أسواق وقضايا الطاقة

هل تنجح أمريكا في محاولات تقييد أوبك؟

الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال في مرحلة البحث عن بديل للغاز والنفط الروسي، في ظل العقوبات التي استهدفت موسكو ومصدر دخلها الرئيس؛ الغاز الطبيعي والنفط، بسبب استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، فيما تشهد أسعار النفط عالميًا ارتفاعًا غير مسبوق، بسبب اضطراب مبيعات النفط من روسيا، والتي تُعد ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية.

وأجج غلاء أسعار الطاقة عالميًا، الذي يرجع جزئيًا إلى الغزو الروسي على أوكرانيا، التضخم حول العالم. وفي وقت يواجه فيه الرئيس الأمريكي جو بايدن ضغوطًا لخفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي، والمقررة في نوفمبر من هذا العام، لكن محاولاته لإقناع الرياض بالتدخل لزيادة الإنتاج قوبلت بالرفض.

مقدمة

كارتل كلمة إنجليزية قديمة تعني وجود تكتل معين لعدد قليل من الشركات الكبرى وهذا التكتل يتحكم في سوق سلعة معينة، وبحيث يمنع دخول منافسين من جهة، ويتحكم في إنتاج وسعر السلعة من جهة أخرى؛ وبصفة عامة فمصطلح الكارتل هو عبارة عن مجموعة احتكارية تتحكم في السوق ولا يهمها إلا الربح على حساب الشعوب والقيم والبيئة. والكلمة سلبية عندما توصف بها أي مجموعة، وأصبحت أكثر سلبية بسبب وصف عصابات تهريب المخدرات العالمية خاصة في أمريكا اللاتينية بأن كل واحدة منها كارتل.

وإذا مرر الكونجرس الأميركي يومًا ما قانون لا أوبك والذي يقضي بمحاكمة دول أوبك وفقًا لقوانين محاربة الاحتكار الأمريكية، وتمت محاكمة دول أوبك، وثبت بطريقة ما أن هذه الدول تعاونت مع بعضها كون أوبك كارتل، وأنها سببت أذى للحكومة الأمريكية أو لأي مواطن أميركي، فإنه يحق للحكومة الأمريكية تجميد استثمارات وممتلكات هذه الدول داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وتعويض كل من تضرر من ارتفاع أسعار النفط بسبب الاحتكار ولابد لهذه الدول أن تحضر المحاكمات في هذه الحالة لتدافع عن نفسها وإلا قد يحكم عليها القضاة غيابيًا لصالح المدعي كما حصل مع إيران التي لم تدافع عن نفسها في قضية مرتبطة بحادثة سبتمبر الإرهابية، فحكم القاضي عليها بدفع ١١ مليار دولار، وقام المدعون بتحصيلها من الأموال الإيرانية المحتجزة لدى الحكومة الأمريكية.

مدخل

أزمة عالمية يشهدها قطاع النفط، ومخاوف من تأثر الإمدادات، وتوقف النفط والغاز الطبيعي، ووقوع الدول الكبرى في ظلام دامس، خاصة بعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي دفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية. وزادت العقوبات الاقتصادية التي فرضها حلف الناتو على موسكو، من تأجيج أزمة النفط والطاقة العالمية، والتي كانت قد بدأت في عام ٢٠٢١ جراء تأثرها بالتغيرات المناخية، إلا أن منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك قد زادت الأمر تعقيدًا، بعد سيطرتها على الإمدادات، مما أثار مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص في الوقت الذي يبحث فيه الاتحاد الأوروبي عن إيجاد بدائل وحلول للنفط والغاز الطبيعي الروسي، بعد وقف بوتين تصديره إلى بولندا وبلغاريا بلغاريا.

وفي ظل رفض أوبك بقيادة المملكة العربية السعودية ضغوط إدارة جو بايدن بزيادة معدلات الإنتاج، جاء إقرار لجنة بمجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون يتيح رفع دعاوى قضائية ضد منتجي النفط ليطرح تساؤلات بشأن تأثير القانون الذي فشل الكونغرس الأمريكي في تمريره لأكثر من ٢٠ عامًا.

ما هي أوبك؟ 

أوبك هو الاسم المختصر لمنظّمة الأقطار المصدّرة للنفط، بالإنجليزية OPEC، وهي نادٍ لمصدري النفط، مهمته تنسيق وتوحيد السياسات النفطية للدول الأعضاء؛ بهدف ضمان استقرار أسواق النفط عن طريق تأمين إمدادات نفطية كافية ومنتظمة وبتكاليف معقولة للمستهلكين، وضمان دخل مستمر للمنتجين، وعائد عادل على رأس المال للمستثمرين في صناعة النفط، وتتكون حاليًا من ١٣ عضوًا ومركزها فيينا؛ وتمتلك حوالي ٤٠٪ من الإنتاج العالمي للنفط، ونسبة حوالي ٧٠٪ من الاحتياطي العالمي.

وتعد أوبك المصدر الرئيس في التحكم في أسعار النفط العالمي، ومصدر الإزعاج للولايات المتحدة الأمريكية، لأن السوق الأمريكية سوق رئيسة للنفط الخام، بل تتحكم في التضخم العالمي لكثير من الدول؛ لعدم وجود بدائل كافية للطاقة حتى وقتنا هذا، ولذا زيادة تكلفة أي منتج تتأثر سلبًا بارتفاع أسعار النفط، ما يهدد العملة المحلية للبلدان المستهلكة لمصدر الطاقة الأساسي في جميع مناحي الحياة.

أما منظمة أوبك بلس فهي منظمة تجمع الدول المصدرة للبترول حيث تضم ١٣ عضوًا من أعضاء منظمة أوبك و١٠ من الدول المصدرة للنفط في العالم من خارج أوبك، وتهدف هذه المنظمة إلى إحكام السيطرة على سعر البترول وتنظيم المعروض من أجل مواجهة قدرة الدول الأخرى على إنتاج النفط والحد من سلطة منظمة أوبك في فرض سيطرتها على المعروض والسعر كذلك، وتُعد إن اتفاقية أوبك بلس هي إحدى الاتفاقيات التي تم توقيعها بهدف الوصول إلى تخفيض إنتاج البترول وتحسين أسعار النفط في الأسواق المحلية والعالمية بين الدول الأعضاء، وتم التوقيع على هذه الاتفاقية في نوفمبر من عام ٢٠١٦. ولقد عقدت المنظمة عدّة اجتماعات في السنوات الأخيرة من أجل إحكام السيطرة على سعر النفط.

والانتقال من أوبك إلى أوبك بلس لا يعكس فقط التغيرات الضخمة في أسواق النفط العالمية خلال السنوات القليلة الأخيرة، ولكن يعكس أيضًا تلاشي دور أوبك كمنظمة مع زيادة معدلات الإنتاج في روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والنرويج والبرازيل. وتلاشي دور أوبك لا يتفق مع كونها كارتل؛ لهذا فإن أوبك بحاجة إلى إعادة هيكلة لتتلاءم مع واقع أسواق النفط العالمية الحالية وصناعة النفط؛ واعتبارًا من فبراير عام ٢٠٢٢، وصل حجم إنتاج تحالف أوبك بلس إلى حوالي ٤٠٬۸۹٤ مليون برميل يوميًا.

بداية الحرب الأمريكية على أوبك

بدأ وصف أوبك بالاحتكار على نطاق واسع عالميًا، مع قيام عدة دول عربية بتبنّي المقاطعة النفطية أثناء حرب رمضان في شهر أكتوبر في عام ١٩٧٣، وهو وصف ساعد السياسيين الغربيين خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية كثيرًا؛ لأنه حول اللوم تلقائيًا من سياساتهم الفاشلة في مجال الطاقة، إلى أوبك.

 ورغم عدم وجود خبراء في مجال النفط وقتها، إلا خبير واحد اسمه موريس إديلمان، إلا أن الدعم الحكومي للبحوث حينها حول الباحثين من تخصصات أخرى إلى النفط؛ ما نتج عنه أمران، الأول وهو ظهور عدد كبير من الخبراء النفطيين بشكل مفاجئ من الذين ليس لديهم أي خبرات سابقة في مجال النفط، والثاني أن هؤلاء الخبراء والأكاديميين هم أول من أسس لهذا المجال، وبالتالي أصبحت كتاباتهم هي المؤصلة لكل ما أتى بعدها، فإذا اكتشف باحث في المستقبل أن الأساس باطل ولا قيمة له، فلا يمكنه نشر بحوثه، وقد يُحرم من الوظائف في المجال أيضًا، كما أن منظمة أوبك ودولها لم تدعم هؤلاء الباحثين، وهذا يفسر سبب عدم تطور مجال اقتصاديات النفط على مدى العقود الخمسة الماضية، مقارنة بغيره من التخصصات.

ومؤخرًا؛ عادت الولايات المتحدة الأمريكية للتلويح من جديد بقانون لا لأوبك، والذي من شأنه السماح لإقامة دعاوى قضائية ضد منظمة الدول المصدرة للنفط بتهمة الاحتكار، بعد أن فشلت مساعيها خلال المدة الماضية بإقناع دول المنظمة في زيادة معدلات إنتاج النفط من أجل ترويض الأسعار. وبصفة عامة ترى دول المنظمة أن زيادة أسعار النفط ناتجة عن التوترات السياسية، والعقوبات الغربية والتي تستهدف النفط الروسي، مطالبةً بإبعاد الخلافات السياسية عن أسواق النفط؛ من أجل تأمين الطاقة بأسعار مناسبة للجميع، وترى أنها تقوم بإدارة السوق بما فيها مصلحتها ومصلحة مستهلكي النفط، خاصة أن تاريخ صناع النفط اثبت أنها تحتاج إلى إدارة.

ما قصة مشروع قانون محاكمة أوبك؟

ظهرت مشروعات قوانين مماثلة للضغط على دول المنظمة عندما ترتفع أسعار النفط في الكونجرس دون نجاح منذ أكثر من ٢٠ عامًا، وكانت غرفتا الكونجرس قد وافقتا عام ٢٠٠٠ على نسخة من مشروع القانون قبل تجميده، بعد تصريحات للرئيس الأميركي حينها، جورج بوش، بأنه سيمارس حق النقض على التشريع. وتكرر الأمر نفسه في عهد الرئيس أوباما، الذي تجاهل مشروع القرار، بعد أن وصل إلى مكتبه للتوقيع عليه.؟

وقبل ٣ أعوام، عاد الحديث عن إحياء مشروع القانون في عهد إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، والذي واجه ضغوطًا كبيرة من بعض أعضاء الكونجرس، للتصعيد ضد المملكة العربية السعودية بسبب حرب أسعار النفط؛ ويستهدف المشروع تغيير قانون مكافحة الاحتكار الأمريكي، وجعل تقييد إنتاج النفط أو الغاز أو تحديد أسعارهما مخالفًا للقانون، إلا أن ترامب أقنعهم بتجاهل الأمر، رغم أنه أيد مشروع القرار سابقًا، وأفرد له مطلبًا كاملًا في كتابه والذي نشره في عام ٢٠١١.

تحركات إدارة بايدن

مشروع القانون، الذي رعاه الجمهوري تشاك جراسلي والديمقراطية إيمي كلوبوشار وآخرين، سيُنظر فيه، بينما تكافح إدارة جو بايدن للسيطرة على أسعار النفط والبنزين التي تصاعدت بسبب عدم اليقين بشأن إمدادات الخام العالمية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. ويمنح مشروع قانون لا لأوبك الخيار للنائب العامّ الأميركي لمقاضاة الدول المنتجة للنفط، مثل تلك الموجودة في منظمة البلدان المصدرة للنفط، بموجب قوانين مكافحة الاحتكار. وكانت اللجنة القضائية في مجلس النواب الأمريكي، قد أقرت نسخة مشابهة من المشروع في ٢٠ أبريل من عام ٢٠٢١، الذي قدمه النائب الجمهوري ستيف شابوه.

وفي هذا السياق، أقرت إحدى لجان مجلس الشيوخ الأمريكي، الخميس ٥ مايو، مشروع قانون يفتح الباب أمام رفع دعاوى قضائية ضد منتجي النفط في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) وحلفائها، بدعوى التآمر لرفع أسعار النفط؛ وحظي مشروع قانون (لا لتكتلات إنتاج وتصدير النفط)، والمعروف اختصارًا باسم نوبك، والذي يرعاه النائب الجمهوري تشاك جراسلي والنائبة الديمقراطية إيمي كلوبوشار وغيرهما، بتأييد حوالي ١٧ عضوًا في اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ، مقابل رفض أربعة، بحسب تقرير وكالة رويترز.

ويحتاج مشروع القانون لأن يقره مجلسا الشيوخ والنواب، ثم يوقعه الرئيس جو بايدن ليصبح قانونًا؛ وإذا أصبح نوبك قانونًا ساريًا فسيكون بمقدور وزير العدل الأمريكي مقاضاة أوبك أو أعضائها مثل المملكة العربية السعودية أمام محكمة اتحادية؛ وسيمكنه أيضًا من مقاضاة منتجين آخرين متحالفين مع أوبك مثل روسيا يعملون مع المنظمة على خفض الإمدادات، في إطار ما يُعرف باسم مجموعة أوبك بلس.

وهذه ليست المرة الأولى التي يسعى فيها الكونغرس لتمرير قانون نوبك، فعلى مدى أكثر من عقدين من الزمان كانت نسخ مختلفة من مشروع القانون تفشل في الحصول على مباركة الأغلبية في مجلس الشيوخ والنواب؛ والسبب الرئيس وراء فشل تمرير القانون طوال السنوات الماضية مرتبط بالمصالح السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقاتها الاستراتيجية مع كبار منتجي النفط في العالم، وبصفة خاصة المملكة العربية السعودية.

وبالتالي فإن التوترات التي تشوب علاقات الرياض وواشنطن حاليًا قد تلعب دورًا في احتمالية تمرير القانون تلك المرة؛ فضلًا عن أن قلق المشرعين الأمريكيين يتزايد من ارتفاع التضخم المدفوع بعض الشيء بأسعار البنزين داخل الولايات المتحدة الأمريكية، والذي سجل لفترة وجيزة مستوى قياسيًا فوق ٤٬٣٠ دولار للجالون. وفي ذلك السياق صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، من جانبها، قالت إن الإدارة الأمريكية لديها مخاوف من التداعيات المحتملة والعواقب غير المقصودة للتشريع، لا سيما في ظل العزو الروسي لأوكرانيا، وأضافت أن البيت الأبيض يدرس مشروع القانون.

لماذا نوبك من الأساس؟

هددت السعودية في عام ٢٠١۹ ببيع نفطها بعملات أخرى غير الدولار إذا ما أقرت واشنطن نسخة سابقة من نوبك، ومن شأن ذلك تقويض وضع الدولار كعملة الاحتياطي الرئيسة في العالم، ما يخفض من نفوذ واشنطن على التجارة العالمية، ويُضعف من قدرتها على فرض عقوبات على دول أخرى. وجاء تجاهل ولي العهد السعودي الرد على مكالمات بايدن نفسه مؤخرًا، واستقبال الرئيس الصيني استقبالًا حافلًا، والإعلان عن قرب توقيع اتفاق بين الرياض وبكين تدفع بموجبه الصين ثمن النفط السعودي باليوان وليس الدولار؛ ليزيد المخاوف من أن تكون الأمور هذه المرة تتجه بالفعل إلى نقطة اللاعودة لرمز الهيمنة الأمريكية؛ أي الدولار.

ويهدف قانون نوبك إلى حماية المستهلكين والشركات الأمريكية من الارتفاع المدبر في تكلفة البنزين، لكن بعض المحللين يحذرون من أن تنفيذه قد تكون له أيضًا بعض العواقب الخطيرة غير المقصودة، كما يعارض مشروع القانون معهد البترول الأمريكي، أكبر جماعة ضغط بقطاع النفط والغاز في الولايات المتحدة؛ وفي رسالة إلى زعماء اللجنة، قال المعهد إن نوبك قد يخلق مخاطر محتملة على المصالح الدبلوماسية والعسكرية والتجارية الأمريكية، بينما من المحتمل أن يكون له تأثير محدود على مخاوف السوق والتي تحرك التشريع؛ وحذر بعض المحللين من أن نوبك قد يضر في نهاية المطاف بشركات الطاقة والنفط المحلية، إذا ضغط على المملكة العربية السعودية وغيرها من أعضاء أوبك لإغراق الأسواق العالمية بالنفط، لأن تلك الدول تنتج النفط بتكلفة أقل بكثير من الشركات الأمريكية.

وإذا أُقِر المشروع بشكل نهائي، فإن من شأنه أن يُعرض دول أوبك لتهديد استثماراتها في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأخص المملكة العربية السعودية، والتي تقدر استثماراتها بحوالي أكثر من تريليون دولار داخل الولايات المتحدة. وعلى الجانب الآخر، ارتفعت أسعار النفط من خام برنت بنحو حوالي ١٪ فوق ١٠٦ دولارات للبرميل، بعد أن أظهرت وثيقة وزارة الاقتصاد الروسية أن إنتاج النفط الروسي قد ينخفض بنسبة تصل إلى حوالي ١٧٪ في عام نهاية عام ٢٠٢٢؛ ورفضت المملكة العربية السعودية، والتي تُعد أكبر منتج في أوبك، دعوات من قِبل واشنطن بأن تعزز إنتاج النفط بأكثر من الزيادات التدريجية التي وافقت عليها بصفتها عضوًا في مجموعة أوبك بلس والتي تضم روسيا.

ومن المحتمل أن يكون الهدف من وراء تمرير لجنة مجلس الشيوخ الأمريكي مشروع قانون نوبك نوعًا من أوراق الضغط على الدول المنتجة للنفط، وبالأخص المملكة العربية السعودية، بغرض زيادة معدلات الإنتاج والسيطرة على الأسعار، خصوصًا أن إدارة جو بايدن تواجه مأزقًا اقتصاديًا خطيرًا قبل أشهر من انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، والتي قد يفقد فيها الديمقراطيون أغلبيتهم الهشة لصالح الجمهوريين، مما يعني أن بايدن سيكون مقيد اليدين خلال ما تبقى من فترة رئاسته الأولى.

الوضع الحالي

أسعار النفط واصلت ارتفاعها للجلسة الثالثة على التوالي، متجاهلة المخاوف بشأن النمو الاقتصادي العالمي، خصوصًا في ظل عقوبات الاتحاد الأوروبي الوشيكة على النفط الروسي، والتي رفعت المخاوف من احتمال نقص المعروض؛ وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت ٢٬٠۸ دولار، أو ١٬۸۸٪، إلى ١١٢٬۹۸ دولار للبرميل، في حين قفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي دولارين أو ١٬۸٥٪ إلى ١١٠٬٦٥ دولار للبرميل؛ وبدا الخامان في طريقهما لتسجيل ارتفاع للأسبوع الثاني على التوالي، مدعومين باقتراح الاتحاد الأوروبي التخلص تدريجيًا من إمدادات النفط الخام الروسي في غضون ستة أشهر، والمنتجات المكررة بحلول نهاية العام الحالي، وحظر جميع خدمات الشحن والتأمين الخاصة بنقل النفط الروسي.

وتواصل الارتفاع على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي عدل خطته الخاصة بالعقوبات، في محاولة لكسب تأييد الدول المعارضة، وسيؤدي حظر الاتحاد الأوروبي الذي يلوح في الأفق على النفط الروسي إلى نقص حاد في الإمدادات.

وفي جميع الأحوال فإن أوبك بلس ليست في حالة مزاجية تدفعها للمساعدة، حتى مع ارتفاع أسعار الطاقة، بما يسفر عن مستويات ضارة من التضخم. وفي تجاهل لدعوات الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية لزيادة معدلات الإنتاج، التزمت مجموعة أوبك بلس، والتي تضم منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك وروسيا ومنتجين متحالفين، بخطتها لزيادة الإنتاج المستهدف، في يونيو من العام الحالي حوالي ٤٣٢ ألف برميل يوميًا.

لماذا ترفض أوبك بلس التدخل لضبط أسعار النفط عالميًا؟

تحتفظ المملكة العربية السعودية والأعضاء الآخرين في أوبك بلس بقدرة احتياطية كبيرة من النفط للحفاظ على استقرار الأسواق العالمية في مواجهة الانقطاعات أو اضطرابات السوق الأخرى، وتعتقد مجموعة أوبك بلس أن المخاطر الجيوسياسية الحالية في سوق النفط خارجة عن سيطرتها، ولأن الدب الروسي يُمثل عضوًا أساسيًا في هذا التحالف، فيجب الحفاظ على تماسك المجموعة من خلال عدم الانحراف عن خطط معدلات الإنتاج التي تم الاتفاق عليها مسبقًا.

وعلى الرغم من وصول خام برنت إلى مستويات قياسية جديدة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا تصر أوبك بلس على أنه لا يوجد نقص مادي في النفط يتطلب تغييرًا في السياسة العامة للتحالف؛ ويشير تقرير لوكالة تحليل بيانات الطاقة العالمية أن المخاطر الجيوسياسية تضيف ما يصل إلى ٢٠ دولارًا للبرميل إلى سعر النفط، ويزعم محللوها أن ضخ المزيد من الإمدادات في سوق شديد التوتر لن يفعل شيئًا لتغيير ذلك.

وأثار تقاعس أوبك بلس انتقادات من بعض الدول والحكومات والهيئات، واتهامات بأنها تدعم ارتفاع الأسعار لصالح المنتجين، بما في ذلك روسيا؛ وقال المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، الأسبوع الماضي، إن قرار أوبك بلس بالحفاظ على زيادة معدلات الإنتاج بزيادات متواضعة نسبيًا لا يمكن وصفه إلا في كلمة واحدة بأنه مخيب للآمال.

خلاصة القول؛ حاولت الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة على أوبك، وهي عصب النفط حول العالم، وأن تضعها تحت الضغط، لإثنائها على قرارات تخفيض معدلات الإنتاج أو الزيادة المحدودة. فالولايات المتحدة الأمريكية تريد من المملكة العربية السعودية والإمارات تحقيق مصالح أمريكا، دون النظر إلى مصالحهما، المملكة العربية السعودية والإمارات بوصفهما من الدول الأعضاء في الأوبك، لو غيروا من استراتيجية الأوبك وخطتها استجابة للولايات المتحدة الأمريكية سيتضررون كثيرًا. فمشكلة الدول الكبرى أنها تتصور أن جميع دول العالم أداة في يدها، وأنها ستنفذ أوامرها بصرف النظر عن مصالحها وأي أمور أخرى، لكن آن الأوان أن تختلف الأمور، فدول الخليج والدول العربية لديها مراكز القوى التي لا بد أن تحترم، ولديها مصالح لا بد أن توضع في الاعتبار، دون أي استخفاف، فما قامت به المملكة العربية السعودية والإمارات، يكتسب أهمية أكبر مع التكامل العربي، والتنسيق بين مواقف الدول العربية بشكل جيد، فلا بد من الحفاظ على استقلاليتها، واحترام مصالحها.

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى