روسيا

رسائل موسكو: رغم الحرب الشرق الأوسط لا يزال في بؤرة اهتمامنا

استهل وزير الخارجية الروسي، “سيرجي لافروف”، جولته قصيرة الأجل إلى الشرق الأوسط بزيارة إلى الجزائر، الثلاثاء 10 مايو، أعقبها، بعد ذلك، بزيارة أخرى إلى عمان في اليوم نفسه. في جولة تُعد هي الأولى، منذ اندلاع العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا أواخر فبراير الجاري. بالشكل الذي يلفت الانتباه إلى تفاصيل التحركات الروسية الأخيرة على المستوى العربي خلال الحرب. خاصة وأن الفترة الراهنة –خلال الحرب- قد شهدت أيضًا تحركات مماثلة بين موسكو وأطراف عربية. 

مثال على ذلك، الزيارة التي قام بها وزيرا خارجية قطر والمملكة العربية السعودية إلى موسكو في منتصف مارس من العام الجاري. بالإضافة إلى زيارة وفد من جامعة الدول العربية، يضم وزراء خارجية قطر والمملكة العربية السعودية وعدد من المسؤولين رفيعي المستوى إلى موسكو في أوائل ابريل. مما يستلزم معه إلقاء نظرة على الرسائل التي ترغب موسكو أن تبعثها للعالم من وراء ارتباطاتها عربيًا خلال فترة ما بعد الحرب.

موسكو بين الجزائر ومسقط: أبرز ملامح الجولة

التقى “لافروف”، خلال جولته، الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في مقر رئاسة الجمهورية الجزائرية، بحضور وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية الجزائرية بالخارج، رمطان لعمامرة ومدير ديوان رئاسة الجمهورية الجزائرية، عبد العزيز خلف. ونقل سيرجي لافروف إلى الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، تحيات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ودعوته إلى زيارة روسيا الاتحادية.

وعلى الرغم من أن هذه الزيارة جاءت بشكل مفاجئ دون إعلان مسبق عن الأجندة المرتقبة لها، إلا أن “لافروف” ألقى كلمة ختامية قبيل مغادرته الجزائر، استعرض من خلالها أبرز النتائج التي توصلت إليها الزيارة. فقد أكد أنه ذهب إلى الجزائر للعمل على تطوير العلاقات بين البلدين في مجالات التعاون التجارية والاقتصادية والعسكرية التقنية والثقافية والإنسانية. 

وأشار، “لافروف”، إلى أن الوثيقة الأساسية في العلاقات الثنائية بمثابة إعلان عن الشراكة الاستراتيجية، والتي جرى التوقيع عليها عام 2001. وقال لافروف، “أكدنا مجددًا اهتمامنا بإعداد وثيقة استراتيجية جديدة بين الدولتين، تسجل ارتقاء تعاوننا إلى مستوى نوعي جديد”. واستطرد “لافروف”، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن العديد من الشركات الروسية تهتم بتنفيذ مشاريع مشتركة مع شركاء جزائريين في مجالات مثل الطاقة، والموارد المعدنية، والاستكشاف، والأدوية. مضيفًا، “ستكون هذه القضايا محور الاهتمام في الاجتماع المقبل للجنة الحكومية الروسية- الجزائرية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي والعلمي –التقني، المقرر عقده في الجزائر العاصمة في الأشهر المقبلة”.  وتابع، “لافروف”، “تحدثنا عن التطوير اللاحق للتعاون العسكري ـ التقني، الذي له جذور عميقة وآفاق جيدة. حيث يقدر الاتحاد الروسي الثقة التي منحنا إياها أصدقاؤنا الجزائريون لتعزيز القدرة الدفاعية للجزائر”. 

وفيما يتعلق بأبرز ملامح زيارته إلى عمان، فقد استقبل سلطان عمان، هيثم بن طارق، وزير الخارجية الروسي، الأربعاء 11 مايو. والتقى كذلك بنظيره العماني، بدر البوسعيدي، حيث ذكر الأخير خلال مؤتمر صحفي مشترك بين الطرفين، حول نتائج الزيارة، “”ناقشنا مع الجانب الروسي العديد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك كما تطرقنا لعدد من القضايا الإقليمية والدولية”، مُشيرًا إلى أنّ سلطنة عُمان وروسيا ستوقعان قريبًا على اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي واتفاقية الإعفاء المشترك من التأشيرة لمواطني البلدين. من ناحيته، قال “لافروف” في المؤتمر الصحفي نفسه، “تباحثنا بمختلف القضايا السياسية والاقليمية، بالإضافة إلى المشاريع الاقتصادية والثقافية الثنائية بين البلدين. واتفقنا على تعزيز التبادل الثقافي والسياحي والتجاري بين البلدين”.

دلالات الجولة

بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، أواخر فبراير من العام الجاري، بدأ سياسيو أوروبا وأمريكا القيام بجولات مكوكية في المنطقة العربية؛ أملًا في العثور على مصادر بديلة بوسعها أن تحل محل إمدادات الطاقة الروسية لأوروبا. من جهة أخرى، انعكست الأوضاع الحالية بدورها على أعضاء منظمة أوبك وكِبار مصدري الطاقة، لاسيما الغاز، مثل قطر والجزائر بأن وضعتهم تحت بؤرة أضواء السياسة العالمية.  

وفي الوقت الذي تجري فيه الدوحة بالفعل مفاوضات مع دول أوروبية حول إمدادات الطاقة، أبرمت الجزائر بالفعل، قبل أيام من زيارة “لافروف” الأخيرة، اتفاقية مع إيطاليا –التي تسعى إلى خفض معدلات اعتمادها على الغاز الروسي- يتم بموجبها زيادة إمدادات الغاز بنحو 9 مليارات متر مكعب سنويًا خلال عامي 2023 و2024. مما أثار أقاويل حول اهتمام الجزائر بصفقات أخرى مماثلة قادمة في الأفق سيتم إبرامها مع دول غربية أخرى. 

من الجدير بالذكر كذلك أن زيارة “لافروف” إلى الجزائر كان من المقرر انعقادها نهاية العام الماضي، لكن تم تأجيلها عدة مرات بعد اندلاع الحرب، ومن الواضح أنه لم يعد من الممكن تأجيلها أكثر من ذلك نظرًا للظروف والأوضاع العالمية التي جعلت من المحتم على روسيا إعادة التأكيد على حقيقة عدم فقدانها اهتمامها بأفريقيا ودول المنطقة العربية ككل. يأتي ذلك بالتزامن مع ورود تقارير حول نقل روسيا لجزء كبير من وحداتها العسكرية في سوريا بغرض الانضمام للحرب في أوكرانيا، مما انعكس بدوره على احتمالات تراجع للدور الروسي في دول المنطقة. 

من ناحية أخرى، ينبغي التركيز على واحد من أهم مخرجات الجولة وإن لم يكن هو الهدف الرئيس منها. ففيما يخص إمدادات الغاز العربي للسوق العالمية، ذكر “لافروف” عقب زيارته إلى الجزائر، “إننا والجزائر وبقية المشاركين في منتدى الدول المصدرة للغاز، نلتزم بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها، وأنا متأكد من أن الوضع سيستمر على هذا النحو”. وفي السياق نفسه، أكد وزير الخارجية العماني أن سلطنة عمان ملتزمة تمامًا بمنظومة الأمم المتحدة وتقف مع قواعد القانون الدولي والاتفاقيات القائمة مع مجموعة أوبك بلس.

وهو ما يُعد استكمالاً للموقف الذي اتخذته أغلب الدول العربية من الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا، وهو الحياد التام، بحيث تبدو الأمور في نهاية الزيارة واضحة، بأنه لا الجزائر ولا عمان تنوي منافسة روسيا في تصدير الغاز، بنفس الطريقة التي لم تنضم بها أي دولة من المنطقة العربية إلى العقوبات الغربية ضد موسكو.

علاوة على ذلك، أكد وزير خارجية روسيا على عضوية الجزائر في مجموعة الأصدقاء المدافعين عن ميثاق الأمم المتحدة التي تم تشكيلها مؤخرًا. وهي الخطوة التي تجري بغرض توحيد الصف العالمي وراء المطالبة بضرورة المساواة في السيادة بين الدول أملاً في تحقيق نظام عالمي متعدد الأقطاب. بمعنى آخر، تريد روسيا أن تقول إنها ليست هي الوحيدة التي ترفض النظام العالمي الحالي في صورته أحادية القطب، بل توجد أطراف عربية تشاطرها نفس الأهداف. وبوجه عام، تبعث موسكو برسالة للغرب –من خلال هذه الجولة- مفادها أن روسيا لم ولن تغيب عن دورها الفاعل في المنطقة العربية، ولن تخسر ما حققته من نجاحات، وسوف تواصل جهودها حتى تحول دون عثور الغرب على بدائل للغاز الروسي. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى