تركياسوريا

ورقة غير مربحة… لماذا تسعى تركيا إلى إعادة توطين مليون لاجئ سوري؟

تعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتشجيع عودة مليون لاجئ سوري إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات التركية في شمال سوريا، وصرح في رسالة بالفيديو أذاعتها قناة تي آر تي التركية العامة يوم 3 مايو خلال مراسم تسليم مفاتيح 57 ألف منزل بنتها تركيا للعائلات السورية في إدلب جنوب غرب، قائلًا “نعد مشروعًا لضمان العودة الطوعية لمليون من إخوتنا وأخواتنا السوريين الذين نستقبلهم الآن”، لافتًا إلى أن العائدين سيستقرون في 13 منطقة في أعزاز والباب وجرابلس شمال وشمال شرق حلب، وكذلك في رأس العين وتل أبيض شرقي الفرات بالتعاون مع التجمعات المحلية، وهي مناطق خاضعة لسيطرة القوات التركية أو الميليشيات المحلية المتحالفة معها.

وأشار أردوغان إلى أنه تم الانتهاء من أكثر من 57 ألف منزل من أصل 77 ألف منزل مخطط لها في محافظة إدلب وهي تضم الآن 50 ألف أسرة، لافتًا إلى أن هذا العدد سيرتفع في المستقبل إلى 100 ألف منزل، وسيبدأ مشروع جديد لبناء منازل كافية لمليون لاجئ سوري إضافي للانتقال إلى أجزاء أخرى من شمال سوريا، وسيوفر المشروع المدارس والمستشفيات وجميع احتياجات الحياة اليومية والبنية التحتية الاقتصادية ذات الاكتفاء الذاتي من الزراعة إلى الصناعة.

وكشف صحيفة صباح التركية عن مراحل المشروع الثماني، حيث تتعلق مرحلته الأولى بعودة اللاجئين “الطوعية” من المدن التركية الكبرى المزدحمة بالسوريين مثل إسطنبول وأنقرة وقونية وأضنة وغازي عنتاب، وتشمل المرحلة الثانية العودة إلى المناطق التي تضمن الاستقرار العسكري والسياسي والأمني ​​للاجئين في شمال سوريا بالتعاون مع 13 مجلسًا محليًا سوريًا وبمشاركة هيئة إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد”، وتقوم المرحلة الثالثة على التنسيق بين  إدارة الكوارث والطوارئ و12 منظمة مجتمع مدني مثل هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات والهلال الأحمر التركي وإنشاء مساحات جديدة لبناء المنازل والمرافق العامة والبنية التحتية.

ثم تأتي المرحلتان الرابعة والخامسة استكمالًا لأعمال المرحلة الثالثة، لتشهد إنشاء مناطق تجارية كالمناطق الصناعية الصغيرة والمتاجر والأسواق، وبناء المدارس والمستشفيات والمساجد، وتوفير فرص عمل جديدة. وتتضمن المرحلة السادسة توفير دورات مهنية لتعليم الحرف، وتنظيم ورش عمل مهنية، وتقديم قروض صغيرة لتمكين اللاجئين السوريين من العمل. وتختص المرحلة السابعة بتفعيل برامج إعادة التأهيل والدعم النفسي. وأخيرًا تشهد المرحلة الثامنة تقديم طلبات الدعم من قبل هيئات التمويل المحلية أو الدولية، بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ومن غير الواضح عدد اللاجئين الذين عادوا إلى سوريا حتى الآن، فبينما تطرح تركيا رقم 500 ألف لاجئ، أفاد متحدث باسم وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة بتسجيل نحو 130 ألف حالة عودة طوعية منذ عام 2016.

تحول نوعي

ارتبطت قضية اللاجئين السوريين بسياسة أنقرة تجاه سوريا منذ عام 2011 التي نظرت إلى اللاجئين بوصفهم ورقة رابحة تُظهر قوة تركيا ومكانتها على الساحة الدولية، وتؤمّن تدفقات مالية دولية وأوروبية لها، وتعزز نفوذها على الاتحاد الأوروبي لاسيّما عندما يتعلق الأمر بتلافي الانتقادات الأوروبية لانتهاكات حقوق الإنسان وانهيار الديمقراطية في ظل حكم حزب العدالة والتنمية عبر التهديد بفتح الباب أمام ملايين اللاجئين الراغبين في العبور لدول الاتحاد. 

وانطلاقًا من تلك الرؤية، تبنت تركيا سياسة “الباب المفتوح”، وركزت استجابتها الأولية لتدفق اللاجئين السوريين على تقديم المساعدات الإنسانية وإنشاء مخيمات للاجئين في المحافظات الحدودية، وتزويدها بالمنشآت الخدمية كالمدارس الابتدائية والثانوية والمراكز المجتمعية والملاعب ومحلات “السوبر ماركت”، وحصل اللاجئون على بطاقات نقدية وبدل شهري. 

وبفضل تلك السياسة، باتت تركيا موطنًا لـ 15% من سكان العالم من اللاجئين باستضافتها نحو 5 ملايين لاجئ وفق تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يشكل السوريون نحو 3.75 مليون، بقي منهم حوالي 50 ألف في المخيمات، بينما استقرت الغالبية العظمى داخل المدن والبلدات بجميع أنحاء البلاد بما في ذلك المدن البعيدة عن سوريا والواقعة على ساحل البحر الأسود، فضلًا عن إسطنبول والمحافظات الجنوبية، مشكلين مجتمعات منفصلة ناطقة بالعربية، وأنشأوا شركات، ووجد نحو مليون منهم وظائف منخفضة الأجر.

وبينما أظهر المجتمع التركي مرونة كبيرة في استيعاب اللاجئين بفضل خطاب “التضامن الإسلامي” (دفع حزب العدالة والتنمية بفكرة أن على المواطنين الأتراك مساعدة الإخوة والأخوات المسلمين السنة الهاربين من استبداد النظام السوري العلوي) الذي تبناه أردوغان لأول مرة في 11 مايو 2013 عقب حادثة تفجير سيارتين مفخختين أسفرت عن مقتل 51 شخصًا في بلدة ريحانية التركية الواقعة على الحدود السورية، والتي تشكل نقطة دخول اللاجئين السوريين، حيث ألقى الأتراك باللوم على اللاجئين في القصف بينما اتهمت الحكومة النظام السوري.

وروج الرئيس التركي أردوغان لرواية “اتحاد سني إسلامي أخوي بين الأتراك والسوريين”. لكن سرعان ما نمت التصورات العامة السلبية تجاه اللاجئين بشكل ملحوظ، وباتت قضية اللاجئين السوريين أحد الملفات الإشكالية بالنسبة للنظام التركي؛ إذ يتم إلقاء اللوم عليهم بشكل متزايد في العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد، بوصفهم منافسين على المساعدة الحكومية، وعبئًا اقتصاديًا، وتهديدًا أمنيًا، وخطرًا على التركيبة العرقية للبلاد. 

ويشكل إعلان أردوغان البدء في مخطط إعادة اللاجئين السوريين تحولًا جذريًا عن موقفه عام 2019 عندما قال إن بلاده لن تعيد السوريين الفارين من “البراميل المتفجرة”، مهددًا أوروبا بإطلاق 3.7 مليون لاجئ باتجاه دول الاتحاد إذا وصفت بروكسل التوغل العسكري للبلاد في سوريا بأنه احتلال.  وفي مارس 2022، تعهد أردوغان مرة أخرى بعدم إعادة السوريين، منتقدًا أحزاب المعارضة بسبب سياساتها المتعلقة بالهجرة. 

لكن اللهجة الخطابية الرسمية تجاه اللاجئين شهدت تحولًا قبل عطلة عيد الفطر عندما قال وزير الداخلية سليمان صويلو في 22 أبريل خلال مقابلة تلفزيونية إن السوريين الراغبين في العودة إلى تركيا بعد زيارة منازلهم لقضاء العطلات لن يُسمح لهم بالعودة، وتكرر التصريح من جانب زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي حليف حزب العدالة والتنمية الذي قال إن السوريين الذين يعتزمون زيارة منازلهم لقضاء الإجازات يجب ألا يعودوا، ويجب ترحيل أولئك الذين تم ضبطهم وهم يعبرون الحدود إلى تركيا بشكل غير قانوني، فيما تنطبق الإعفاءات فقط على أولئك الذين لديهم إذن رسمي لحضور المناسبات الخاصة.  وفي وقت سابق من شهر فبراير الماضي أغلقت تركيا 16 مقاطعة أمام الوافدين الجدد من المقيمين الأجانب بمن فيهم اللاجئين، وقررت نقل السوريين من المناطق التي يشكلون فيها أكثر من 25% من السكان.

وتشير التقديرات إلى أن العودة المقررة لا يُمكن وصفها بالعودة الآمنة الطوعية مثلما يروج المسؤولون الأتراك، وإنما هي قسرية بالنظر إلى رفض الغالبية العظمى من اللاجئين العودة إلى سوريا حيث الحرب لاتزال مستمرة في ظل استبعاد تسوية سياسية شاملة قريبًا، والأوضاع الأمنية غير المستقرة في الشمال السوري، والظروف الاقتصادية الضاغطة؛ فوفقًا لآخر مسح أجرته مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 2020، قال 78% من المهاجرين السوريين إنهم لم يرغبوا في العودة إلى بلادهم تحت أي ظرف من الظروف. 

محفزات متعددة

تشير الخطوات والتصريحات الأخيرة للمسؤولين الأتراك إلى إجراء بعض التعديلات على سياسة أنقرة استجابة للمتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، والتي يُمكن استعراضها تاليًا:

• تغيير التركيبة الديموغرافية للشمال السوري: لا يخلو مخطط إعادة توطين اللاجئين من أبعاد سياسية وأمنية أوسع تتصل بالاستراتيجية التركية طويلة الأمد في سوريا، والهادفة إلى تأسيس وجود دائم شمال سوريا وإنشاء مناطق حكم ذاتي من العرب السنة والتركمان على طول المنطقة الشمالية للبلاد؛ بحيث يُنشأ ممر عربي سُني يربط تركيا بمحافظة حلب السورية لمنع إقامة كيان كردي موحد، وعزل مناطق تمركز الأكراد شرق الفرات عن امتداداتها العرقية داخل تركيا. فتشكل تلك الخطوة تهديدًا حقيقيًا للديموغرافيا السورية الشمالية الواقعة تحت السيطرة التركية؛ كون هؤلاء اللاجئين ليسوا من السكان الأصليين للمناطق المستهدفة المذكورة في الخطة التي ستخضع لتغيير ديموغرافي، وستكون بمثابة خط دفاعي على طول الحدود الجنوبية لتركيا.

• تصاعد المشاعر الشعبية المُعادية للمهاجرين: تعرضت سياسة الباب المفتوح التركية لانتقادات شعبية كبيرة على مدى السنوات القليلة الماضية، عكستها استطلاعات الرأي المختلفة وكان أحدثها مسح أجرته مؤسسة الديمقراطية الاجتماعية (SODEV) في فبراير، أظهر أن حوالي 65% من الأتراك يحبذون عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم بما يتماشى مع النظرة السلبية طويلة الأمد للأتراك حول اندماج اللاجئين السوريين في البلاد، ويعتقد 45.5% من المبحوثين أن اللاجئين السوريين أناس خطيرون وسيخلقون مشاكل في المستقبل، بينما يرى 41.7% منهم أن اللاجئين يشكلون عبئًا على الدولة، وأعرب 55% من المشاركين عن عدم رغبتهم في وجود جار سوري.

وتُرجمت تلك النسب إلى خطاب مناهض للاجئين ومشاعر كراهية ضد السوريين، وجعلتهم هدفًا للعديد من الهجمات العنيفة والقتل خلال السنوات الأخيرة، كان أشدها خلال الصيف الماضي الذي شهد موجة من العنف الطائفي في مدن كبيرة مثل إسطنبول وأنقرة حيث تعرضت الشركات واللاجئون السوريون للهجوم. 

وتجلت أحدث مشاهدها في مقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي يوم 3 مايو، مدته تسع دقائق ويحمل عنوان “الاحتلال الصامت” تم إنتاجه بتكليف من أوميت أوزداغ عضو البرلمان اليميني المتطرف المعروف بخطابه الحاد المناهض للاجئين. ويصور المقطع تركيا عام 2043 وقد فاز حزب سوري في الانتخابات العامة ورئيسه يعلن اللغة العربية اللغة الرسمية لتركيا، بينما تتعرض الأقلية التركية للقمع والتمييز والعنف، ويتم طرد الأتراك من أحيائهم من قبل وكلاء عقارات عرب.

ويظهر الفيديو معظم الشباب الأتراك عاطلين عن العمل وقد شغل السوريون الوظائف ذات الأجور المرتفعة بينما يعمل الأتراك في وظائف متدنية، وتُظهر أحد المشاهد شابًا تركيًا يعمل عامل نظافة في مستشفى يسأل والديه “كيف يمكنك ترك ذلك يحدث على الرغم من تحذيرك مرارًا وتكرارًا من أن السوريين كانوا ينفذون غزوًا صامتًا؟”. وقد حظي المقطع بانتشار واسع النطاق؛ إذ شُوهد أكثر من 3.5 مليون مرة بحلول 6 مايو.

وينطوي العداء الشعبي للاجئين السوريين في أحد أبعاده على أسباب أيديولوجية وقومية؛ إذ تُظهر استطلاعات الرأي رفض منح الجنسية للسوريين لسبيين رئيسين: الأول الخشية من إخفاء العناصر الإرهابية لهويتها والاستقرار داخل تركيا والاحتماء بمسمى لاجئ، والثاني الاعتقاد بأن حزب العدالة والتنمية يتطلع للحصول على ميزة تصويتية خلال استحقاقات عام 2023 بتحويل المهاجرين إلى ناخبين. 

• سحب ورقة اللاجئين من أيدي المعارضة: تستخدم أحزاب المعارضة قضية اللاجئين كورقة رابحة من أجل تحقيق مكاسب سياسية وكسب المزيد من الأصوات في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التركية المقبلة، بما يهدد حظوظ أردوغان وحزب العدالة والتنمية، لاسيّما أن دولت بهتشلي زعيم حزب الحركة القومية الحليف الرئيس للعدالة والتنمية في الائتلاف الحكومي الحاكم وصف الهجرة غير المنضبطة بالاحتلال الواجب منعه، علاوة على وعد كمال كيليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي بإعادة جميع اللاجئين السوريين في غضون عامين إذا تم انتخابه لتولي السلطة في انتخابات العام المقبل.

ويسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بخطته إلى تفويت الفرصة على أحزاب المعارضة للاستثمار في الغضب الشعبي ضد اللاجئين خلال حملاتهم الانتخابية، في ظل تعدد وتعقد الملفات الداخلية والخارجية التي تمثل تهديدًا لشعبية حزب العدالة والتنمية.

• تراجع القدرة على توظيف ورقة اللاجئين لجني مكاسب دولية: تحمل قضية اللاجئين السوريين بُعدًا دوليًا يتصل بالاتفاق التركي مع الاتحاد الأوروبي لعام 2016؛ إذ سعى أردوغان إلى توظيف الأصوات القومية الرافضة لوجود اللاجئين في تركيا كورقة ضغط على الغرب لمواصلة تقديم المساعدات المالية، لكن هذه الورقة لم تعد مفيدة بالنظر لتداعيات الحرب الأوكرانية وتراجع أهمية قضايا الشرق الأوسط على الأجندة الأوروبية، بل ستلعب تداعياتها الإقليمية التي تجلى أحد أوجهها في الاتجاه التصالحي العربي مع النظام السوري دورًا في تشكيل سياسة تركيا تجاه اللاجئين، إذ قد تدفع إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية دولًا مثل لبنان والأردن وتركيا، وهي ثلاث دول مجاورة تستضيف أكبر عدد من اللاجئين، للانخراط في جهود إعادة اللاجئين إلى أوطانهم.

• تخفيف الأعباء الاقتصادية: يعيش الغالبية العظمى من سكان تركيا في ظل أوضاع اقتصادية متردية يجسدها ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتفاقم الفقر، يعززها تداعيات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية اللتين تسببتا في تعطل سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة. ويعتقد الأتراك أن اللاجئين يشكلون عبئًا إضافيًا على الموارد التركية، ويحصلون على خدمات تعليمية وصحية مجانية من أموالهم؛ فقد أنفقت أنقرة حوالي 100 مليار دولار على الإسكان والرعاية الطبية والتعليم للسوريين. 

وسيؤدي الانكماش الاقتصادي إلى تعزيز المشاعر المعادية للاجئين في البلاد، وبالأخص في المناطق ذات الدخل المنخفض التي تشكل العمود الفقري لقاعدة حزب العدالة والتنمية. ولعل الاحتجاجات التي اندلعت خلال يناير وفبراير الماضيين كانت تعبيرات أولية عن الاضطرابات الاجتماعية المتزايدة.

ختامًا، لا يتوقع نجاح أردوغان في بلوغ هدف المليون سوري في الأجل القريب في ظل استمرار رفض السوريين العودة طوعًا، وستظل مسألة اللاجئين السوريين موضوعًا حيويًا مطروحًا للسجال على الساحة السياسية خلال الأشهر القادمة ولحين إتمام الاستحقاقات الانتخابية لعام 2023 والتي ستحمل نتائجها أيضًا تداعيات على قضية اللاجئين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى