أفغانستانإيران

التوترات بين إيران وأفغانستان.. هزات ارتدادية

بدا التوتر على الحدود الإيرانية الأفغانية أشبه بـ”الهزات الارتدادية” المصاحبة لزلزالين كبيرين مقرهما طهران وكابول تؤثر قراراتهما على المساحات الواقعة بين العاصمتين.

وبداية من الحدود البالغة 945 كيلو مترًا وتضم 3 منافذ حدودية، تحولت تلك المنطقة إلى ساحة للتجاذبات الحماسية وسط غياب الحلول التوافقية بين طالبان والجمهورية الإسلامية في إيران.

خلال الأشهر الثمانية الماضية؛ أي منذ سيطرة طالبان على كابول، كان هناك العديد من التوترات الحدودية بين طالبان وحرس الحدود الإيراني، آخرها ما شهده معبرا “إسلام قلعة” و”دوغارون” الحدوديين من اشتباكات على أثرها استولت طالبان على سيارة تابعة لقوات حرس الحدود الإيرانية، وتبع ذلك إرسال تعزيزات عسكرية على الحدود من الجانبين.

وكذلك مطلع ديسمبر الماضي حين اندلعت اشتباكات بين الجانبين أدت إلى مقتل 3 من القوات الإيرانية، إضافة إلى إلحاق أضرار مادية بالثكنات العسكرية المرابطة على حدود البلدين. وللوقوف على سبب التصعيد الحدودي لدينا روايتان للأحداث:

الرواية الإيرانية :

ترى طهران أن قوات طالبان حاولت شق طريق جديد في الشريط الحدودي وهو ما تسبب في معارضة الجانب الإيراني، بحسب ما ذكرت وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري نقلًا عن مصادر محلية.

لكن سعيد خطيب زاده المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قال: “إن القضية ستكون لها عواقب وخيمة إذا تكررت، وعلى طالبان ألا تستغل ضبط حرس الحدود للجمهورية الإسلامية”.

فيما علق حسن كاظمي قمي، المبعوث الخاص للرئيس الإيراني إلى أفغانستان، قائلًا بتاريخ 23 أبريل 2022: “حاولت طالبان شق طريق في حدود دوغارون دون تنسيق مسبق وانتهكت الحدود التي أغلقت الحدود مع جمهورية إيران الإسلامية”.

المسؤولون في إيران ألقوا باللوم في التوترات على سوء فهم حرس الحدود التابعين لطالبان وعدم إلمامهم بالحدود، ومع تصاعد التوترات تم “إرسال قوات (فيلق 88 – زاهدان) إلى حدود أفغانستان”، وهو ما أكده موقع “خبر أونلاين” الإيراني.

الرواية الأفغانية:

المتحدثون باسم طالبان أعلنوا أن الحركة سترسل قريبًا وفدًا إلى إيران لإجراء محادثات مع المسؤولين في طهران. دون تحديد موعد الزيارة وأعضاء الوفد المشارك أو التعقيب على التوترات.

لكن قناة “طلوع نيوز” الأفغانية، نقلت عن مصادر محلية أن قوات طالبان أوقفت إنشاء طريق جديدة في نقطة الحدود مع إيران. فيما زعم بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في أفغانستان، أن السبب الرئيس للتوترات هو جهود إيران لبناء طريق ومحطتي مراقبة.

مباحثات مرتقبة

على الرغم من عدم تحديد من هم أعضاء وفد طالبان المنتظر سفره إلى إيران وتوقيت زيارتهم إلى طهران، لكن تلك الزيارة قد تسهم في خفض حالة التوتر النسبي بين البلدين على الأقل خلال الفترة القليلة المقبلة. لكن ستظل هناك مجموعة من الملفات الشائكة، التي من المتوقع أن يحملها قادة طالبان إلى الجمهورية الإسلامية في ظل حالة التشاحن بين الأفغان والإيرانيين على مستويات مختلفة، من بينها ملف اللاجئين الأفغان الذي عاد إلى السطح لكن هذه المرة بطابع مذهبي وكذا ملف المياه وشيعة أفغانستان.

ملف اللاجئين الأفغان

الهروب إلى إيران عبر الحدود الأفغانية أمر مستمر طيلة الأربعين عامًا الماضية، لأن السفر غير القانوني إلى إيران كان بمثابة أحد سبل الهروب من أفغانستان التي مرت بظروف سياسة استثنائية طيلة الأربعة عقود الماضية. وبحسب المسؤولين في إيران، فإن نحو 5 ملايين مهاجر أفغاني يعيشيون في إيران، وقدر الرقم بما يتراوح بين 2.5 و3 ملايين قبل سيطرة طالبان على الحكم.

وظلت علاقة الإيرانيين باللاجئين الأفغان تتأرجح وفق حالة الشد والجذب بين طهران وكابول؛ لكن ما هو غير معهود من هجوم شاب أفغاني سني بسكين على ثلاثة رجال دين داخل ضريح الإمام الرضا في مدينة مشهد وقتل اثنان منهم قبل أسبوعين.

وفي خضم هذا الحادث، ازدادت التقارير عن تزايد اضطهاد الأفغان داخل إيران وتداول عدد كبير من مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وجميعها عن تعذيب ومضايقات واحتجاز رهائن، وتسبب الحادث في إيقاف إيران يوم 12 أبريل، كل خدماتها القنصلية في جميع أنحاء أفغانستان، واتخذت تلك الخطوة بعد هجوم محتجين على القنصلية الإيرانية في هراة (غرب أفغانستان).

حالة الاحتقان جراء التعامل مع اللاجئين الأفغان كان لها صدى في أرجاء مختلفة من أفغانستان خاصة الحدود، وخاصة بعد ظهور قيادات من الصف الثاني والثالث داخل طالبان يطالبون بالانتقام من الإيرانيين ردًا على الانتهاكات، ومن الطبيعي أن يناقش قادة طالبان أوضاع الأفغان والأموال التي تتلقاها إيران دوليًا لاستقبالها اللاجئين.

وتعتزم إيران كذلك بناء مستشفى جيد التجهيز على الحدود الأفغانية الإيرانية، بغرض علاج المرضى الأفغان دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرة إيرانية، وكذلك العمل على توفير الاحتياجات الطبية للشعب الأفغاني، بحسب بيان السفارة الإيرانية في كابول خلال لقاء مع وزير صحة طالبان.

قضية المياه

عادت قضية إمداد إيران بالمياه من نهر هلمند مرة أخرى، ونتيجة الجفاف هاجم نهاية يناير الماضي، قرويين إيرانيين شاحنات أفغانية خلال مظاهرة للمطالبة بحصتهم من مياه نهر هلمند، وفق ما أوردت وكالة “إرنا” الرسمية.

الخارجية الإيرانية اتهمت طالبان بعدم التعاون لدفع إمدادات المياه لإيران من نهر هلمند. لكن  إنام الله سامنغاني، نائب المتحدث باسم طالبان، اعتبر أن طالبان ملتزمة بالتزامات أفغانستان السابقة فيما يتعلق بوصول إيران إلى نهر هلمند. لكن سمنغاني عاد ليقول في فيديو نشرته وسائل إعلام تابعة لطالبان، إن أفغانستان تواجه حاليًا جفافًا، لكنها ملتزمة بدفع فدية لإيران من نهر هلمند ومستعدة لمناقشتها.

شيعة أفغانستان

من الملفات التي تحظى باهتمام إيران داخل أفغانستان، وضع الشيعة بعد حكم طالبان خاصة بعد وقوع هجمات وتفجيرات بحق شيعة أفغانستان.

أرسلت طهران أكثر من 30 طائرة تحمل مساعدات إنسانية إلى أفغانستان منذ تولي طالبان الحكم، وفق بيان القنصلية الإيرانية في مزار شريف، لكن ما الذي يحدث لشيعة أفغانستان؟

21 أبريل 2022، قُتل أكثر من 30 شخصًا وجُرح قرابة 70 في هجوم مميت على أكبر مسجد شيعي في مزار الشريف. وطالب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي طالبان بإيقاف ما وصفهم بالذئاب.

ختاما، ستعمل إيران على تقييد التدفق الجماعي للاجئين الأفغان فالأوضاع الاقتصادية الصعبة لطهران لا تسمح بمزيد من اللاجئين على أراضيها. ولا تريد طهران فتح جبهة صراع مع أفغانستان في ظل التوترات العالمية، ولا تريد أن تنخرط في مواجهات مباشرة مع عناصر طالبان في ظل انشغالها بملفات مثل الملف النووي ودعم عناصرها في الشرق الأوسط، بل ستعمل على كسب رضاء طالبان لحماية الشيعة الأفغان.

وبالرغم من توافر كافة عناصر اشتعال الأزمات بين طهران وكابول أي حكمين مختلفين مذهبيًا لكن مستقبل ذلك الصراع سيتحدد بحسم الحرب الروسية الأوكرانية التي ستكون لها تداعيات مباشرة في المستقبل على العلاقات بين البلدين.

طالبان تستطيع الضغط على طهران عن طريق ملفات المياه وحماية الشيعة وتدفق اللاجئين عبر الحدود، لكن لن تسعى في الوقت الراهن إلى تصعيد الأمور مع طهران. والحلول بين الطرفين ستكون أشبه بمسكنات ولن تكون هناك حلول جذرية تنتهي بمقتصاها نقاط الاختلاف بين الطرفين.

عمرو أحمد

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى