أوروباأسواق وقضايا الطاقة

كل الطرق تؤدي إلى موسكو: لماذا فشلت واشنطن في إيجاد بدائل للغاز الروسي من أجل أوروبا؟

من البديهيات التي لا سبيل لإنكارها أن الطاقة الروسية -وإن كانت منبوذة من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها- ستظل سلاحًا فتاكًا قد يضرب استقرار القارة العجوز برمتها؛ فحتى الآن يفشل الأوروبيون وخاصة الألمان في التحرر من التبعية للغاز الروسي. وقد هزت أزمة الحرب الروسية الأوكرانية ثقة أوروبا في موسكو ودفعتها الى مراجعة سياستها المتعلقة بالطاقة والغاز الطبيعي والسعي إلى الحصول عليها من مصادر بديلة غير روسية، وتصدرت دول وسط آسيا والشرق الأوسط كخيارات لتقليل هذه التبعية.

مقدمة

رغم أن أزمة الغاز الروسي لم تطل الدول الأوروبية بشكل مباشر، إلا أنها كانت كفيلة بلفت أنظار هذه الدول الى خطورة تبعيتها لموسكو وشدة اعتمادها عليها فيما يتعلق بتزويدها بأحد أهم مصادر الطاقة الاستراتيجية المتمثلة بالغاز الطبيعي، لاسيما بعد أن اتضح أن موسكو قد تلجأ الى التلويح بسلاح الغاز الطبيعي واستخدامه كوسيلة ضغط من أجل خدمة سياستها الخارجية كما فعلت مع أوكرانيا. روسيا سعت للضغط على أوكرانيا ليس بهدف تحقيق عائد مادي كبير من وراء محاولتها بيع الغاز لها بأسعار مرتفعة، وإنما عقاب لها لمحاولتها الخروج عن فلك موسكو وسعيها إلى الانضمام الى الاتحاد الأوروبي؛ ويعزز من هذا الاعتقاد الحل الذي توصل إليه البلدان من أجل حل الأزمة، والذي لم يجلب مكاسب مادية كبيرة لموسكو.

مدخل

تمتلك روسيا في حقولها السيبيرية أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، والذي بدأت تصديره إلى بولندا في أربعينيات القرن الماضي، ثم قامت بإمداد خطوط الأنابيب في الستينيات لتوفير الوقود للدول الأسيرة في الاتحاد السوفيتي سابقًا، واستمر الأمر بخطوات ثابتة حتى في قمة الحرب الباردة، إلا أن النزاع الروسي الأوكراني المستمر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تكرر مرات كثيرة على خطوط الأنابيب الممتدة، والتي تعبر الأراضي الأوكرانية، وتحمل الكمية الأكبر من الغاز الروسي الذي يعبر خلالها إلى القارة العجوز.

وفي عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٩، أدت الخلافات حول تسعير الغاز الطبيعي وسحبه إلى قطع إمداداته من روسيا أكثر من مرة، ودام هذا الانقطاع في المرة الثانية لأكثر من أسبوعين في أبرد أيام الشتاء، ما دفع سلوفاكيا وبعض دول البلقان إلى تقنين الغاز الطبيعي، وإغلاق المصانع، وقطع إمدادات الطاقة. ومنذ ذلك التوقيت، بدأت الدول الأوروبية الأكثر عرضة للضرر من الاعتماد على الغاز الروسي، إنشاء أنابيب الغاز، وربط الشبكات، وبناء المحطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال شديد التبريد، والذي يمكن شحنه من حقول بعيدة جدًا.

وبصفة عامة يجب الإشارة إلى اعتماد الدب الروسي على النفط والغاز في تمويل أكثر من ثلث ميزانيته الحكومية، وبصفة عامة تمتلك روسيا احتياطيات ضخمة من النفط قد تكفي لمدة أكثر من ٣٠ عامًا على الأقل، أما احتياطياتها من الغاز فتكفي لمدة أكثر من ٥٠ عامًا، وهو ما يتيح لها التحكم في أسواق الطاقة.

روسيا تتحكم في نبض القارة العجوز

السياسة الخارجية الروسية تعتمد على ثلاثة أركان أساسية تسعى من خلالها موسكو إلى لعب دور مؤثر في العلاقات الدولية، وهي: عضويتها الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وامتلاكها للسلاح الاستراتيجي النووي، وامتلاكها لمصادر للطاقة والغاز الطبيعي؛ فعناصر قوة الدب الروسي اليوم ليست فقط في الصواريخ النووية والباليستية ولا الجيش الروسي ولا القوة الجوية وغيرها من أدوات الردع، بل النفط والغاز أيضا، فهي ثاني أكبر موردي الغاز الطبيعي بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

ومما لا شك فيه أن موسكو تستخدم هذه القوة لخدمة مصالحها وبكل احترافية، فكلما كانت علاقتك أفضل مع موسكو دفعت ثمنًا أقل للطاقة، ويحاول عدد من الدول الأوروبية الاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية بواسطة بناء موانئ خاصة بها، ويأتي أكثر من ٣٥٪ من الغاز والنفط إلى أوروبا من روسيا تقريبًا، ولكن كلما اقتربت الدولة من الحدود الروسية، كانت أكثر اعتمادًا عليها، وكانت خيارات سياساتها الخارجية أقل. فمثلا، دول مثلا استونيا ولاتفيا وسلوفاكيا وفنلندا، تعتمد على الغاز الروسي بنسبة ١٠٠٪، أما دول أخري مثل ليتوانيا وبلغاريا وجمهورية التشيك، فنجدها تعتمد على الغاز الروسي بنسبة تتعدي ٨٠٪ والنمسا واليونان بنسبة تتعدي ٦٠٪، ونجد دولة مثل ألمانيا نصف استهلاكها من الغاز يأتي من روسيا، لهذا كانت ألمانيا أقل انتقادًا للسلوك الروسي من دول مثل بريطانيا التي لا تستورد سوى ١٣٪ من احتياجاتها من الغاز الروسي.

تواصل أوروبا شراء الغاز الروسي، بكميات تفوق أي وقت مضى، بالرغم من تراجع العلاقات بين الطرفين إلى أدنى مستوى لها منذ عقود، وإن كانت قد أخذت على عاتقها التحرر من تحكم موسكو في إمداداتها من الطاقة بعد عرقلة شحنات الغاز المتجهة إلى الغرب مرتين. وعند الحديث بلغة الأرقام، نجد أن حجم مشتريات أوروبا من الغاز الطبيعي لدى شركة غاز بروم الروسية تخطى مستويات قياسية بلغت أكثر من ٣٨ مليار دولار، ومن نسبة اعتماد بلغت ٢٧٪ عام ٢٠١٧ إلى نسبة تخطت ٤٠٪ على الغاز الروسي في بداية عام ٢٠٢٢، وبلغت قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي والفحم والنفط أكثر من ١٧ مليار دولار منذ بداية الحرب الروسية، ومن هنا نجد أن تعافي القارة العجوز من الاعتماد على الغاز الروسي ليس بالأمر السهل.

روسيا وأوروبا التبعية المزدوجة

بالنظر إلى الأرقام السابقة وتحليلها، يجب الحديث عن التبعية وأن هناك ما يمكن تسميته التبعية المزدوجة بين كل من روسيا والقارة الأوروبية، إذ إن اعتماد موسكو على الزبائن الأوروبيين لا يقل أهمية عن اعتماد هؤلاء على الطاقة الروسية، بل على العكس من ذلك أن روسيا لا تستطيع الاستغناء عن المشتريات الأوروبية والعملات الصعبة التي تدرها هذه الصناعة الاستراتيجية على اقتصادها.

يُعد الاقتصاد الروسي سادس أكبر اقتصاد في العالم، حيث يعتمد بشكل أساسي على عوائد الطاقة والسياحة والأسلحة والزراعة وبعض الأرقام والمؤشرات عن موارد روسيا الاقتصادية تؤكد مكانة وقدرات الدب الروسي الاقتصادية.

وعلى ما يبدو، لا يوجد مصدر في المدى المنظور على الأقل يمتلك القدرة على تقديم حل عاجل، أو طرح نفسه بديلًا قادرًا على تعويض روسيا والتي توفر نحو ٤٠٪ من الغاز الطبيعي للقارة العجوز. كل ذلك يقودنا إلى نتيجة واحدة تؤكد أن منازل القارة الأوروبية ستظل في خطر ومُهددة في مواجهة برودة الشتاء، فيما تواجه مصانعها خطر الإغلاق بسبب سلاح الطاقة الفتاك؛ وهذا يوجهنا إلى سؤالٍ مهم عن السبب الذي أوصل دولًا عظمى وقوية مثل دول الاتحاد الأوروبي، التي تخطط سنينًا وعقودًا للأمام في سياساتها، إلى هذا الحائط المسدود في مواجهة معطيات محتومة.

الحرب الروسية الأوكرانية تكشف المستور

ظهرت المخاطر التي كان الجميع يحاول التستر عنها جليًا مع بداية الغزو الروسي على أوكرانيا؛ إذ قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، ملامسة حاجز ١٤٠ دولارا للبرميل (قبل أن تتراجع لاحقًا حول مستوى ١٠٠ دولار)، ووصلت أسعار الغاز إلى مستوى تاريخي ٣٣٠٠ دولار لكل ١٠٠٠ متر مكعب بسبب مخاوف تعطل الإمداد.

ومع تمدد أيام الحرب، يخشى العالم من ثورة مُدمِّرة أخرى في الأسعار، حال قررت أوروبا حظر صادرات الطاقة الروسية، أو قررت موسكو بنفسها اتخاذ هذه الخطوة في اندفاع غير مسبوق؛ خوفًا من انهيار اقتصادها تحت وطأة العقوبات، وهو ما سوف يقود في النهاية إلى ارتفاع متذبذب في الأسعار يؤثر على اقتصادات العديد من الدول ويدفعها ربما إلى الانهيار، وبالأخص بعد أن قررت روسيا أن تدفع الدول غير الصديقة بالعملة الروسية الروبل، مقابل الغاز، أو تخاطر بانقطاعات في الإمدادات.

وخلال معركة الغاز بالروبل، حققت موسكو بعض النجاحات الهائلة في ملف تصدير الغاز بعملتها المحلية، ووافق عدد من المشترين على تغيير عملة السداد لتكون الروبل الروسي، وفقًا لتصريحات سابقة لنائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك.

روسيا ليست إيران وموسكو لن تكون طهران

منذ عام ٢٠١٤، انهالت العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي، بعدما ضمَّت روسيا شبه جزيرة القرم إليها فارِضة بذلك تسوية جغرافية جديدة غير تلك التي وضعتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيون عقب انهيار الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١. لكن هذه العقوبات التي كان يطبقها الغرب بلا هوادة، لم تحمل بالنسبة للروس ذلك التأثير المُوجع الذي سعت له واشنطن، فموسكو ليست طهران مهما تكالبت عليها العقوبات، ورغم أن اقتصادها يُماثل بالكاد نصف حجم اقتصاد إيطاليا، فإنها قادرة بجدارة على خلق فوضى عالمية في أسعار النفط إلى جانب الحبوب والمواد الخام؛ كونها المُصدر الرئيس لتلك المواد الاستراتيجية.

والأهم من ذلك كله قدرة الروس الهائلة في مجال الغاز الطبيعي؛ إذ تستطيع موسكو توفير أكثر من ٣٠٠ مليار متر مكعب منه سنويًا، ما يجعلها محطة وقود عالمية عملاقة بامتياز. هذه الاسباب توضح عدم نجاح العقوبات الغربية في تركيع الاقتصاد الروسي بعدم لعب هذا الأخير أدوارًا كبرى في الاقتصاد العالمي باستثناء النفط والغاز الطبيعي.

أما الجانب الخفي لهذه الأسباب فتكشفه الأرقام الرسمية التي تؤكد الاعتماد الضخم للدول الأوروبية على الغاز الطبيعي والنفط الروسي، وهو ما قلب المعادلة رأسًا على عقب، وغيَّر معها سياق التأثير. وما حدث ببساطة، أنه بينما لا يمكن لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات قوية على الطاقة الروسية بسبب الخوف على السوق العالمي للطاقة، ومن جهة أخرى بوتين يفرض حظرًا جزئيًا على توريد موارد بلاده الاستراتيجية من الطاقة، مُثيرا الفوضى والذعر لدى جيرانه الأوروبيين، ومُستفيدا في الوقت نفسه من الارتفاع المتذبذب للأسعار.

ويستذكر الأوربيون ذلك المشهد المُصغر الصعب الذي شهدته القارة الأوروبية في عام ٢٠٠٩، تجمَّدت أوروبا من البرد، وسقطت عدة دول فيها تحت طائلة الديون، إثر اتهام موسكو لكييف بسرقة الغاز المخصص لأوروبا الذي يمر عبر أراضيها، لتدفع هذه الأزمة روسيا إلى اتخاذ خطوات عقابية شملت قطع الغاز عن أوكرانيا وعن كل الزبائن الأوروبيين من خلفها.

دفع هذا الدرس القارة العجوز إلى البحث جديًا عن بديل للطاقة الروسية، لكن رحلة البحث هذه انتهت بالفشل بعد أن عجز البدلاء الجُدد عن الوفاء بوعودهم؛ فالغاز الروسي هو العملة الصعبة والتي أثبتت التجربة صعوبة إيجاد البديل المناسب له، فالنرويج، وهي ثاني أكبر مورد للغاز الطبيعي لأوروبا بعد روسيا، تتجه حقولها إلى النضوب، أما هولندا، فقد اتجهت مضطرة إلى تخفيض إنتاجها إلى أقل من النصف بنحو حوالي ٢١٬٦  مليار متر مكعب، للحد من مخاطر الزلازل التي سببها سحب الغاز من باطن الأرض، لتزيد روسيا بذلك من سطوتها على سوق الطاقة الأوروبي.

كل الطرق تؤدي إلى موسكو

فشلت إذًا كل محاولات أوروبا للاستقلال عن الغاز الروسي رغم المساعي الحثيثة لواشنطن التي حاولت رفع صادراتها إلى القارة العجوز، مُستفيدة من تربُّعها على عرش قائمة الدول المنتجة للغاز بنحو ٩١٤ مليار متر مكعب، وهو ما يفوق الحصة الروسية بنحو ٣٠٠ مليار متر مكعب. خاضت الولايات المتحدة مباحثات مُضنية مع أوروبا بهدف إعادة تسعير الغاز الأمريكي لجعله أكثر تنافسية مع الغاز الروسي، لكن كل ذلك لم يكن كافيا لسحب يد الروس؛ نظرًا لعدة اعتبارات اقتصادية بحتة، أبرزها أن الغاز الروسي يتمتع بأفضلية سعرية، نظرا لوصوله إلى العملاء عبر الأنابيب، بحكم القُرب الجغرافي وتوفر البنية التحتية، بعكس الغاز الأمريكي الذي يُنقل مُسالا، بتكلفة عالية، عبر البحار. 

وبخلاف البديل الأمريكي، انخرطت أوروبا في خطط مختلفة، تركية وإسرائيلية وإيرانية وقطرية، تهدف جميعها إلى اقتطاع حصة أكبر من المورد الرئيسي التقليدي للأوروبيين، لكنها باءت بفشلٍ ذريع في محاولة أجرتها مع كل واحدة من هذه الدول.

هل التهديدات بحظر الغاز هي مجرد كلام فقط؟

لم تغامر أوروبا حتى الآن بلي ذراع بوتين من بوابة حظر قطاع الطاقة الروسي، رغم وضع الوكالة الدولية للطاقة خطة عاجلة من عشر خطوات للاتحاد الأوروبي، بهدف الاستغناء عن الغاز الروسي في غضون عام، حتى لا يقع الأوروبيون فريسة للدب الروسي في الشتاء المُقبل، وتتضمَّن تلك الخطة البدء الفوري بتنويع إمدادات الوقود الأحفوري من عدة دول بعيدًا عن روسيا، وتقليص نسبة الاعتماد من روسيا، والتحوُّل بشكل أسرع إلى الطاقة المتجددة، والأهم من ذلك عدم تجديد العقود مع موسكو بعد انتهائها، يراهن الغرب عبر هذه الخطوات، التي يُشكك الروس في أن تؤتي أُكلها في المدى القريب، على بدء فصل جديد من العقوبات لا تستطيع موسكو الرد عليها تشمل قطاع الطاقة.

بدائل أوروبا الصعبة وغياب فسحة الوقت

رغم إعلان عقوبات أوروبية كبيرة ومتعددة على روسيا، إلا أنها لم تطل قطاع النفط أو الغاز في الوقت الحالي، لذلك تتطلع القارة الأوروبية إلى جلب إمدادات من الغاز المسال، والذي يتم شحنه عادة عن طريق السفن، كبديل للغاز الروسي.

ووفقًا لشركة بي بي كانت الدول الرئيسة المصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم في عام ٢٠٢٠ على التوالي أستراليا وقطر والولايات المتحدة الأمريكية؛ وفي نفس الوقت قد طلبت واشنطن من الدوحة تزويد أوروبا بالغاز القطري، حال انقطاع إمدادات الغاز من روسيا بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية.

لكن قطر والدول المنتجة الأخرى أكدت خلال منتدى الدوحة الأخير صعوبة استغناء أوروبا عن الغاز الروسي بشكلٍ فوري في ظل اعتماد القارة العجوز عليه، فضلًا عن ارتفاع أسعار الغاز الأمريكي المُسال وتكاليف نقله إلى القارة الأوروبية. لذلك، أكد وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد الكعبي، خلال المنتدى أن قطر ليس لديها احتياطيات كبيرة  يمكن تحويلها إلى أوروبا، حتى أن قدرتها محدودة في تحقيق إنتاج إضافي من الغاز الطبيعي المسال، موضحًا أن أوروبا تحتاج إلى ٧ أو ٨ سنوات لتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن المصادر الروسية.

البديل الثاني هو التوجه نحو إفريقيا، ومن الوجهات المحتملة الجزائر، والتي تعد عاشر أكبر منتج للغاز في العالم، وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن شحنات الغاز الطبيعي المسال المصدرة من هناك في عام ٢٠٢١ وجهت بشكلٍ كبير إلى الأسواق الأوروبية؛ وهذا يضع الجزائر في المرتبة الثالثة بين مصدري الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، والتي تعد ألمانيا واحدة من أكبر أسواقها.

ومنذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، أعربت الجزائر عن استعدادها لزيادة صادرات الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال، ولكن وحسب رأي مديرة مركز الأبحاث Think Tanks Azure Strategy، أليس جور، فإن احتياطيات الجزائر من الغاز غير كافية ولا يمكنها التدخل على المدى القصير.

وبالبقاء في القارة السمراء نجد أن مشروعًا في نيجيريا تتعلق عليه آمال الأوروبيين في الحصول على المزيد من الواردات، ولكن لفترة طويلة لم يسمح الوضع الأمني في المنطقة والتوترات بين الجزائر والنيجر بإكمال المشروع، ففي عام ٢٠٢١ أعادت الجزائر والنيجر فتح حدودهما وأعيد إحياء مشروع خط أنابيب الغاز؛ ومن المقرر إنشاء خط أنابيب للغاز يمكن أن يربط نيجيريا بعد ذلك بخطوط الأنابيب القائمة بين أوروبا والجزائر.

حاليًا، فإن أكبر المشترين للغاز الطبيعي المسال النيجيري في أوروبا هم فرنسا وإسبانيا والبرتغال، وهذه الدول هي التي تملك محطات للغاز الطبيعي المسال، ولكن الكميات التي تُصدرها أفريقيا وعلى رأسها نيجيريا لن تغطي جميع احتياجات أوروبا من الطاقة؛ ففي عام ٢٠٢٠، استوردت البرتغال حوالي ٥٦٪ فقط من موارد الغاز من نيجيريا وحوالي ١٨٪ من الولايات المتحدة الأمريكية؛ ومن المحتمل أن سبب تردد البلدان الأفريقية في الالتزام بضخ المزيد من النفط والغاز الطبيعي قد يكون مرجعه ضعف البنية التحتية في مجال النفط والطاقة في العديد من البلدان الأفريقية، لاسيما خطوط نقل الغاز الطبيعي والنفط إلى أوروبا، وأن نيجيريا لم تتمكن من تحقيق هدفها لعام ٢٠٢١ بشأن الغاز الطبيعي، ولا يرجع ذلك إلى نقص الإمكانات، ولكن البنية التحتية لا تكاد تسمح بمزيد من الإعانات والكفاءة المطلوبة.

ومن جهة أخرى، تطرح أوروبا بدائل عن الغاز الروسي، ففي الآونة الأخيرة اتجهت إلى الدولة الليبية طالبةً منها زيادة إنتاج وتصدير كميات الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وبدأت الأسئلة تطرح حول واقعية هذه الطلبات والحجم الحقيقي للقدرات الليبية على تغطية بعض الحاجات المُلحة من الغاز الطبيعي في القارة الأوروبية؛ وفي هذا الأمر أشار وزير النفط والغاز الليبي محمد عون إلى أن ليبيا غير قادرة على إنتاج الغاز الكافي لإحداث أي تغيير، وأنه يتفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تطلب من دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط زيادة إنتاجها من الغاز لتزويد أوروبا، إلا أن ليبيا لا تملك الاحتياطي الكافي الذي يتناسب مع أي زيادة للإنتاج تكون قادرة على إحداث أي فرق.

وبعيدًا عن مصادر الغاز الطبيعي والنفط عالميًا، يوجد أمام القارة الأوروبية خياراتٍ أخرى منها استخدام الفحم والطاقة النووية بدلًا من الغاز الطبيعي في توليد الطاقة، لكن منظمات أممية معنية بالبيئة وأيضًا تقارير دولية، منها تقرير لصحيفة لاتريبين الفرنسية، تقول إن الفحم وبناء محطات الطاقة النووية سيسببان أزمة احتباس حراري؛ ويُعد الفحم الحجري أسوأ وقود أحفوري، فهو مسؤول عن أكثر من ٠٬٣٪ من زيادة ١٪ في متوسط درجات الحرارة العالمية، وهو ما يجعله أكبر مصدر منفرد لارتفاع درجة الحرارة العالمية.

إحياء فكرة مشروع نابوكو 

في هذا الإطار يمكن فهم مطالبة المفوضية الأوروبية لأعضاء الاتحاد بالعمل على الحد من ابتزاز الدول المصدرة للطاقة وبالأخص الغاز الطبيعي أو تلك الدول التي تمر عبرها خطوط الإمدادات. وحثت المفوضية الحكومات الأوروبية على العمل على توسيع شبكة خطوط الإمداد بالطاقة وتنويع مصادرها مناطق الحصول عليها بحيث تشمل أكثر من منطقة وأكثر من دولة تأتي منها الطاقة أو تمر عبر أراضيها خطوط الإمداد بها، وفي هذا السياق عادت إلى الأذهان فكرة المشروع الذي عرف بمشروع نابوكو الذي يقوم على أساس مد أنابيب الغاز إلى أوروبا من كازاخستان وإيران ودول الشرق الأوسط عبر تركيا ودول البلقان.

خلاصة القول، من المؤكد أن روسيا ليست إيران أو فنزويلا، وهي تمتلك أوراقًا يعدها اقتصاديون ذات تأثير فتاك في الاقتصاد العالمي، مثل كونها أكبر مصدر للمعادن في العالم، بما يعنيه ذلك من قدرتها على عرقلة الصناعات الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا من خلال تقييد إمدادات المعادن. تبدو اللعبة الاقتصادية بين الغرب وروسيا إذًا بمنزلة سباق على من يطلق النار على قدميه أولًا، ولا يمكن لأي طرف فيها أن يدعي أنه سيكون قادرًا على إلحاق الضرر بخصمه دون أن ينال نصيبه من الأضرار أولًا، الأمر كله يتعلق بحساب هذه الأضرار، ومدى الرغبة في تحمُّلها في نهاية السباق؛ وتبدو المحاولات الأوروبية للاستغناء عن الغاز الروسي في أزمة حقيقية، رغم المساعي الأوروبية والأمريكية التي لم تتوقف حتى الآن.

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى