القضية الفلسطينيةإسرائيل

مقتل شيرين أبو عاقلة.. التفاصيل وردود الفعل والتداعيات

جاء مقتل الصحفية الفلسطينية «شيرين أبو عاقلة»، صباح اليوم، بمثابة قنبلة أُلقيت في جميع الأنحاء، غضبًا في الداخل الفلسطيني جعل الأوضاع أكثر اشتعالًا، وتوترًا لدى المنظومة الإسرائيلية التي أدركت الآن أنها وقعت في خطأ كبير له تداعيات على جميع المستويات سواء من الفلسطينيين الذين سيكون لهم بالتأكيد رد فعل يتجاوز العمليات الهجومية التي يشهدها الداخل الإسرائيلي، أو على المستوى الدولي وخصوصًا أن الصحفية التي قُتلت تحمل الجنسية الأمريكية وتعمل لدى قناة «الجزيرة» القطرية، وعملت لدى عدة وكالات أنباء كمراسلة.

تفاصيل الحادث

في الأيام الأخيرة اتخذت السلطات الإسرائيلية قرارات لزيادة الضغط على الفلسطينيين بسبب العمليات التي شهدها الداخل الإسرائيلي، وفي إطار ذلك شهدت الأراضي الفلسطينية المُحتلة مداهمات وعمليات اعتقال واغتيالات بشكل يومي من قبل القوات الإسرائيلية، إلا أنه يبدو أن الجيش الإسرائيلي لم يدرس الأمور جيدًا قبل هذه العمليات التي تسببت في قتل الصحفية الفلسطينية، الأمر الذي تسبب في صدى واسع على الصعيدين الإقليمي والدولي.

بدأ الأمر باقتحام القوات الإسرائيلية لمخيم جنين ومحاصرة أحد المنازل وسط اشتباكات عنيفة مع مسلحين، ووردت أنباء في البداية عن إصابة اثنين من الصحفيين بشكل خطير بعد استهدافهم من قبل الجيش الإسرائيلي.

لاحقًا، ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية أن مراسلة الجزيرة «شيرين أبو عاقلة» أصيبت برصاصة حية في الرأس وذكرت أن وضعها كان حرجًا للغاية، بالإضافة إلى الصحفي الفلسطيني علي السمودي الذي أصيب أيضًا برصاصة حية في الظهر ووضعه فيما كان مستقر، ليتم الإعلان بعد ذلك عن استشهاد الصحفية الفلسطينية التي تحمل أيضًا الجنسية الأمريكية.

ردود فعل غاضبة

بمجرد الإعلان عن الحادث، وردت ردود فعل غاضبة سواء كانت من المؤسسات الفلسطينية أو من مختلف الدول على المستوى الإقليمي والعالمي، حيث حمّل الرئيس الفلسطيني محمود عباس القوات الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن وفاة مراسلة الجزيرة، وشددت الرئاسة الفلسطينية على أن جريمة إعدام الصحفية أبو عاقلة، وإصابة الصحفي علي السمودي، هي جزء من سياسة إسرائيل باستهداف الصحفيين لطمس الحقيقة وارتكاب الجرائم بصمت.

أماالنيابة العامة الفلسطينية فقالت إنها تباشر التحقيق في الجريمة من خلال نيابة الجرائم الدولية تمهيداً لإحالتها لمكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية، وذلك بعد وردت شهادات من زملاء الصحفية يقولون إنها استهدفت من قبل «قناص إسرائيلي».

وأدانت حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» بشدة، جريمة اغتيال الصحفية الفلسطينية، مؤكدة في بيان صدر عن مفوضية الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية أن هذا «الاغتيال الجبان هو جريمة حرب مكتملة الأركان هدفها قتل الحقيقة، والتغطية على جرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني» وفقًا للبيان.

وحمّلت فتح الحكومة الإسرائيلية ورئيسها نفتالي بينيت المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة، مشيرة إلى أن الشهيدة شيرين كانت ترتدي ملابس الصحفيين وشعارهم بكل وضوح، ولم تكن تمثل أي خطر على الجنود الإسرائيليين، مؤكدة أن هذه الجريمة لن تمر دون حساب.

كما أدانت حركة حماس بأشد العبارات قتل الصحفية الفلسطينية بالرصاص الحي في الرّأس، معتبرة إياها «جريمة اغتيال وقتل متعمّدة بحق شيرين أبو عاقلة، والصحفيين والإعلاميين كافة الذين ينقلون حقيقة الواقع والإرهاب الممنهج الذي يتعرّض له الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال» بحسب بيان.

وأكدت حماس أن «هذه الجريمة البشعة ضد الصحافة والكلمة الحرّة تضع العالم والمؤسسات الدولية كافة أمام مسؤولياتها في إدانة هذه الجريمة، ومحاسبة قيادات الاحتلال التي تجاوزت كل القيم، وتعدّت على الأعراف والقوانين الدولية كافة».

وعلى المستوى الدولي دعت السفارة الأمريكية في القدس إلى إجراء تحقيق في حادث مقتل أبو عاقلة وإصابة زميلها علي السمودي، وأكد السفير الأمريكي في إسرائيل على دعوته لتحقيق «جدي» في ملابسات مقتل الصحفية التي تحمل الجنسية الأمريكية. كما أشار السفير البريطاني في إسرائيل بالحزن العميق لمقتلها.

وأدانت جامعة الدول العربية الجريمة التي وصفتها بـ«البشعة»، وقالت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، إن «قوات الاحتلال تستهدف وأد صوت الحق والحقيقة وصوت الحرية والدفاع عن قضايا العدل والعدالة الإنسانية، وذلك من خلال العدوان المستمر والاستهداف المتواصل لمحافظة جنين وحرب الاحتلال المعلنة المتصاعدة على الشعب الفلسطيني»، مُحملة «حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة التي تستدعي المساءلة الدولية وملاحقة مرتكبيها أمام جهات العدالة الدولية المختصة بكل ما تمثله من أركان كجريمة حرب وانتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي».

كما أعربت بعثة الاتحاد الأوروبي في فلسطين عن «صدمتها» من مقتل الصحفية الفلسطينية داعية إلى «إجراء تحقيق سريع ومستقل لتقديم الجناة إلى العدالة»، مؤكدة «ضرورة ضمان سلامة وحماية الصحفيين».

وأعربت منظمة التعاون الإسلامي عن إدانتها للجريمة، مؤكدة أن ذلك «يشكل خرقاً واضحاً للقوانين والأعراف الدولية، ويستدعي التحقيق الفوري والمحاسبة»، وحملت إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة».

بالإضافة إلى ذلك، أدانت الهيئات والمؤسسات الصحفية حول العالم مقتل أبو عاقلة، مطالبة «بوقف استهداف الصحفيين»، حيث أعلنت العديد من المؤسسات الصحفية عن «تنفيذ وقفات احتجاجية اليوم ضد الجريمة الشنيعة».

محاولات تشكيك

في الوقت الذي يشهد العالم فيه غضبًا، خرجت السلطات الإسرائيلية مُشككة لرواية قتلها على يد الجنود الإسرائيليين، قائلة إن مسلحين فلسطينيين هم من يتحملوا مسؤولية قتلها، حيث صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت بأن «فلسطينيين مسلحين» يتحمّلون «على الأرجح» مسؤولية مقتل الصحفية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وذلك وفقًا لما ذكرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.

لاحقًا، قال الجيش الإسرائيلي في بيان إنه «خلال نشاط للجيش الإسرائيلي في مخيم جنين قام مسلحون باطلاق قذائف تجاه القوة العسكرية، حيث ردت عليهم بإطلاق، لا يوجد إصابات بين قواتنا، ويتم التحقيق في امكانية تعرض صحفيين لإطلاق نار قد يكون مصدره مسلحين فلسطينين.. يتم التحقق في الحادث”، في حين قالت قناة الجزيرة إن «شيرين قتلت بنيران الجيش الإسرائيلي خلال تغطيتها المواجهات في مخيم جنين».

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إن «إطلاق النار العشوائي» من قبل مسلحين فلسطينيين، اليوم الأربعاء، في مخيم جنين أدى إلى مقتل الصحفية شيرين أبو عاقلة، مضيفًا عبر حسابه على موقع التغريدات القصيرة «تويتر» أن إسرائيل عرضت إجراء تحقيق مشترك في مقتل الصحفية الفلسطينية.

أما عضو الكنيست عن القائمة المشتركة أحمد الطيبي دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن للتدخل في التحقيق في قضية الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، خصوصًا أنها تحمل الجنسية الأمريكية، وقال: «يجب على الولايات المتحدة فتح تحقيق مستقل في قضية استشهاد الصحفية الفلسطينية أبو عاقلة، لأنه لا يوجد تفسير في العالم لإطلاق النار المميت عليها أو على أي صحفي آخر»، مضيفًا: «شيرين أبو عاقلة كانت وجه الجزيرة تجاه العالم العربي، وهي نموذج أولي للصحفي الشجاع»، موضحا أن الجنود الإسرائيليين لا يأخذون في الحسبان وجود الصحفيين.

واكتفت وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي تشمل القنوات والصحف والمواقع الإلكترونية بتناول بيانات وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن ذلك الحادث في اتجاه واضح لدحض الرواية العربية على الرغم من ظهور شهادات ومقاطع فيديو توثق تلك الرواية.

ختامًا، من الواضح أن تشجيع القيادات الإسرائيلية في الأونة الأخيرة للجنود بالحزم الشديد في التعامل مع الفلسطينيين بسبب العمليات التي استهدفت في الداخل الإسرائيلي أتت بثمار عكسية بعد مقتل الصحفية الفلسطينية التي تسببت في إثارة غضب المجتمع الدولي بشكل عام والفلسطينيين بشكل خاص، والذين كانوا في الأساس يعانون من تضييق خناق زائد عن اللزوم في الأونة الأخيرة.

بناء على ذلك من المتوقع أن تشهد الأراضي المحتلة في الفترة المقبلة تصعيدًا شعبيًا بتشجيع من الفصائل الفلسطينية تجاه التصدي لقوات الاحتلال، ما يُنبئ بأن عملية اغتيال الصحفية الفلسطينية قد تتحول إلى نقطة تحول وبداية لانتفاضة فلسطينية جديدة قد تشهد العديد من الأحداث والمواجهات.

لتحقيق الهدوء على الساحة الفلسطينية في الفترة المقبلة، على المجتمع الدولي أن يتحرك لمراقبة الأمور وإجبار السلطات الإسرائيلية على تقديم تنازلات وتسهيلات للفلسطينيين وتخفيف القيود المفروضة لتضييق الخناق على الفلسطينيين والتي تم فرضها في إطار العمل على الحد من العمليات الهجومية التي تستهدف الداخل الإسرائيلي.

كما تعد مشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن في جنازة مراسلة الجزيرة بمثابة رسالة إلى المجتمع الدولي تجاه الممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وخصوصًا في الفترة الأخيرة.

بالتصفح في وسائل الإعلام الإسرائيلية، يتضح أن هناك اتجاهًا لمحاولات التشكيك ودحض الرواية العربية في اغتيال أبو عاقلة وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي سارت في الاتجاه ذاته الذي يبدو أنه لم يفلح بسبب الصدى الواسع الذي أخذه الحادث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى