض الدين العام كنسبة من الدخل القومي وخفض عجز الموازنة على مدار الأربع سنوات القادمة والتي تتضمن خفض المديونية إلى نحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي (مقابل الوضع الحالي الذي يتمثل في 84.6 % (18.8 % دين خارجي، 66.3 % دين داخلي)، وإطالة أمد عمر الدين ليقترب من 5 سنوات بحلول يونيو 2026 (مقارنة بالوضع الحالي البالغ 3.5 عام)، وتحقيق فائض أولى بنحو 2% من الناتج السنوي وزيادة الإيرادات الضريبية بنحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا (تستهدف الحكومة تحقيق فائض أولي بمبلغ 91 مليار جنيه خلال عام 2021/2022)، وأخيرًا خفض تكلفة الاقتراض وخفض الدين الحكومي إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025/2026. 

بجانب طرح رؤية متكاملة للنهوض بالبورصة المصرية والتي تشمل طرح لشركات مملوكة للدولة وللقوات المسلحة، والتي شملت وضع 21 هدفًا لتنشيط سوق الأوراق المالية وزيادة تنافسيتها خلال الفترة القادمة لتكون قادرة على المنافسة محليا وإقليميا، والتي تتضمن زيادة أعداد الشركات المقيدة، وإتاحة آليات جديدة تتواكب مع التطور العالمي، وزيادة أعداد المستثمرين المحليين والأجانب من الأفراد والمؤسسات، وزيادة الوزن النسبي لمصر في السندات الدولية، واستكمال والتوسع في برنامج الطروحات العامة من خلال طرح 10 من شركات القطاع العام واثنين من الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية بهدف توفير مساحة أكبر للقطاع الخاص.

فضلًا عن توفير السلع الأساسية بأسعار مدعومة ووضع إجراءات للحماية الاجتماعية والتي تضمنت توفير السلع الضرورية والتي تشمل توفير 8 مليون شنطة رمضانية تم توزيعها من جانب مؤسسات الدولة خلال شهر رمضان، وعدد 1000 طن من اللحوم ذات الجودة المرتفعة، وزيادة المخزون الاستراتيجي من القمح والمساحة المنزرعة من ذلك المحصول إلى نحو 3.5 مليون فدان سنويًا بزيادة قدها 250 ألف فدان من عام 2021 وبإنتاجية متوقعة بحوالي 10 مليون طن (زيادة بمقدار 1 طن).

برهن المؤتمر الصحفي لرئيس الوزراء أمس على حقيقة صدق الحكومة في العمل نحو تحقيق التنمية الاقتصادية، والعبور بالدولة المصرية من تلك الأزمة إلى بر الأمان، وحقيقة أن الحكومة تتبنى مبدأ المكاشفة للمواطنين؛ إذ إنه لا يوجد ما يتم إخفاؤه عن المواطنين، فالحكومة والمواطنين شركاء في هذا الوطن، ومن واجبهم توضيح حقيقة الموقف الحالي لمصر والعالم لاستمداد الدعم المطلوب من جموع المصريين للتمكن من المضي قدمًا في مسيرة التنمية المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى