الاقتصاد المصريمصر

تعامل الدولة المصرية مع الأزمة الاقتصادية العالمية…. الأبعاد والدلالات

أعلن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تكليف الحكومة المصرية بعقد مؤتمر صحفي عالمي لإعلان خطة الدولة للتعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية والتي تعد الأسوأ منذ أزمة الكساد الكبير في أواخر العشرينيات من القرن الماضي. وقد شهد اليوم عقد مؤتمر صحفي للدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء أعلن خلاله ما تم إنجازه من قبل الدولة المصرية في كافة القطاعات لمواجهة الأزمة الاقتصادية والتعامل معها، والإجراءات المتخذة لتخفيف العبء على المواطنين ودعم القطاعات الاقتصادية المختلفة، ويستعرض المقال أبرز تداعيات الأزمة الأوكرانية على الاقتصاد العالمي، والآفاق المستقبلية لتعامل الدولة المصرية مع الأزمة، ودلالات السياسات المعلنة خلال المؤتمر. 

التداعيات الاقتصادية العالمية لأزمة الصراع الروسي الأوكراني:

أدى الصراع الروسي الأوكراني إلى عدد من التداعيات السلبية على الاقتصاد العالمي؛ إذ أدى إلى تخفيض المؤسسات العالمية لمعدلات النمو الاقتصادي المتوقعة عالميا عدة مرات؛ ففي يناير 2022 تم تقدير معدل النمو الاقتصادي العالمي بنحو 4.4% عام 2022، و3.8% عام 2023، إلا إن تلك التوقعات تم مراجعتها في ابريل 2022 ليتم تقدير معدل النمو العالمي بنحو 3.6% عام 2022، و3.6% عام 2023. وقد أدت الأزمة إلى اقتراب خسائر الناتج الإجمالي إلى نحو 12.5 تريليون دولار عالميا حتى عام 2024، بما يعادل خمسة امثال الناتج المحلي الإجمالي لقارة افريقيا عام 2021.

وكذا، أدت الأزمات العالمية المتتالية إلى تحقيق صافي الاستثمار الأجنبي المباشر معدلات سلبية لأول مرة منذ عدة عقود، فتم تقديرها بنحو (-72) مليار دولار عام 2021. وعلى مستوى التجارة الخارجية، أدت الأزمة إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة وتوقف استيراد السلع الروسية والأوكرانية لتتضاعف خسائر التجارة العالمية بنحو 285 مليار دولار. 

وانعكست الأزمة على ارتفاعات قياسية لأسعار السلع الأساسية مثل القمح واللحوم والبترول والذرة، وأدت إلى ارتفاع مستوى التضخم عالميًا مسجلا 9.2% في مارس 2022 لتعاني منه كافة دول العالم المتقدمة والصاعدة، الأمر الذي دفع الاقتصادات الكبرى إلى تبني سياسات تقييدية والتوجه نحو التشديد النقدي. 

وارتفعت توقعات معدل الفقر عالميًا؛ إذ يتوقع أن يعاني نحو 1.7 مليار شخص من أزمة الجوع والفقر والعوز نتيجة الأزمة. وأفرزت الأزمة كذلك ارتفاع مستويات الدين العام بما يقدر بنحو 303 تريليون دولار عالميًا ووصلت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 351% عالميا عام 2021، وتستحوذ الاقتصاديات الناشئة على نحو 80% من حجم المديونية العالمية. 

أبعاد خطة الدولة للتعامل مع الأزمة

تتضمن خطة الدولة للتعامل مع الأزمة خمسة أبعاد أساسية، تتمثل في: 

أولًا: تعزيز دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي

على الرغم من ارتفاع الاستثمارات العامة خلال الفترة (2016: 208)، إلا أن تلك الاستثمارات هدفت إلى تجهيز البنية الأساسية، وتنفيذ خطط التوسع العمراني لفتح مجالات واسعة للاستثمارات الخاصة. ومع بدء استعادة الاستثمارات الخاصة نصيبها من الاستثمارات خلال عام 2018/2019، دفعت جائحة كورونا بضخ مزيد من الاستثمارات العامة في العام التالي مباشرة لمواجهة الأزمة وضمان دفع نمو الاقتصاد المصري. 

وقد جاءت تدخلات الدولة من خلال ضخ استثمارات حكومية داعمة لقطاعات البنية التحتية والنقل والتعليم والصحة، وتنفيذ المشروعات القومية في قطاعات الصناعة والزراعة والإسكان والنقل والكهرباء والبنية التحتية، وتنفيذ ما تضمنه برنامج الإصلاح الاقتصادي من إصلاحات اقتصادية تضمنت زيادة حركة التجارة وزيادة الصادرات غير البترولية، وتعزيز الشمول المالي، ورفع كفاءة التدريب بقطاع تكنولوجيا المعلومات. 

وتستهدف الدولة في هذا الصدد، خلق المزيد من فرص العمل ورفع معدل النمو الاقتصادي، والمشاركة في إقامة البنية التحتية وتعزيز دور القطاع الخاص في المنافسة من خلال رفع نسبة مشاركته إلى 65% من إجمالي الاستثمارات المنفذة خلال 3 سنوات. وتتمثل أبرز محاور التحرك للدولة في هذا الشأن في تحسين مناخ الاعمال وإطلاق حزمة من الحوافز المتنوعة، وفتح قنوات تواصل مباشرة مع القطاع الخاص.

أما عن تحسين مناخ الأعمال، فتتمثل أبرز الآليات في الإعلان عن وثيقة سياسة ملكية الدولة والتي تحدد خريطة تواجد الدولة في الانشطة الاقتصادية التي تتواجد فيها خلال السنوات العشر المقبلة، وإتاحة مشاركة القطاع الخاص في عدد من أصول الدولة بما يقدر بنحو 10 مليار دولار سنويًا لمدة 4 سنوات في عدد من القطاعات الواعدة كمشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، والأصول العقارية بالمدن الجديدة، وقطاع الاتصالات، وتحلية المياه، والتعليم، وتطوير منظومة الحصول على الأراضي للمشروعات الصناعة من خلال التحول إلى نظام حق الانتفاع في الأراضي الصناعية، وتسعير الأراضي وفقًا لقيمة المرافق. بالإضافة إلى صياغة استراتيجية قومية متكاملة للملكية الفكرية، وتحسين مناخ التنافسية، وتيسير إجراءات إصدار التراخيص والموافقات، وميكنة الإجراءات الضريبية والتراخيص، وتطوير الخريطة الاستثمارية لمصر.

\\SERVER\Folder Redirection\m.abdelrazik\Desktop\280503602_5325420747503505_3724685915157944643_n.jpg

وبالنسبة لحزمة الحوافز المتوقع إطلاقها لتعزيز مساهمة القطاع الخاص، فتشمل الحوافز الخاصة بقانون الاستثمار، والحوافز الخضراء، وحوافز الاستثمار في القطاع الصحي وحوافز في المدن الجديدة، والرخصة الذهبية “الموافقة الواحدة” في بعض المجالات الرائدة كالهيدروجين الأخضر، وصناعة المركبات الكهربائية والبنية التحتية. وفيما يتعلق بفتح قنوات التواصل المباشر مع القطاع الخاص، فتتضمن إنشاء وحدة لحل مشاكلات المستثمرين بمجلس الوزراء.

ثانيا: توطين الصناعة المحلية مع توسيع القاعدة الإنتاجية

حقق القطاع الصناعي معدل نمو وصل إلى 6.3% عام 2019/2020، وساهم بنحو 17.1% من الناتج المحلي الإجمالي في ذات العام. وقد احتلت الصناعات الغذائية النصيب الأكبر من التراخيص المصدرة خلال الفترة (2018- 2021) بإجمالي 51.2 ألف رخصة. 

وتتضمن خطة الدولة إطلاق برنامج طموح لرفع معدلات التشغيل والنمو خلال ثلاث سنوات، وتعظيم الصادرات في 9 قطاعات، وإعداد استراتيجية توطين صناعة السيارات يتضمن أربعة محاور، هي رفع القيمة المضافة المحلية، وزيادة حجم الاستثمارات الجديدة، وزيادة حجم الإنتاج السنوي، وخفض الانبعاثات والالتزامات البيئية. بالإضافة إلى طرح مشروعات جديدة للاستثمار الأجنبي المباشر تشمل مشروعات مراكز البيانات، وشبكات نقل البترول والغاز والتوسعات بمحطات الإسالة، وأبراج لشركات الاتصالات، وإعادة تأهيل محطات الرياح بالزعفرانة وجبل الزيت.

ثالثًا: تنشيط البورصة المصرية وتعزيز دورها في تحقيق أهداف التنمية المستدامة

تأثرت البورصة المصرية بجائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية كغيرها من سائر البورصات العالمية. وتتضمن خطة الإصلاح نحو 21 إجراءً لتنشيط البورصة وزيادة تنافسيتها، بما في ذلك برنامج الطروحات العامة بهدف طرح حصص من عشر شركات قطاع الأعمال العام، وشركتين تابعة للخدمة الوطنية بالبورصة المصرية، وإنشاء شركات تضم كيانات تمهيدًا لطرحها بالبورصة والتي تتضمن دمج سبعة مواني مصرية تحت مظلة شركة واحدة، وكذلك ضم سبع فنادق في شركة واحدة.

\\SERVER\Folder Redirection\m.abdelrazik\Desktop\280320019_5325481990830714_2653306088319933716_n.jpg

رابعًا: الإعلان عن خطة واضحة ملزمة لخفض الدين العام وعجز الموازنة

على الرغم من زيادة حدة أزمة المديونية عالميا بصفة عامة وفي الاقتصادات الناشئة بصفة خاصة، إلا إنه يلاحظ انخفاض نسبة الديون الخارجية قصيرة الأجل (الأعلى خطورة) لتسجل نحو 8.8% من إجمالي الدين الخارجي للاقتصاد المصري. 

وتتضمن خطة الدولة لتحسين إدارة الدين خفض المديونية إلى نحو 75% من الناتج بنهاية العام المالي 2025/2026، وإطالة عمر الدين ليقترب من خمس سنوات بنهاية يونيو 2026، وتحقيق فائض أولي بنحو 2%من الناتج سنويا وزيادة الإيرادات الضريبية بنحو 0.5% من الناتج سنويًا، وخفض تكلفة الاقتراض وخدمة الدين الحكومي إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025/2026، وذلك من خلال اصدار الصكوك السيادية، ويتوقع أن يتم الإصدار الدولي الأول للصكوك السيادية في يوليو 2022.

خامسًا: إجراءات وبرامج للحماية الاجتماعية لضمان توفير السلع الأساسية:

تتضمن حزمة الإجراءات المالية والحماية الاجتماعية للتعامل مع الأزمة تخصيص نحو 130 مليار جنية للتعامل مع تداعيات الأزمة وتخفيف آثارها على المواطنين، وضم نحو 450 ألف أسرة للمستفيدين من برنامج تكافل وكرامة من خلال تدبير مبلغ 2.7 مليار جنية، وكذلك زيادة حد الاعفاء الضريبي من 24 إلى 30 ألف جنية، وتحمل الموازنة العامة للدولة لنحو 190.5 مليار جنية لسداد إجمالي القسط السنوي لصالح صندوق التأمينات والمعاشات. وكذا تم التعجيل بزيادة الأجور والمعاشات في أول أبريل بدلًا من أول يوليو 2022. فضلًا عن تشديد الرقابة على الأسواق وتوفير السلع الضرورية من خلال التوسع في إقامة المعارض والمنافذ لتوفير السلع بأسعار منخفضة.

دلالات تعامل الدولة مع الأزمة الاقتصادية العالمية

يلاحظ من خلال استعراض خطة الدولة المصرية للتعامل مع الأزمة الاقتصادية وجود نظرة استباقية للتخفيف من حدة الأزمات المتوقعة وعلاج الاختلالات الهيكلية؛ فعند وضع وتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 تضمن تنفيذ الدولة عدد من المشروعات القومية الكبرى، واستهدف زيادة إنتاج الغاز الطبيعي، وزيادة الرقعة الزراعية، وتطوير صوامع تخزين القمح، وبناء شبكة طرق، وإنشاء مدن جديدة، وغيرها. 

وقد انعكست تأثيرات تلك السياسات خلال الفترة الحالية، والتي كان من شأنها تخفيف حدة الأزمة الحالية، وتمكين الاقتصاد المصري من مواجهة الأزمات المتتالية بقدر أقل من الخسائر، وتمكين الحكومة المصرية من اتخاذ عدد من التدابير المالية للتصدي لتداعيات الأزمة، لتكون مصر واحدة من أبرز دول العالم التي تبنت أكبر عدد من التدابير المالية عام 2020 خلال فترة التصدي لجائحة كورنا.

وتمكنت الحكومة كذلك من أن تكون واحدة من الدول التي حققت معدلات نمو إيجابية وصلت إلى 3.5% عام 2020، بالإضافة إلى ما شهدته الدول في عدد من القطاعات جاء أبرزها ما تم تحقيقه من طفرة في إنتاج وتصدير الغاز الطبيعي، بما انعكس على فائض الميزان البترولي، ورفع الاحتياطي الاستراتيجي من السلع الأساسية وسط أزمات غذاء عالمية.

تتسم خطة الدولة بالمرونة والتكيف، مما يمكن من مواجهة تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية على الاقتصاد المحلي. ويتبين ذلك من خلال سرعة توجيه مخصصات المالية العامة لمواجهة تداعيات تلك الأزمات؛ فبمقارنة مؤشرات المالية بين عامي 2019/2020 و2020/2021 يتبين زيادة حجم الإنفاق على أجور وتعويضات العالمين بنسبة 10.4%، وزيادة حجم الدعم على السلع التموينية بنسبة 3.2%، وزيادة حجم الإنفاق على الصحة بنسبة 22.8%، وزيادة حجم الإنفاق على التعليم بنسبة 9.3%، وزيادة حجم الإنفاق على الاستثمارات العامة بنسبة 30%.

حرص الدولة الدائم عند وضع سياساتها وخطط التنمية على وجود قدر من الشفافية والمشاركة؛ من خلال إعلان الخطط والسياسات، وفتح قنوات للتواصل مع المواطنين والقطاع الخاص كشركاء في التنمية.

يتبين وجود تحسن نسبي في وضع الاقتصاد المصري على الرغم من تداعيات الأزمات المتتالية؛ إذ رفعت المؤسسات الدولية نسب النمو المتوقعة للاقتصاد المصري، وسط تراجع معدلات النمو المتوقعة عالميًا. وأبقت مؤسسات التصنيف الائتماني لمصر عند BB  B+ مع نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد المصري، وسط أوضاع عالمية غير مستقرة.

على الرغم من أن الازمات الحالية هي أزمات خارجية تنعكس آثارها على الاقتصاديات المتخلفة، إلا أن هناك عددًا من العوامل التي تؤدي إلى تزايد أعباء الدولة للتصدي للأزمات، من بينها الزيادة السكانية المرتفعة؛ إذ يتوقع أن يصل عدد سكان مصر إلى ما يقرب من 120 مليون نسمة، بما يوازي عدد السكان في خمس عشرة دولة أوروبية أو14 دولة عربية.

دائما ما يمثل الشق الاجتماعي عنصرًا رئيسًا في سياسة الدولة، ولن يتم إغفال هذا الشق خلال فترات الأزمات التي تتسم بزيادة الضغط على موارد الدولة وتحجيم فرص النمو والتطوير. ويمثل هدف تخفيف عبء المعيشة على المواطن المصري هدفًا أصيلًا من أهداف الدولة في أوقات الاستقرار والأزمات.

أسماء رفعت

باحثة ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى