تركيا

أردوغان يرفع غصن الزيتون: نظرة على التغير في سياسة تركيا الخارجية

من الناحية التقليدية، يمكن فهم السياسة الخارجية لبلد معين من خلال توظيف المدخلات والمخرجات كأداة لتحليل اتجاه هذه السياسة؛ إذ تمتلك كل دولة مجموعة من المبادئ يمكن وصفها بالثابتة تحرك سياستها الخارجية على مدى فترة زمنية ممتدة، ولكن هذا لا ينفي أن هناك مجموعة من المنطلقات الظرفية التي تتغير بتغير الظروف المحيطة بها. وتلك الديناميكية هي التي تجعل من الممكن فهم التحول في السياسات الخارجية لأنقرة بطريقة شكلت اتجاهًا جديدًا في تفاعل أنقرة مع محيطها الإقليمي والدولي.

  • أسباب عامة” التغير في السياسة الخارجية لتركيا”:

تجمع عدد من العوامل التي أسهمت في تحول جذري في اتجاهات أنقرة، ولعل أبرز تلك العوامل هو العامل الاقتصادي؛ ويشرح إيجازًا بالتراجع الحاد في قيمة الليرة التركية، والارتفاع القياسي في معدلات التضخم، وكذلك ارتفاع نسب البطالة.

ويضاف إلى هذا العامل على الصعيد الداخلي أيضًا الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها تركيا العام القادم والتوقعات بالدعوة لانتخابات مبكرة. فيما يمكن التركيز على وصول جو بايدن للسلطة في الولايات كأهم المتغيرات على الساحة الدولية، والتي أسهمت في إحداث تغيير في سياسة تركيا الخارجية. وقد انعكست هذه العوامل على ملفات تركيا الخارجية وإن كان بعض الملفات قد شهد القدر الأكبر من التغيير، ويمكن عرض هذه الملفات كالتالي:

  • تركيا وضبابية العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي:

يترقب الاتحاد الأوروبي نتائج الانتخابات التركية، ويرى أنه إذا تم الإعلان عن فوز أردوغان وحزبه فإن هذا سيكون من العراقيل التي تؤخر انضمام تركيا للاتحاد، خصوصًا مع تحول تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي تعتقد أوروبا أنه يكرس لحكم الفرد بالتحديد بعد محاولة الانقلاب في 2016– لأنه إذا حدث ذلك ستكون تركيا تبتعد أكثر وأكثر عن مبادئ الديمقراطية التي تعليها بروكسل. ولأن الأوروبيين يمتلكون مدارس عريقة في الدبلوماسية، فمن المرجح أنهم سيتبعون نهج المراقبة وانتظار إلى أين تتجه الأمور في تركيا، مع عدم إخفاء حالة الامتعاض من أوضاع الحريات في أنقرة.

C:\Users\owner\Downloads\demonestration-in-turkey.jpg

وبناءً على ما تقدم، فإن تركيا التي تواجه أزمة وجودية مع أوروبا تجد أنه من الأيسر لها التقارب مع الأمريكيين في الوقت الحالي، خصوصًا أنها عضو في حلف الناتو، وبالتالي من غير المنطقي أن تستمر في لهجتها التصعيدية ضد المعسكر الغربي والولايات المتحدة. وإن كانت غير قادرة في الوقت الحالي على ملاقاة طموحات بروكسل لأن أردوغان مصر على الفوز في الانتخابات القادمة، فإن المراوغة في ملفات أخرى مع الولايات المتحدة تشكل إغراءً أكبر لأنقرة بوصفها الصيد الأسهل والتي تتضمن مبدئيًا ملف إس 400، في الوقت الذي يتطلب فيه التقارب مع الاتحاد تغييرات هيكلية في الاقتصاد وضمان مزيد من الاستقلالية للمحاكم وإدخال تعديلات على قانون مكافحة الإرهاب وعلاقته بحالة الطوارئ. 

ولكن على الجانب الآخر، لن يكون التقارب مع الولايات المتحدة وردي الصورة؛ فهناك عدد من الملفات العالقة من أهمها ملف تسليم فتح الله جولن المتهم بأنه العقل المدبر لمحاولة الانقلاب في 2016، وملف إس 400 المسؤول عن جزء كبير من التوتر بين تركيا والناتو. وقريبًا ستجد أنقرة نفسها مضطرة لتقديم تنازلات خصوصًا بعد أن تم طردها من منظومة إف 35 ومنعت من الحصول على الطائرات المقاتلة الأمريكية بعد أن دفعت ثمن الصفقة بالفعل، كما أنها مُنعت من تطوير منظومة إف 16 التي تمتلكها وهو ما يضعها خلف الروس على الأرض في سوريا. 

ذلك مع الأخذ بالحسبان أنه في الوقت الحالي شكلت الحرب الأوكرانية فرصة ذهبية لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وأنقرة وبات الكونجرس الأمريكي أكثر قابلية للنظر في طلبات تركيا العسكرية؛ لأن واشنطن تستهدف معاقبة موسكو في أي مكان توجد فيه خصوصًا في سوريا، وبالتالي ليس من مصلحتها الاستمرار في إضعاف حليف لها في الناتو.

وقد شكلت عضوية حلف الناتو بالنسبة لتركيا دافعًا آخر لتقاربها مع اليونان والحد من عزلتها في شرق المتوسط منذ استعار الحرب الأوكرانية- فقد سلطت هذه الحرب المخاوف المشتركة لدى أنقرة وأثينا بوصفهما عضوين في الناتو، وما تشكله موسكو من مظهر تهديد لدول الحلف بأكمله.

  • التقارب مع الرياض وأبو ظبي- الدوافع والتوقعات:

من منظور تاريخي، لم تكن العلاقات يومًا في أفضل حالاتها بين الرياض وأنقرة؛ وذلك بالاستناد إلى عدد من الأسباب الجوهرية ومن ضمنها مؤخرًا طبيعة واتجاهات الاصطفافات الإقليمية والدولية للبلدين، وكان من أهمها موقف تركيا من ثورات الربيع العربي والمنهج المضاد الذي انتهجته ضد أنظمة الحكم في دول عربية ذات ثقل سياسي وتاريخي، وهو ما رأت فيه الرياض سوء نية سياسية ودعمًا لمشروع الإخوان الوظيفي في السيطرة على مقاليد الحكم وتحقيق حلم الخلافة وهو ما يمثل تهديدًا لأنظمة الحكم المستقرة في دول الخليج، وبطبيعة الحال، ذلك النوع من التباعد زاد في إمعانه بعد وصول الإخوان للحكم في مصر. كما أن الرياض رأت في موقف تركيا من قطر إبان فترة المقاطعة الرباعية لها اصطفافًا مضادًا لمصالح دول الخليج.

C:\Users\owner\Downloads\_121828453_gettyimages-1236772161.jpg

ومن ثم فإنه مع انقضاء حقبة الربيع العربي التي تركت من الآثار السيئة ما لا يمكن حصره، ومع التسوية العربية – القطرية في قمة العلا؛ تم تفريغ الخلاف السعودي-التركي من مضمونه. وإن كان ما تقدم يفهمنا دوافع التقارب التركي مع السعودية إلا أنه لا ينبغي إغفال الدافع الاقتصادي التركي في التقارب مع الرياض.

وبالنظر إلى النتائج التي أسفرت عنها زيارة أردوغان للسعودية، يمكننا التأكد من أن الطابع الاقتصادي كان الغالب، خصوصًا أن الرياض عمدت خلال توتر العلاقات إلى عرقلة التجارة مع تركيا إلى حد وقفها في كثير من الأحيان، وقد سجلت الكاميرات صور الشاحنات التركية التي تصطف على الحدود بعد أن تم منعها من الدخول.

ولأن الأتراك يدركون أنه لا يمكن تحسين العلاقات الاقتصادية دون توفر إرادة سياسية، فقد سعت أنقرة في الفترة الأخيرة إلى تحييد الخصوم السياسيين بما يقلل من تحديات السياسة الخارجية التي يواجهها أردوغان، ومن ثم إعطائه مساحة أكبر في التحرك لتحقيق مصالح بلاده الاقتصادية في ظل وضع داخلي متردٍ. وفي الوقت الذي لا يشكل فيه التقارب الاقتصادي مع السعودية عصا موسى التي ستحل مشاكل تركيا الاقتصادية، لا شك أن الاستثمار الأجنبي المباشر سيسهم في توفير العملة الأجنبية.

وفي الوقت الذي يتساوى فيه الدافع السياسي والاقتصادي في التقارب التركي مع السعودية تظهر أبو ظبي وهي تتعامل مع التطبيع مع أنقرة بشكل أكثر براجماتية يعتمد على التعاون الاقتصادي أكثر من أي شيء آخر؛ إذ تسعى أبو ظبي إلى مضاعفة حجم التبادل التجاري والوصول به إلى معدلات عام 2017 والتي وصلت إلى حوالي 17 مليار دولار. وتنظر الإمارات وتركيا كذلك إلى الانعكاسات الإيجابية التي قد تنتج عن التقارب الاقتصادي ومن ضمنها التقارب على المستوى الأمني والعسكري.

ولكن يبقى السؤال الأهم في التقارب بين تركيا من ناحية والرياض وأبو ظبي من ناحية أخرى هو الطريقة التي تنظر بها الدولتان الخليجيتان لهذا التطبيع- بعبارة أخرى هل تمتلك هذه الدول نفس الدوافع القوية لترميم علاقاتها مع أنقرة؟ خصوصًا مع تشعب التحالفات في الفترة الحالية، بطريقة جعلت تركيا تصطف في الحلف الغربي بينما تصطف الرياض وأبو ظبي في المعسكر المحايد إذا شئنا الحديث عن الحرب الأوكرانية.

  • دوافع التقارب التركي- الإسرائيلي:

يأتي التقارب على هذا المستوى مدفوعًا بأن أردوغان اكتشف أن هناك حدودًا لقدرة تركيا كفاعل إقليمي على فرض إرادتها على باقي الأطراف، وبالتحديد بعد الفشل المدوي في دعم حركات الإسلام السياسي في المشرق العربي وما استتبع ذلك من حالة الانكفاء العربي على الشأن الداخلي بعد ثورات الربيع العربي في وقت تراجع فيه الاهتمام بالملف الفلسطيني حتى على مستوى الشعوب العربية التي عانت من ويلات الإرهاب والحروب الأهلية واللجوء السياسي، وبالتالي وجدت تركيا أنه لا طائل من رفع الشعارات الرنانة والعزف على وتر القضية الفلسطينية لاستقطاب الشعوب العربية التي أصبحت أكثر وعيًا في التعامل مع الطموحات التركية بعد أن انكشفت في سوريا وليبيا وغيرها.

C:\Users\owner\Downloads\14524545525452557426.jpg

ومع اتجاه دول عدة للتطبيع مع إسرائيل، وجدت أنقرة أنها ستعاني المزيد من العزلة على الصعيد السياسي فضلًا عن العزلة التي تعانيها في شرق المتوسط. ومن هنا بعثت تركيا بالعديد من الإشارات الإيجابية للجانب الإسرائيلي، منها التأكيد على خطوة تبادل السفراء مرورًا بتخفيف اللهجة التصعيدية ضد الممارسات الإسرائيلية وحتى التخلص من بعض ممثلي حماس على الأراضي التركية.

ومن ناحية أخرى، يريد أردوغان استغلال تداعيات الحرب الأوكرانية في قضية الغاز الواصل من روسيا لأوروبا ولعب دور أكبر تكون تركيا فيه مركز عبور لوجستي للنفط والغاز من الدول المصدرة إلى أوروبا، فلم يفت الرئيس التركي هنا أن واشنطن رفعت يدها عن دعم مشروع إيست – ميد الذي شكلت إسرائيل كلمة السر فيه. 

واعتبارًا من الدرس الأوروبي لا تريد أنقرة أن تسقط فريسة لأي دولة تشهر في وجهها سلاح الطاقة، ومن هنا تسعى إلى تنويع مصادر اعتماداتها والوصول إلى مصادر الغاز الإسرائيلية. وقد أعلنت شركة بريطانية عن كشف جديد قبالة السواحل الإسرائيلية باحتياطي يصل إلى 8 مليارات متر مكعب من الغاز منذ يومين.

  • نظرة معمقة على الوضع الداخلي في تركيا:

يخشى أردوغان من خسارة الانتخابات لأن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى تراجع مكانة حزب العدالة والتنمية وتراجع شعبيته، وفي هذا الإطار أشارت المجموعة المستقلة لأبحاث التضخم في تركيا أن معدل التضخم السنوي في تركيا وصل إلى 142% في مارس 2022، وهو أكثر من ضعف الرقم الرسمي الذي أصدرته الجهات الحكومية، وارتفعت أسعار الغاز بمعدلات قياسية جعلت الكثير من الأسر غير قادرة على سداد فواتيرها، وتصل نسبة البطالة رسميًا إلى أكثر من 10%.

وحسب نفس مجموعة الأبحاث، فإنه مع زيادة معدلات الفقر والتضخم والبطالة تزداد حالة الاستقطاب المجتمعي في مجتمع يعاني من الأساس من حالة من الطبقية – وتعد هذه النقطة من النقاط الأساسية التي تعتمد عليها المعارضة التركية عن طريق الترويج لبرامج الحماية الاجتماعية وشمولها لأعداد أكبر وما يتطلبه ذلك من نظام برلماني قوي.

وبصرف النظر عن مستويات الدخل، يصوّت معظم المواطنين المتدينين المحافظين وبعض القوميين لحزب العدالة والتنمية ولحليفه حزب الحركة القومية، فيما يدعم المواطنون ذوو الأفكار العلمانية وأنماط الحياة الحديثة المعارضةَ التي يهيمن عليها حزب الشعب الجمهوري. ولكن أردوغان استطاع استباق تطلعات المعارضة بالإعلان عن برنامجه لعودة مليون لاجئ سوري إلى بلادهم؛ الأمر الذي يخفف من الضغط الاقتصادي في الداخل التركي، ويخفف من العدائية ضد اللاجئين السوريين.

ومن ثم، يرى محللون أن الانتخابات القادمة تشكل فرصة ذهبية للمعارضة للانقضاض على الحكم، وإن كانت الطريق لن تكون معبدة خصوصًا مع تأكيد أردوغان المستمر بأنه مصمم على الفوز، ولكن في حال أصر أوغلو على الترشح فقد يفوت الفرصة على المعارضة التي تقول بأن رجب طيب أردوغان سيلتهمه حيًا، مع توقعات بأن يستغل اردوغان الفرصة إذا وجدها مواتية ويدعو لانتخابات مبكرة في الخريف القادم مع دعوة لزيادة الأجور وتفويت الفرص على المعارضة.

إجمالًا، تتعدد الأسباب التي دفعت رجب طيب أردوغان إلى رفع غصن الزيتون والتغيير من سياساته الخارجية وذلك باختلاف الملفات- ولكن النظرة العامة توحي أن أردوغان وهو يقترب من نهاية فترته الرئاسية الحالية يعود إلى الشعارات التي رفعها حزبه الحاكم منذ عقود وهي تصفير المشاكل، ويبدو حتى الآن أن تطبيق هذه السياسة وإن كان متأخرًا سيحقق لتركيا بعض التقدم على الصعيد التقارب مع القوى الخارجية أو حتى على صعيد تحسين الأوضاع الداخلية، خصوصًا وقد ثبت قطعيًا أن سياسات أنقرة العدائية التي كانت في أوجها منذ عام 2011 لم تؤت ثمارًا حتى الآن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى