مصر

زواج الأطفال: مسلسل مستمر أبطاله ضعف الوعي وغياب القانون

أعلن المجلس القومي للطفولة والأمومة عن إحباط 27 حالة لزواج أطفال بمحافظات “الجيزة والشرقية والدقهلية والبحيرة والإسكندرية وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج” كان مقررًا إتمامها خلال عيد الفطر المبارك، وجرى إيقافها بالتعاون مع النيابة العامة ووزارة الداخلية ولجان حماية الطفولة بالمحافظات والجمعيات الشريكة مع خط نجدة الطفل.

وقد أوضح المجلس إحباط (12) محاولة لإتمام زواج أطفال بمحافظة أسيوط لفتيات تتراوح أعمارهن ما بين 12-16عامًا، إضافة إلى إحباط (4) محاولات بمحافظة المنيا، وتم التعامل مع حالتي زواج لطفلتين تبلغن من العمر 15و16 عامًا، بمحافظة سوهاج.

أما بمحافظة الإسكندرية فقد تم التعامل مع حالتي زواج لطفلتين “12و14عامًا”، ونجح المجلس القومي للطفولة والأمومة أيضًا في وقف حالتي زواج بمحافظة الدقهلية لفتاتين عمرهما 15و16 عامًا. فيما تم إيقاف حالة زواج لطفلة في كل من محافظات الشرقية والبحيرة والجيزة وبني سويف.

وتوضح خريطة انتشار الحالات الأخيرة استمرار الظاهرة وانتشارها في الوجهين القبلي والبحري على حد سواء، وهو ما يستلزم تسليط الضوء على تلك الظاهرة التي تُعدّ من الانتهاكات الصريحة لحقوق الإنسان.

إحصائيات وأرقام

أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام 2019 إحصائية حول زواج القاصرات في مصر، أكد من خلالها أن هناك أكثر من 117.2 ألف طفل في عمر من 10 – 17 عامًا، متزوجون ويحملون صفة “زوج أو زوجة”. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل يصل إلى أن من بين هؤلاء الأطفال المتزوجين، أرامل ومطلقين.

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد تصدرت محافظات الصعيد قائمة أكبر عدد حالات زواج قاصرات بحوالي 59 ألف حالة من إجمالي حالات الزواج المبكر في مصر، تلتها بفارق طفيف محافظات الوجه البحري، والتي بلغ عدد حالات الزواج المبكر بها حوالي 49.7 ألف حالة، في حين جاءت المحافظات الحدودية الأقل عددًا بـنحو 1771حالة فقط.

وبشكل عام، سجلت الفئة العمرية 16- 17 عامًا، أعلى أعداد حالات الزواج المبكر في مصر، مقارنة بالفئات العمرية الأخرى، حيث بلغ عدد زواج القاصرات في تلك الفئة نحو 99.6 ألف حالة زواج من إجمالي عدد حالات الزواج المبكر والتي تصل إلى “117.2 ألف حالة”، تلتها من حيث العدد، الفئة العمرية 14- 15 عامًا بـنحو 14.2 ألف حالة، أما في الفئة العمرية 12 – 13 عامًا بلغ العدد تقريبا 2047 حالة. وفي الفئة العمرية 10 – 11 عامًا، بلغ عدد حالات زواج القاصرات حوالي 1504 حالة.

وعلى مستوى محافظات الجمهورية، كشفت الدراسة الإحصائية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء استحواذ محافظة البحيرة على أعلى معدلات حالات زواج القاصرات بنحو 11.4 ألف حالة زواج من إجمالي الحالات في مصر للفئة العمرية 10- 17 عامًا، تلتها محافظة الفيوم بعدد حالات بلغ 11.2 ألف حالة، أما في المركز الثالث، جاءت محافظة الدقهلية بعدد 10.8 ألف حالة. تلتها محافظة الجيزة بعدد حالات بلغ 10.7 ألف حالة، في حين بلغ عدد الحالات في محافظة المنيا نحو 9 آلاف حالة. وطبقا لقطاع الاحوال المدنية، يتم ضبط قضية زواج قاصرات بعقود وهمية كل يومين وربع؛ أي ما يصل سنويًا إلى ما نحو 144- 200 قضية

زواج القاصرات ظاهرة عالمية

كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة “اليونيسيف” أن هناك نحو 650 مليون امرأة قد تزوجن في سن الطفولة، وتهدف خطط الأمم المتحدة إلى إنهاء زواج القاصرات بحلول عام 2030. فضلًا عن ضحايا زواج القاصرات ممن لم تتجاوز أعمارهن 15 عامًا. 

وأوضح تقرير “اليونيسيف” تحليل بيانات الزواج والسكان في 82 دولة، وكشفت تلك البيانات أن جمهورية أفريقيا الوسطى بها أعلى معدل لانتشار زواج القاصرات بنسبة 28%، تليها نيكاراجوا بنسبة 19%، ثم مدغشقر بنسبة 13%.

وأضاف التقرير أن الفقر والبطالة تدفع الأهالي إلى تزويج بناتهم مقابل مبالغ مادية، وقد يكون تفشي الجهل من أهم أسباب موافقة الأهل على هذا الزواج على اعتبار أنه سيساعد على التخلص من أعباء المسؤولية عن الأطفال مهما كان عمرهم.

تداعيات زواج القاصرات

وفقًا لتقرير نشره البنك الدولي والمركز الدولي لبحوث المرأة، فإن ظاهرة زواج الأطفال في البلدان النامية ستتسبب في خسارة تريليونات الدولارات بحلول عام 2030، وفيما يلي أهم التداعيات السلبية الناتجة عن زواج القاصرات.

  • التسرب من التعليم

طبقًا للحالة التعليمية، أظهرت البيانات الصادرة عن جهاز التعبئة العامة والإحصاء، أن 39.3% من إجمالي حالات زواج القاصرات في مصر، أميين، وهي النسبة الأعلى وفقًا للتعليم، تلاها أصحاب الشهادة الإعدادية والذين شكّلت نسبتهم 27% من إجمالي حالات زواج القاصرات في مصر، ثم أصحاب الشهادة الابتدائية بنسبة 18.7%. وبسبب تلك الظاهرة، هناك نحو 21.4 ألف تلميذ تسربوا من التعليم، معظمهم إناث، وقد أظهرت الدراسة أن زواج القاصرات استحوذ على 24.2% من أسباب التسرب من التعليم في مصر.

  • الزيادة السكانية

تتسبب الظاهرة في التأثير السلبي على معدلات تحقيق التنمية لأن زيادة عدد السكان يعنى بالدرجة الأولى زيادة الاستهلاك ومعدل الخدمات المطلوب تقديمها للمواطنين، بالإضافة إلى زيادة معدل البطالة، وفي هذا الصدد قد أكدت وزارة الصحة أن مصر تستقبل 200 ألف مولود كل عام نتيجة زواج القاصرات، وهو ما يمثل ظاهرة لها مشكلات صحية واقتصادية واجتماعية لا حصر لها.

  • زيادة مؤشرات نسب الطلاق

حسب تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شكلت نسبة المتزوجين في الفئة العمرية من 10 إلى 11 عامًا نحو 66.3%، من إجمالي حالات زواج القاصرات في هذا العمر والتي تبلغ 1504 حالات، في حين شكلت نسبة الأرامل والمطلقين ومن هم في حالة عقد قران بالفئة العمرية 10 11 عامًا نحو 33.7% من إجمالي حالات الزواج في تلك الفئة.

  • زيادة معدلات زواج التصادق: 

من بين إجمالي 887.3 ألف حالة زواج تقريبًا خلال عام 2018، أقبلت 139.760 ألف امرأة على تسجيل وتوثيق عقود زواجهن “العرفي” لإضفاء صفة “الشرعية” عليه وهو ما يعرف بـ “زواج التصادق”، والذي يتلخص تعريفه في: “تسجيل زواج عرفي بين زوجين بتاريخ حدوثه بينهما لعدم بلوغ الفتاه السن القانونية للزواج فيتم تحويل الزواج العرفي إلى رسمي بمجرد بلوغها سن 18 عامًا لتكتسب الزوجة حقوقها الشرعية وذلك وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

  • زيادة مؤشرات قضايا إثبات النسب: 

تتزايد الأعداد بمحاكم الأسرة المصرية كل عام بقضايا لأطفال متزوجات تطالبن بإثبات نسب أطفالهن وأخريات تطالبن بإثبات زواجهن بعد الطلاق سواء لإنكار الزوج نسب أطفاله أو لانفصاله أو موته قبل التصادق على الزواج، ووصول الفتاة لسن الـ 18. وتشير الإحصائيات إلى وصول دعاوى الأمهات القاصرات لعام 2016 أمام محاكم الأسرة حوالي 16 ألف دعوى إثبات زواج و14 دعوى إثبات نسب و12 ألف دعوى نفقة، وتصل مده هذه الدعاوى في المحاكم إلى ما يقارب من سنة إلى سنة ونصف. 

  • التأثير النفسي على الفتيات: 

يتجسد في الحرمان العاطفي من حنان الوالدين ومرحلة الطفولة والإصابة بأمراض نفسية مثل الهيستريا والاكتئاب والقلق والاضطرابات الجنسية بين الزوجين نتيجة عدم إدراك الطفلة لطبيعة العلاقة، مما ترتب عليه أن نسبة إقدام الفتيات القصر على الانتحار في عام 2016 كانت 10% من إجمالي عدد الزيجات، ونسبة 2% كانت محاولات من الذكور المتزوجين في سن صغيرة.

  • مخاطر جسدية للفتاة: 

الأعضاء التناسلية للفتاة تكون غير مكتملة النضج، مما يجعل الفتاة لا تتحمل أعباء الولادة، وتكون أكثر عرضة لأمراض السكري والضغط وولادة أطفال مشوهين خلقيًا، بالإضافة إلى تسمم الحمل وفقر الدم وصعوبة الولادة والإجهاض. ذلك فضلًا عن عدم امتلاك الطفلة للثقافة والخبرة الكافية للتعامل مع الأطفال، لذلك تنتج جيلًا كاملًا غير واعٍ تمامًا.

دور الجهات الدينية

صرحت دار الافتاء المصرية بأن زواج القاصرات حرام شرعًا، بجانب أنه مخالف للقانون، لأنه يؤدى إلى الكثير من المفاسد والأضرار في المجتمع. وبالنظر إلى مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج، يتبين أن ما يقدم عليه البعض من تزويج البنات القاصرات هو عمل منافٍ لهذه المقاصد وتلك الحكمة، ويمثل جريمة في حقهن؛ وذلك لعدم قدرة الفتاة القاصر على تحمل مسؤولية الحياة الزوجية والقيام بالأعباء المادية والمعنوية اللازمة لاستمرارها، مما ينتج عنه الكثير من الأضرار والمفاسد التي تؤدى إلى فشل هذه الزيجات وانتشار حالات الطلاق المبكر. 

في حين أكد “المؤشر العالمي للفتوى” (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية أن فتاوى “زواج القاصرات” التي أنتجتها التنظيمات الإرهابية حصرت زواج القاصرات في العلاقات الجنسية فقط، وأن 90% من أحكام فتاوى هذه التنظيمات تبيح زواج الأطفال.

 وأوضح مؤشر الفتوى العالمي أن فتاوى زواج القاصرات تستحوذ على (10%) من إجمالي فتاوى بعض الجماعات السلفية، في حين يعتمد تنظيم “داعش” الإرهابي على فتاوى زواج القاصرات بنسبة (5%) من جملة فتاويه. أما “حزب التحرير” فقد استند إلى فتاوى زواج القُصَّر بنسبة (12%) من فتاوى الحزب، وأخيرًا أبرر تنظيم القاعدة أيضًا إباحته للظاهرة بفتاوى نسبتها (8%) من جملة فتاوى التنظيم.

وفي أكثر من مرجع لجامعة الأزهر نصت الآراء الفقهية على عدم مخالفة تحديد سن الزواج للشريعة الإسلامية. فجاء أبرز تلك الآراء للدكتور سعد الدين الهلالي حيث صرح بأن “القرآن ارتضى للمجتمع بحسب أعرافه وأوضاعه تقرير هذه السن بما لا يضر الصغير ويحرم حقه من الطفولة، ولا يمنع من بلغ سن الزواج من حقه في الزواج.  ويتفاوت السن بتفاوت الأزمنة والأمكنة بحسب البرامج الحضارية المتاحة”. وأضاف أن “تقدير سن الزواج بحكم الشرع الإسلامي في يد المجتمع يرفعه ويخفضه بحسب المصلحة التي يتوخاها ودرء المفسدة التي يبتعد عنها، ولذلك يجب على الجميع الالتزام بسن الزواج في القانون الجديد بعدما رفعه من 16 إلى 18 عامًا”.

ويرجع الرأي الآخر للدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، على اتفاق تحديد سن الزواج مع الشريعة الإسلامية، مؤكدًا أن “الرأي الراجح عند الحنفية هو أن الأنثى لا يعقد عليها عقد شرعي صحيح إلا اعتبارًا من سن الـ 18 عامًا فصاعدًا”

وفي قضية زواج قاصر تبلغ من العمر 14 عامًا، استدعى التحقيق فيها، طلب استطلاع الرأي الشرعي للمفتي في هذا الزواج. وكان المفتي حينها الدكتور علي جمعة وقد عارض هذا الزواج، معتبرًا أن “زواج القاصرات يعد استغلالًا جنسيًا للأطفال يجب معاقبة من يفعله أو يقوم به، سواء الأبوين أو المحامين أو الوسطاء.

عقوبة زواج القاصرات القانون الحالي

تنص المادة رقم 227 من قانون العقوبات على: “يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنتين أو بغرامة لا تزيد على ثلاثمائة جنيه، كل من أبدى أمام السلطة المختصة بقصد إثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانونًا لضبط عقد الزواج أقوالًا يعلم أنها غير صحيحة، أو حرر أو قدم لها أوراقًا كذلك، متى ضبط عقد الزواج على أساس هذه الأقوال أو الأوراق”.
وتنص المادة 116 مكرر من قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008، على مضاعفة العقوبة إذا ما وقعت الجريمة على طفل: “يزداد بمقدار المثل الحد الأدنى للعقوبة المقررة لأي جريمة إذا وقعت من بالغ على طفل، أو إذا ارتكبها أحد والديه أو من له الولاية أو الوصاية عليه أو المسؤول عن ملاحظته وتربيته أو من له سلطة عليه، أو كان خادمًا عند من تقدم ذكرهم”.

مشروع قانون تجريم الزواج المبكر للفتيات

يعكس تعدد حالات زواج القاصرات في مصر عدم تحقيق القانون الحالي الردع الكافي لمرتكبي تلك الجريمة، لذا قررت الحكومة المصرية إعادة النظر في إجراءات القانون الحالي في محاولة جديدة لتغليظ العقوبة لتحقيق الردع الكافي ففي:

  •  مايو 2018، أرسلت وزارة العدل برئاسة المستشار حسام عبد الرحيم، مشروع قانون تجريم الزواج المبكر، إلى مجلس الوزراء للموافقة عليه ومراجعته دستوريًا وقانونيًا بقسم التشريع بمجلس الدولة تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب.
  • ديسمبر 2020، جددت الحكومة نيتها تحريك القانون، وصرح حينها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بنية الحكومة إصدار قانون تجريم زواج القاصرات.
  •  مارس 2021، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال احتفالية المرأة المصرية، بقيام مجلس النواب بسرعة إصدار تشريع قانوني خاص يجري بموجبه منع الزواج المبكر للأطفال. 

ما الذي نحتاجه؟

يُعدّ زواج القاصرات سببًا رئيسًا في العديد من المشكلات منها الزيادة السكانية وزيادة معدلات الأمية والبطالة.. إلخ، وبالتالي لا تقل هذه القضية أهمية عن القضايا الأخرى التي قد تشغل أولويات الأجندة الوزارية مثل توفير السلع الغذائية أو محاربة الفساد، الأمر الذي يحتم على الدولة القضاء على تلك الظاهرة بكافة السبل المتاحة. وعليه؛ 

  • فمن المنتظر في المستقبل القريب إخراج قانون زواج القاصرات الذي طال انتظاره إلى النور، مع ضرورة تفعيله علنيًا خاصة في القرى والأرياف، بمعنى تناول ذلك إعلاميًا مع ذكر العقوبة التي طُبقت على أسرة الفتاة. 
  • ضرورة ربط بعض الخدمات الحكومية بتحقيق الأسرة على الأقل الحد الأدنى من حقوق أطفالها كما حدث جزئيًا في “تكافل وكرامة”. 
  • من المهم أيضًا توفير قاعدة بيانات محدثة لزواج القاصرات حتى تتاح دراسة الظاهرة والوقوف على حلول جذرية؛ إذ إن آخر البيانات الرسمية ترجع إلى عام 2019 وهو ما يعرقل دراسة أوجه الظاهرة وأسباب تفاقمها.
  • تكثيف الحملات الإعلانية والميدانية خطوة مهمة لنشر التوعية بين أفراد الأسرة الواحدة، بداية من الأب والأم وحتى أصغر أفرادها، على أن تكون تلك الحملات مناسبة للمستوى التعليمي والاجتماعي للأسرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى