ليبيامكافحة الإرهاب

عودة التهديد: لماذا يسعى تنظيم داعش إلى استعادة نشاطه في ليبيا؟

شهدت الأشهر الأخيرة بروز العديد من المؤشرات التي عبرت عن وجود توجه من تنظيم داعش الإرهابي لاستعادة نشاطه في ليبيا؛ كجزء من استراتيجية التنظيم لإعادة إحياء نفسه في منطقة الساحل والشمال الأفريقي، وسعيًا منه إلى استغلال الأزمة السياسية في ليبيا. وهو مُتغير يُنذر بتهديدات كبيرة على مستوى الداخل الليبي، أو حتى بالنسبة لدول الجوار، خصوصًا في ضوء حالة الهشاشة التي تعاني منها المناطق الحدودية.

مؤشرات العودة

برز العديد من المؤشرات التي عكست عن توجه تنظيم داعش الإرهابي نحو استعادة نشاطه في ليبيا، ومن أبرز هذه المؤشرات:

1- تحت عنوان “يوميات جنود الخلافة في شهر رمضان بولاية ليبيا”، نشر تنظيم داعش في 26 أبريل، صورًا قال إنها لمقاتليه الموجودين في جنوب ليبيا، أظهر من خلالها حياتهم اليومية في شهر رمضان، وقد أظهرت الصور مقاتلين في منطقة صحراوية أثناء تجهيز أصناف مختلفة من الطعام وخلال تناول الإفطار، وأداء الصلاة، مع استعراض بعض الأسلحة التي يملكها هؤلاء المقاتلين، وإخفاء وجوههم.

2- كان التنظيم قبل نحو عشرة أيام قد أعلن مسؤوليته عن هجوم إرهابي بسيارة مفخخة، استهدف معسكرًا لكتيبة “طارق بن زياد” بمنطقة أم الأرانب بمدينة سبها جنوب البلاد، وأسفر عن جرح 3 عناصر من الجيش وخسائر مادية.

3- في 25 أبريل، أعلن الجيش الوطني الليبي أن وحداته العسكرية اشتبكت مع مجموعات تابعة لتنظيم “داعش” الإرهابي في منطقة غدوة جنوب شرقي ليبيا، وأشار البيان الإعلامي للجيش الوطني الليبي إلى أن “وحدات استطلاع تابعة للقيادة العامة رصدت تحركات هذه المجموعات، وأسفرت الاشتباكات بعد نحو ساعة عن إصابة إرهابيين اثنين، فيما قامت الوحدات بعمليات تمشيط لكامل المنطقة للقبض على المختبئين، ومنهم مسؤول التفخيخ القيادي في داعش هشام بن هاشمي، وتونسي الجنسية، وهو أحد المحاصرين”.

4- كان تنظيم داعش قد أعلن في أواخر يناير الماضي عن استهداف أفراد دورية تابعة لإحدى كتائب الجيش بمنطقة جبل عصيدة قرب بلدة القطرون جنوب غربي ليبيا. ورد الجيش بعمليات واسعة في حينه أسقطت قتلى في صفوف التنظيم وضبطت آخرين يحملون جنسيات أجنبية.

5- في فبراير الماضي، أعرب مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، تشانغ جون، عن مخاوفه من نشاط مستمر وانتشار سريع لتنظيم داعش الإرهابي في مناطق من بينها ليبيا والعراق وسوريا، وأكد أن تنظيم داعش الإرهابيينتشر بوتيرة أسرع في أجزاء كبيرة من أفريقيا من بينها ليبيا، مشيرًا إلى أن المجتمع الدولي يجب عليه مساعدة الدول الأفريقية بقوة لتعزيز بناء القدرة على مكافحة الارهاب والتطرف.

وقد عكست المؤشرات السابقة تبني تنظيم داعش الإرهابي لمقاربة تقوم على عدد من المرتكزات لإعادة التموضع والنشاط في ليبيا، إذ تركز هذه المقاربة من جانب على القيام بعمليات إرهابية “منخفضة التكلفة” تقوم بها مجموعات صغيرة، مع تبني حملات إعلامية يؤكد التنظيم من خلالها على حضوره في ليبيا، تحفيزًا للعناصر الإرهابية الأجنبية الموجودة في دول الجوار على التوجه نحو ليبيا، ورفعًا لمعنويات عناصره في الأراضي الليبية، وضربًا لمعنويات خصومه.

الأسباب والدوافع

توجد جملة من الاعتبارات التي يمكن في ضوئها فهم الأسباب التي تقف خلف مساعي تنظيم داعش استعادة نشاطه في ليبيا، وذلك على النحو التالي:

1- أحد الأسباب الرئيسة التي تقف خلف سعي تنظيم داعش استعادة نشاطه في ليبيا، هو الرغبة في استغلال “الفوضى السياسية” التي تعيشها البلاد في الآونة الأخيرة، في ضوء الانقسام السياسي في البلاد، وعدم توحيد المؤسسات الليبية، وهو ما أشارت إليه  المستشارة الأممية ستيفاني ويليامز، حيث حذرت من تداعيات الصراع السياسي في البلاد، وما قد ينجم عنه من انتعاش لتنظيم “داعش” بمناطق الجنوب.

2- يركز تنظيم داعش الإرهابي في تحركاته في ليبيا، على منطقة الجنوب، وهو توجه يمكن فهمه في ضوء المكاسب التي قد يحققها التنظيم من منطقة الجنوب؛ فمن جانب تمثل هذه المنطقة نقطة تلاقٍ مع دول الجوار وخصوصًا تشاد والنيجر والسودان، وبالتالي تُتيح للتنظيم فرص التلاقي والتنسيق مع الأفرع الإرهابية والجماعات التي تدور في فلكه في هذه المناطق، وهو ما أكده آمر منطقة سبها العسكرية اللواء فوزي المنصوري، إذ قال إن أغلب التنظيمات التي تستهدف الجيش جنوبًا لها امتداد في الدول المجاورة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن داعش يُركز في مساعيه للحضور في الجنوب الليبي، على العامل الاقتصادي؛ إذ سيساهم حضور التنظيم في هذه المنطقة في رفع قدراته الاقتصادية، من خلال ممارسة عمليات التهريب والاتجار غير المشروع في الأسلحة والمواد المخدرة والبشر وبعض السلع، فضلًا عن السعي إلى السيطرة على الهلال النفطي.

ذلك فضلًا عن أن منطقة الجنوب الليبي منطقة ذات طبيعة صحراوية وجبلية صعبة، وهي منطقة قليلة السكان، وبالتالي ووفقًا لهذه الطبيعة، فإن منطقة الجنوب تُمثل ملاذًا آمنًا بالنسبة لعناصر التنظيم الإرهابي.

3- يسعى التنظيم عبر هذه العمليات التي تتم بين الحين والآخر، أو عبر النشاط الإعلامي الذي يُروج لحضوره في ليبيا، إلى الرد من جانب على العمليات العسكرية والأمنية المستمرة التي يشنها الجيش الوطني الليبي ضد فلول التنظيم خصوصًا في منطقة الجنوب، ومن جانب آخر التأكيد على أن هذه العمليات لم تحل دون حضوره وممارسته نشاطه في ليبيا.

4- تذهب بعض التقديرات إلى أن داعش ربما يرى في البيئة الليبية المكان الأنسب لتحويل قبلته، وحضوره مركزيًا، بدلًا من العراق وسوريا، وذلك في ضوء الأزمة السياسية في البلاد، والسياق الأمني الهش، خصوصًا مع عدم توحيد المؤسسات، فضلًا عن المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية الكبيرة التي سيحظى بها من خلال حضوره في ليبيا.

5- يحاول تنظيم داعش استغلال التحديات التي تواجه الجيش الوطني الليبي، خصوصًا على مستوى حظر التسليح عنه والقوات الأمنية، بقرار من الأمم المتحدة منذ عام 2011، وهو الأمر الذي يمثل تحديًا رئيسًا بالنسبة لجهود مكافحة الإرهاب في ليبيا؛ ففي الوقت الذي يُحظر فيه تصدير السلاح للجيش الوطني الليبي، فإن تنظيم داعش الإرهابي لديه قدرات تسليحية عالية، ومصادر تسليح متنوعة، واقتصاديات كبيرة، تُمكنه من تعزيز هذه القدرات.

وختامًا، يمكن القول إن الهجمات الإرهابية الأخيرة لتنظيم داعش الإرهابي، فضلًا عن حملاته الإعلامية التي تُركز على تأكيد الحضور الطبيعي للتنظيم في ليبيا، ما هي إلا إشارات إلى عودة نشاط التنظيم بالأراضي الليبية، وهو الأمر الذي يأتي استغلالًا للأزمات التي تعاني منها البلاد، ويفرض تحديات جديدة داخل المشهد الليبي، لكن التهديد يتجاوز حدود الداخل الليبي إلى دول الجوار، وهو ما يُحتم على هذه الدول تنسيق الجهود بما يعزز من القدرة على التعاطي مع أنشطة تنظيم داعش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى