دول المشرق العربي

مؤشرات من انتخاب المغتربين.. قراءة في النتائج المتوقعة للانتخابات اللبنانية

بدأت معركة الانتخابات التشريعية في لبنان في مرحلتها الأولى المتمثلة في تصويت اللبنانيين المغتربين يومي 6 و8 مايو الجاري. وذلك بعد فترة طويلة من الشد والجذب بشأن إتمام هذه الانتخابات من عدمه، ورغبة بعض الأطراف في النخبة اللبنانية الحاكمة في تأجيلها بدوافع وأسباب متعددة. وقد بلغت النسب الأولية لتصويت المغتربين خلال اليومين ما يناهز 60% من إجمالي المسجلين في قوائم الانتخابات. ورغم أن إعلان نتائج المغتربين لن يكون في توقيت منفصل عن إعلان النتائج النهائية للانتخابات المقرر إجراء مرحلتها الثانية والنهائية يوم 15 مايو الجاري للبنانيين في الداخل، إلا أن جملة من المؤشرات والدلالات يمكن الخروج بها من إتمام المعترك الانتخابي في الخارج.

مؤشرات دالة

أُجريت المرحلة الأولى من تصويت اللبنانيين المغتربين يوم 6 مايو الجاري وذلك في 10 دول هي مصر والسعودية والكويت والبحرين والأردن وقطر والعراق وعمان وسوريا وإيران. وقد قُدّر عدد المغتربين المسجلين في لوائح الانتخابات في الدول العشر بنحو 30,929 ناخبًا، أدلى 18,225 فقط منهم بأصواتهم، بنسبة حوالي 59%. فيما جرت المرحلة الثانية من تصويت المغتربين يوم 8 مايو الجاري في 48 دولة أبرزها الولايات المتحدة وكندا وأستراليا والبرازيل والإمارات ودول الاتحاد الأوروبي. وقد قُدّر إجمالي عدد المغتربين المسجلين في لوائح الانتخابات بنحو 225,624 ناخبًا، أدلى نحو 130.000 ناخب منهم بأصواتهم، بنسبة تناهز 60% حسب التقديرات الأولية لوزارة الخارجية اللبنانية. وفي ذلك يمكن الوقوف على بعض الإشارات والدلالات:

إقبال دون المتوقع

دفعت الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة التي يعيشها لبنان من سنوات، وزادت حدتها خلال السنوات الثلاث الأخيرة مئات الآلاف من اللبنانيين إلى الهجرة، بشكل باتت معه تقديرات أعداد اللبنانيين المغتربين تشير إلى الملايين. وقد شهدت هذه الانتخابات إقبالًا غير مسبوق من جانب المغتربين لتسجيل أسمائهم للتصويت في الانتخابات، ليصبح نحو 225.624 بدلًا من 82.965 سجلوا أسماءهم في انتخابات عام 2018 التي كانت أول انتخابات يُتاح فيها للمغتربين التصويت.

أعطى هذا الإقبال غير المسبوق على التسجيل إشارة إلى أن إقبال هؤلاء المسجلين على التصويت في الانتخابات سيكون تاريخيًا، وسيكون انعكاسًا لما شهده لبنان من أزمات على كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت في حد ذاتها سببًا مهمًا من أسباب هجرتهم. وبينما يمثل عدد المغتربين المصوتين المقدر بنحو 130.000 مصوت أكثر بنحو ثلاثة أضعاف من عدد المصوتين في انتخابات 2018 والمقدر بنحو 46.799 مصوتًا، إلا أن هذا الرقم يمكن أن يُنظر إليه بوصفه انخفاضًا في التصويت من جهتين.

الجهة الأولى هي ضعف هذا الرقم الإجمالي للمصوتين بالنسبة إلى إجمالي اللبنانيين المغتربين الذين تُقدر أعدادهم بالملايين كما سبقت الإشارة. أما الجهة الثانية فهي أن الإقبال الكبير على التسجيل للتصويت يعكس في حد ذاته رغبة كبيرة من جانب هؤلاء المغتربين في المشاركة السياسية لإحداث تغيير، ولكن بقيت نسبة التصويت الإجمالية التي بلغت نحو58% مقاربة لنسبة انتخابات 2018 التي بلغت نحو 56%، بما يمكن قراءته بأن المدة الزمنية الفاصلة بين تسجيل الأسماء للتصويت الذي انتهى في 20 نوفمبر 2021 وعقد الانتخابات في 6 و8 مايو الجاري شهدت تبددًا لآمال قطاع واسع من هؤلاء المغتربين في إحداث التغيير المنشود.

إقبال شيعي لافت

في ضوء هذه النسب التصويتية التي يمكن النظر إليها بوصفها منخفضة، كان هناك إقبال كبير على التصويت في الدول والمدن المعروفة بوجود حاضنة شيعية كبيرة بها، وتحديدًا الموالية للثنائي الشيعي (حزب الله-حركة أمل). فقد أظهرت النتائج الأولية التي أعلنتها الخارجية اللبنانية أن نسبة التصويت الأعلى في انتخابات المغتربين كانت في سوريا بـ84% ثم إيران بـ74%. فيما تراوحت نسب الإقبال في بقية البلدان بين 40 و60%. 

وهذا الأمر يعطي إشارة واضحة إلى النجاح الذي يحققه الثنائي الشيعي وتحديدًا حزب الله في حشد القواعد الانتخابية، لا سيّما مع ورود تقارير حول إعداده استراتيجية انتخابية تخص مقاتليه الموجودين في سوريا، لحشدهم للتصويت سواء داخل سوريا، أو إعادة بعضهم إلى دوائرهم الانتخابية في لبنان من أجل التصويت. 

انعكاسات على انتخابات الداخل

يتوجه غدًا الأحد 15 مايو الجاري أكثر من ثلاثة ملايين ناخب لبناني إلى صناديق الاقتراع لاختيار مرشحيهم من بين 708 مرشحين مسجلين في 103 لوائح في 15 دائرة انتخابية مقسمة إلى 26 منطقة فرعية. وذلك وفق نظام انتخابي طائفي نسبي؛ إذ تنقسم مقاعد البرلمان الـ128 طائفيًا إلى 34 مقعدًا للموارنة و27 مقعدًا للسنة و27 مقعدًا للشيعة و14 مقعدًا للروم الأرثوذكس و8 مقاعد للروم الكاثوليك و8 مقاعد للدروز و5 مقاعد للأرمن الأرثوذكس ومقعدين للعلويين ومقعد لكل من الإنجيليين والأرمن الكاثوليك وبقية الأقليات. ويكون الناخب مطالبًا باختيار لائحة انتخابية واحدة ومرشحين تفضيليين حسب عدد مقاعد طائفته في الدائرة من داخل نفس اللائحة. وبعد ذلك يتم احتساب النتائج وفقًا لقواعد الحاصل الانتخابي. وبناء على هذه المعطيات يمكن الوقوف على بعض ملامح هذا التصويت في الغد.

تدني نسب الإقبال

يعيش لبنان واقعًا اقتصاديًا ومعيشيًا مترديًا، وهو ما يمثل واقعًا ضاغطًا على اللبنانيين، وظل ظروف معيشية صعبة للغاية يصير الإقبال الشعبي على الانتخابات في أدنى توقعاته؛ إذ أُفرغت مطالب اللبنانيين في حراكهم الشعبي من مضمونها وأصبح شاغلهم الرئيس هو تدبير احتياجاتهم الأساسية، وأضحى الهم السياسي أو المطالبة بإصلاح سياسي أمرًا ثانويًا إذا ما قورن بالتحديات المعيشية التي يواجهونها.

وبالإضافة إلى ذلك، يبرز عامل مهم يدفع بانخفاض نسب التصويت عن الانتخابات الأخيرة التي بلغت فيها نحو 50%، ألا وهو التشرذم الحاصل في الطائفة السياسية السنية، ودعوات رئيس الوزراء الأسبق وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري الناخبين السنة إلى مقاطعة الانتخابات، فضلًا عن مقاطعة القيادات السنية التقليدية المتمثلة في رؤساء الوزراء السابقين سعد الحريري وتمام سلام وفؤاد السنيورة ورئيس الوزراء الحالي نجيب ميقاتي لهذه الانتخابات. وهو ما قد يؤدي إلى تراجع في إقبال السنة على الاقتراع.

تصويت تقليدي

صوّت نحو 90% من الناخبين المغتربين في انتخابات 2018 للقوى السياسية التقليدية، وذلك لعدة عوامل من أهمها أن التدهور الحاد الذي يعيشه لبنان الآن لم يكن بنفس الوتيرة عام 2018، فضلًا عن عدم وجود قوى أخرى يمكن التعويل عليها أو التصويت تمثل معارضة للقوى التقليدية. والآن ومع اندلاع الحراك الشعبي في أكتوبر 2019، والتدهور الاقتصادي والمعيشي الحاد، وبروز قوى معارضة أو تغييرية؛ من المرجح ألا تكون هذه النسبة كما هي في تصويت المغتربين، ولكنها في الوقت ذاته لن تعكس تصويتًا عقابيًا ضخمًا للقوى التقليدية رغم تحرر المغتربين من قيود وضغوط كثيرة تُفرض على ناخبي الداخل؛ بالنظر إلى تراجع نسب الإقبال العامة، وارتفاعها في معاقل حزب الله.

أما في الداخل اللبناني، فإن المعطيات تتجه إلى أن التصويت سيكون تقليديًا نسبيًا، وذلك لعدة عوامل، من أهمها الضغوط الكبيرة التي تفرض على الناخبين اقتصاديًا ومعيشيًا، فضلًا عن استخدام بعض القوى للترهيب والتحريض ضد المرشحين والناخبين على حد سواء تارة والترغيب المدفوع بالمال السياسي والمساعدات بالغذاء والوقود تارة أخرى، مما يمنح القوى التقليدية وخاصة حزب الله ميزة كبيرة على حساب قوى التغيير التي رغم دفعها بأعداد كبيرة من المرشحين فإنها تعاني تشرذمًا وتشتتًا كبيرًا قد يضعف من فرصها في الحصول على كتلة وازنة داخل البرلمان.

إجمالًا، في التقدير أن الانتخابات التشريعية اللبنانية التي تبدأ مرحلتها الأساسية يوم غد 15 مايو الجاري من المرجح ألا تحمل تغييرًا كبيرًا في الأوزان النسبية للكتل والقوى السياسية داخل البرلمان، وأن تكرس التوازنات القائمة بأغلبية للتحالف القائم بين حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر، رغم احتمالات تراجع عدد المقاعد التي سيحصل عليها التيار لصالح مرشحين مسيحيين آخرين من حزب القوات اللبنانية وغيره، فضلًا عن احتمالات حصول هذا التحالف على بعض المقاعد السنية والدرزية استغلالًا للتشرذم الحادث داخل الطائفة السنية وضعف واقع تحالفات الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى