مصر

تكليفات رئاسية بضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح… الواقع والمأمول

جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية الأخيرة –والتي جاءت في أعقاب محاولة التعافي من جائحة كورونا– لتزيد من انكشاف احتياجات الدول وقدرتها على الصمود وإدارة الأزمات. وكان من أبرز القطاعات تأثرًا قطاع الأمن الغذائي وعلى رأسها زراعة وتجارة القمح لكون دولتا الصراع مسؤولتين عن توفير أكثر من 30% من حجم الأقماح المتاحة للتصدير بالعالم، خاصة بعد أن باتت تجارة السلع الاستراتيجية سلاحًا سياسيًا يتم توجيهه في وجه الجميع. 

ومصر بوصفها أحد أكبر مستوردي القمح كانت من أكثر المضارين من الأزمة الراهنة. ورغم اضطلاع الحكومة باتخاذ عدة إجراءات على مختلف المستويات لإدارة الأزمة الراهنة، وتوفير القمح بالأسواق وبأسعار مناسبة؛ إلا أن إدارة أزمة عدم كفاية الإنتاج المحلي لسد الاحتياجات الاستهلاكية كان حلمًا يراود الحكومات المتعاقبة، فغالبًا ما كانت تضع الحكومات المختلفة هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية وعلى رأسها القمح ضمن قائمة أولوياتها، إلا أن الأمر لم يكن يتعدى حاجز الهدف والطموح، لعدم وجود خطوات تنفيذية جادة على الأرض. 

ليست معضلة

https://lh3.googleusercontent.com/ShldJbVUVg4Oow_SL1IA33SKe-FgjzjhepSaN6qw4ITPVgLTTQmwvoam9YxVlq4Cy6WrXYnU0RXkzX7EjHr_0iFwdjE3elQgaf-imczUsUGZ4R7bnyIgVPGecBISWTz00-uWJq8t

فيعد القمح أحد أهم الحبوب التي يعتمد عليها المصريون في غذائهم يوميًا، وحلم تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح ليس بالمعضلة؛ فالأمر كله يتعلق بالتخطيط والإرادة والتنفيذ. فقد عانت زراعة القمح لعقود من انحسار المساحات المزروعة نتيجة نقص الأسمدة والسولار، أو عدم وجود المتابعة الفنية اللازمة.

والوصول للاكتفاء الذاتي يتطلب زيادة مساحات الأراضي المزروعة بالقمح، واستصلاح أراضٍ جديدة وتحقيق التوازن بين زراعة، وتحقيق الكفاية من القمح والمحاصيل الأخرى، على أن تزرع بأصناف ذات جودة عالية تصل إنتاجية الفدان فيها بين22 و32 إردبًا.

ويستلزم منا الأمر كذلك وجود ميكنة ووسائل حصاد جديدة ومتطورة بدلًا من الميكنة القديمة التي تؤدي إلى فقد كميات كبيرة من المحصول أثناء حصاده، بالإضافة إلى اتجاهنا لعمل منظومة صوامع جديدة لتخزين القمح حتى نستطيع استيعاب كميات أكبر من السابق وتوفير ما يهلك نتيجة التخزين في الصوامع القديمة المتهالكة. هذا إلى جانب التسعير العادل للقمح ليدر دخلًا علي الفلاحين مما يشجعهم علي زراعته.

هذا إلى جانب تعزيز الدور الإرشادي الحكومي لتطوير العملية الزراعية وفقًا لأحدث الأساليب العالمية،  خاصة لدى صغار المزارعين، ويمكن الاستعانة في ذلك بأبنائنا وعلمائنا بالخارج، لإدخال أحدث طرق الزراعة، ومساعدة الفلاحين على استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، وعدم إهدار المياه، والاستجابة للزراعات الحديثة بالرش والتنقيط. 

هذا علاوة على البحث عن عائلات جديدة من البذور الحديثة للزراعة تسهم في رفع إنتاجية الفدان، وضرورة إيلاء مزيد من الاهتمام بمصارف المياه كتبطين الترع لخفض الفاقد من المياه والمتحول إلى مياه جوفية، والاهتمام بالصرف المغطى والذي يؤدي إلى تقليل فقد المياه عن طريق البخر، والحفاظ على المياه المستخدمة في الزراعة من التلوث. 

خطى نحو الاكتفاء

رغم تعدد وتشعب الخطى التي يمكن من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا أن يومًا تلو الآخر تتأكد رؤية القيادة السياسية في ضرورة تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، وضرورة المشروعات القومية التي تم القيام بها خلال السنوات الأخيرة بوصفها مشروعات مكملة وضرورية للوصول لحلم الاكتفاء. 

وقد كلف الرئيس السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية بضرورة تعزيز كافة أوجه الدعم المقدم لمزارعي القمح في مصر، بزيادة المحفزات المقدمة للمزارعين مادية أو خدمية بما يحقق زيادة في الاكتفاء الذاتي.

تكليف الحكومة بتعزيز كافة أوجه الدعم المقدم لمزارعي القمح في مصر بزيادة المحفزات المقدمة للمزارعين مادية أو خدمية بما يحقق زيادة في الاكتفاء الذاتي وخطة الدولة لزيادة إنتاجية القمح المصري لم تكن وليدة الأزمة الأخيرة، فقد اتخذت الدولة عدة خطوات في هذا السبيل، أهمها زيادة مساحة الأرض المزروعة بالقمح، ووصل إجمالي من خلال اتجاه الدولة إلى مشروع المليون ونصف المليون فدان، والدلتا الجديدة، ومشروع «محور الضبعة» بمنطقة جنوب محور الضبعة غرب مشروع «مستقبل مصر»، بالقرب من الدلتا القديمة وشبكة الطرق والموانئ سواء البحرية أو البرية أو الجوية، والذي يهدف في المقام الأول إلى توفير احتياجات مصر من المحاصيل الاستراتيجية، وعلى رأسها القمح. 

ويربط المشروع بين الحدود الإدارية لمحافظات مطروح والبحيرة والجيزة، مساحة 500 ألف فدان صالحة لزراعة القمح والذرة الصفراء والبقوليات ومحاصيل الخضر وأنواع مختلفة من الفاكهة. وخلال الموسم الأخير تم زراعة 63900 فدان قمح بتوشكى، و145200 فدان بشرق العوينات، و4550 فدان بعين دالة، و4050 فدان بالفرافرة. 

هذا إلى جانب عقد اتفاقات زراعة القمح بعدد من الدول الافريقية عن طريق شركات القطاع الخاص، فقد اتفقت مصر ودولة تنزانيا في أكتوبر 2017، على التعاون في إنشاء مزرعة سمكية مشتركة، وأخرى زراعية نموذجية بمنطقة اجيراي لإنتاج تقاوي للقمح والذرة والأرز لخدمة سكان المنطقة. هذا بخلاف عدد من المزارع المتكاملة بعدة دول أفريقية.

وفي أعقاب الأزمة الأوكرانية، اتخذت الدولة عدة خطى لتحفيز المزارعين على زراعة القمح؛ فقد تدخل الرئيس السيسي موجهًا بضرورة صرف حافز إضافي لمزارعي القمح يكفل زيادة في معدلات توريد القمح بكميات كبيرة هذا العام والأعوام المقبلة، القرار الأخير رفع سعر التوريد للإردب وحافز محصول القمح 65 جنيهًا إضافيًا، ليصبح السعر الرسمي للمحصول الأعلى جودة ونقاء 885 جنيهًا، وهو قرار ينطوي على عدة أهداف لتشجيع المُزارعين على بذل أقصى جهد، في سبيل توفير أعلى جودة وحماية مُمكنة لهذا المحصول الاستراتيجي الذي يهم قطاع عريض من المُواطنين. 

هذا بالإضافة إلى قرار تحديد سعر توريد الإردب قبل بدء موسم الزراعة والذي واكب زيادة الرقعة الزراعية المُخصصة لهذا المحصول الاستراتيجي. وأيضًا التأكيد على ضرورة صرف مقابل التوريد خلال 48 ساعة من إتمام عملية التوريد. وهي قرارات تعزز ثقة الفلاحين بالحكومة وتحفزهم على زراعة القمح وتوريده للحكومة بالمواسم القادمة. 

هذا إلى جانب تخفيض أسعار تقاوي القمح خلال الموسم الزراعي الشتوي عام 2021 بنسبة 20%. وكذا، تعمل الدولة على زيادة إنتاجية الفدان من خلال السلالات المحسنة، والتي ارتفعت بإنتاجية الفدان بنسبة 10% من 2.7 طن إلى 3 طن للفدان. والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة فى زيادة الإنتاجية بعد تطبيق المعايير العالمية. 

وفي هذا الصدد، ولتحقيق المتابعة والإرشاد من قبل الدولة تجاه المزارعين، تابعت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي لأكثر من 8000 حقل إرشادي للقمح -تعد نموذجًا يساعد الفلاحين على الاستفادة من تطبيقات البحوث الزراعية، وزيادة الإنتاج- على مستوى الجمهورية.

أما عن استيعاب الزيادة الإنتاجية الجارية، فقد اتجهت الدولة إلى زيادة قدراتها التخزينية للحبوب والقمح لضمان تأمين مخزون استراتيجي كافٍ لفترات طويلة وتحت مواصفات عالمية تقلل من حجم الهدر والفاقد الذي كانت تتعرض له الحبوب فيما قبل؛ فحتى سبتمبر 2021 تمت زيادة عدد الصوامع بنسبة 81.8%، حيث وصلت لـ 80 صومعة عام 2021 مقارنة بـ 44 صومعة عام 2014، وزادت السعة التخزينية للقمح بنسبة 129.4%، ووصلت لـ 3.9 ملايين طن عام 2021 مقارنة بـ 1.7 ملايين طن عام 2014. 

ويعد آخر الصوامع التي تم إنشاؤها 7 صوامع بطاقة تخزينية 420 ألف طن (صومعة بعرب العليقات بطاقة 90 ألف طن، صومعة بني سلامة بطاقة 60 ألف طن، وصومعة الصالحية الجديدة بطاقة 90 ألف طن، وصومعة أبو صوير بطاقة 30 ألف طن، وثلاث صوامع بمناطق الحمام والخارجة وصان الحجر بإجمالي طاقة 150 ألف طن).

ومن المشروعات المكملة أيضًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية وعلى رأسها القمح وتعمل على تحقيق استدامة القطاع الزراعي من خلال الحفاظ على المياه من الهدر والفقد خاصة في ظل حالة الفقر المائي التي تعاني منها مصر، مشروع تبطين الترع -ويُمثل هذا المشروع القومي أول تطوير حقيقي للقنوات والترع منذ إنشائها- إذ يهدف إلى خفض ما إجماليه من 15 إلى 19 مليار متر مكعب من المياه التى يتم هدرها فى الشبكة المائية على طول مجرى النيل، من الموارد المائية سواء من نهر النيل أو من الأمطار أو المياه الجوفية أو المعالجة. 

وسيساعد المشروع على رفع كفاءة الري في الحقول من 50% إلى 75 % من الري بالغمر في الحقول. وسيعمل على زيادة إنتاجية ما لا يقل عن 250 ألف فدان من الأراضي الطينية . وتقدر التكلفة الإجمالية للمشروع بحوالي 90 مليار جنيه، على أن يتم إنجازه خلال عامين فقط بدلًا من عشرة أعوام.

وكذا، تم الانتهاء من إحلال وتجديد شبكات الصرف المغطى فى زمام  قدره 51.80 ألف فدان من أصل 60 ألف فدان مستهدفة خلال العام المالي الحالي 2021/2022. وبذلك يكون قد تم الانتهاء من تنفيذ شبكات الصرف المغطى لزمام وقدره 6.00 مليون فدان بالوجهين البحري والقبلي منها (4.30 مليون فدان بالوجه البحري و1.70 مليون فدان بالوجه القبلي)، من أصل 6.40 مليون فدان بالوجهين البحري والقبلي منها (4.60 مليون فدان بالوجه البحري و1.80 مليون فدان بالوجه القبلي) تتضمنها استراتيجية هيئة الصرف في مجال مشروعات الصرف المغطى.

الأمر يحتاج المزيد

ورغم ما تم تحقيقه على مدى السنوات الماضية، إلا أن مشوار تحقيق الاكتفاء الذاتي يحتاج إلى المزيد من الدعم والتخطيط، فلم تتخط نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح حدود الـ 50% في أحسن أحوالها منذ 2015. ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي عام 2019 نحو 40.3%. لذا فالأمر يتطلب من الحكومة مزيدًا من التحرك نحو هذا الهدف. 

ويعتقد أن البداية يجب أن تكون عند الفلاح –محور العملية الزراعية- بقيام الحكومة برسم سياسة مشتركة بالتعاون مع اتحادات ونقابة الفلاحين، تتلافى اختلاف وجهات النظر ويكون هدفها الأول تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح المصري، ووضع خريطة زراعية تستهدف رفع مستوى الإنتاج بالتوسع الرأسي والأفقي للوصول للمثيل العالمي من الإنتاج للفدان الواحد.

ويقترح لتحقيق الاكتفاء الذاتي، دعم كافة الفلاحين الذين يقومون بزراعة القمح بالأسمدة المدعمة على حد سواء للمستحقين للدعم أو غير المستحقين، ولو لفترة زمنية وبنسب دعم محددة، وذلك في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة وارتفاع أسعار أدوات الإنتاج المختلفة، للحد من عزوف الفلاحين عن زراعة أراضيهم لعدم تحقيقهم جدوى اقتصادية وأرباح في ظل ارتفاع أسعار الخامات. 

ومن الازمات الأخرى التي تواجه الفلاحين أن معظمهم لا يحصلون علي أسمدة لأن أراضيهم لم تقنن أوضاعها بعد ولذلك ليس لهم حصة من الأسمدة المدعمة، فالكثير من المزارعين مستأجرين للأراضي فليس لهم أحقية التعامل على الأرض التي قد يعمل مالكها الأصلي على المماطلة في إنهاء كافة إجراءات التقنين لأطول وقت ممكن لتبوير الأرض وتحويلها لأراضي سكنية ومباني بدلا من الزراعة عليها. 

ومن المشاكل التي يعاني منها الفلاح أيضًا، ارتفاع أسعار الأعلاف الأمر الذي قد يضطره إلى مشاركة محاصيله الصالحة للاستخدام الآدمي ومنها القمح مع ماشيته ويقتصد من قمحه ليقدمه كطعام للحيوانات لأن تربيتها شيء مهم لاقتصاديات الفلاح والدولة معًا، وهو ما يضيع جزءًا من التوريدات الممكنة للحكومة. فحل الأزمة يشجع الفلاح علي توريد الكميات التي ينتجها بالكامل من محصول القمح والمحاصيل الأخرى.

كذلك تعزيز دور البنك الزراعي المصري في تقديم قروض ميسرة لمشروعات تخدم خطة الدولة في تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع المختلفة. خاصة بعد تراجع دوره لفترة أسهمت في استدانة أكثر من 320 ألف فلاح وتعثروا في السداد، نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة. إلا أن البنك الزراعي المصري قرر فتح صفحة جديدة للتعامل مع الفلاحين بدأها بإسقاط الديون عن 45 ألفًا و200 عميل غالبيتهم من المزارعين، بمديونية إجمالية بلغت 4 مليارات جنيه. على أن تتم عملية الإقراض تحت رقابة وضمان تنفيذ خطة الدولة، للوقاية من خطر الوقوع في حلقة بنك التسليف الزراعي المفرغة. 

وينبغي على الحكومةكذلك ضمان توفير السلالات المحسنة والموفرة للمياه الزراعية وبكميات وفيرة وأسعار منافسة. مع توفير الإرشاد الزراعي اللازم. 

على الجانب الاخر، وفي ضوء التغيرات المناخية التي تشهدها دول العالم وبخاصة مصر وما لها من تأثير على مواعيد الزراعة والإنتاجية ومواعيد الحصاد وخريطة المحاصيل، يجب تعزيز الإرشاد الزراعي للمزارعين، وتفعيل الإرشاد المبكر للأزمات. وتوفير الآليات سواء البشرية أو التقنية والتي من خلالها يتم توعية المزارعين بأثر التغيرات المناخية على الأراضي الزراعية والمحاصيل وكيفية التكيف معها. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى