الحوار الوطنيمصر

دعوة جادة.. الحوار السياسي ومبدأ تعزيز التشاركية

أصبح حفل الإفطار السنوي للأسرة المصرية منذ إطلاقه عام 2017 منصة حيوية وأحد جوانب التفاعل المهمة بين الرئيس “عبد الفتاح السيسي” ومختلف أطياف المجتمع المصري. وقد شهد إفطار هذا العام حالة من الزخم التي تجعلنا ننظر للسادس والعشرين من أبريل 2022 كمحطة مفصلية يمكن أن يكون لها ما قبلها وما بعدها.

وذلك لاعتبارين أساسيين: أولهما، قيام الرئيس “السيسي” بإصدار (13) تكليفًا متعددة الجوانب والأبعاد الاقتصادية والسياسية والمجتمعية والحقوقية، والتي من شأنها أن تقود إلى نقلة نوعية في تلك المجالات المختلفة. ثانيهما، نوعية الحضور والمشاركين والتي اختلفت بصورة ملحوظة عن المرات السابقة، إذ ضم إفطار الأسرة المصرية عددًا من الرموز السياسية والنخب الحزبية ذات التوجهات والمواقف المعارضة، ما يعني إتاحة مساحة أكبر لتلك التيارات للمشاركة فى صياغة الترتيبات السياسية المقبلة وأولويات الحركة للدولة المصرية.

وقد حاز تكليف الرئيس لإدارة المؤتمر الوطني للشباب بالتنسيق مع كافة التيارات السياسية والحزبية لإدارة حوار سياسي حول أولويات العمل الوطني خلال المرحلة القادمة قدرًا واسعًا من الاهتمام والتفاعل من قبل كافة الأطراف والكيانات السياسية في مصر-خاصة المعارضة- إذ رأت أن هذه الدعوة تُعد تحولًا جوهريًا يمكن البناء عليها لطرح أفكارهم وتصوراتهم في القضايا محل النقاش.

دعوة غير مشروطة

تُعد دعوة الرئيس “السيسي” إلى إجراء حوار سياسي غير مشروطة، حيث طالب بالإعداد لحوار سياسي موسع بين كل القوى السياسية دون استثناء أو تمييز، وقد اتسمت تلك الدعوة بالشمول وابتعدت عن الإقصاء، ولا يمكن أن تنفصل تلك الدعوة عن السياق العام والمناخ المصاحب لها، ما يمكن تحديده فيما يلي:

اولًا) النجاح في تثبيت أركان الدولة، اتسمت السنوات الماضية بحالة من السيولة الأمنية وغياب الدولة وتراجع وهشاشة المؤسسات في عدد من الدول العربية وذلك على خلفية أحداث 2011. ولم تكن مصر بعيدة عن تلك المخاطر، حيث شهدت الفترة التي أعقبت ثورة 30 يونيو جملة من التحديات المتمثلة في تفشي ظاهرة الإرهاب، والعمل على نشر الفوضى وتهديد الأمن وزعزعة الاستقرار، بجانب التهديدات الحدودية التي ارتبطت بالتفاعلات التي تشهدها دول الجوار.

وعليه كانت الأولوية في تلك المرحلة تصب في صالح تثبيت أركان الدولة، وتجاوز المصير الإقليمي الذي تعاني منه دول عربية عدة، علاوة على تبني مسار البناء الداخلي وإطلاق مشروع للتنمية الشاملة لمقاومة تلك التهديدات التقليدية وغير التقليدية.

ومن هنا، قاد نجاح الدولة المصرية وقدرتها على تجاوز تلك التحديات والتعاطي معها بفعالية في التقدم نحو بلورة دعوة لإجراء حوار سياسي، وفتح عدد من القضايا والملفات التي تشغل الرأي العام والنخب السياسية، ما يعُد منطقيًا في ظل الظروف سالفة الذكر؛ إذ إن الحوار في تلك البيئة الضبابية وغير المستقرة لم يكن مؤهلًا للنجاح لافتقاده السياق والمناخ المُحفز، وعليه يمكن القول إن تهيئة الظروف والنجاح في تخطي وتجاوز التحديات كان لابد أن يكون سابقًا لأية ترتيبات أخرى.

ثانيًا) فلسفة الجمهورية الجديدة، تأتي الدعوة للحوار السياسي بما يتماشى مع فلسفة الجمهورية الجديدة، وما صاحبها من تنمية شاملة وإصلاح في مختلف المجالات، وتُظهر الدعوة طبيعة المرحلة وتوجه القيادة السياسية في بحث سبل الوقوف على أرضية مشتركة والتفكير الجماعي في صياغة حلول ورؤى تستهدف بالأساس المصلحة العليا للدولة المصرية وتبتعد عن المصالح الضيقة، بجانب الدفع تجاه تعزيز مبدأ التشاركية في صنع القرار والذي يمثل أساسًا لانجاح الحوار، وهو ما عبر عنه الرئيس “السيسي” قائلًا  “إن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية”، وعليه يُنظر لطرح مختلف الآراء والمواقف كونه ضرورة حتمية ومقدمة للتوافق بشأن القضايا العالقة والخلافية.

ثالثًا) الانفتاح على المجتمع المدني، تتواءم الدعوة إلى الحوار السياسي مع جملة من التحولات الكبرى التي تشهدها الدولة المصرية فيما يرتبط بالمجال العام، ولا شك أن أحد أبرز تلك التحولات إعلان 2022 عامًا للمجتمع المدني، ما يُشير إلى الرغبة في إشراك مكونات المجتمع المدني في كافة جوانب التنمية، الأمر الذي يعزز من التعاون بين الدولة وتلك المكونات، ما يسهم في تحقيق أكبر قدر من المكاسب؛ إذ إن إدماج المجتمع المدني من شأنه أن يُزيد من مساحة التوافق بينه وبين الدولة، ما ينعكس على استدامة مسار التنمية بمختلف أبعاده. من هنا يمكننا فهم التعاطي الإيجابي من قبل منظمات المجتمع المدني والنقابات والكيانات الأخرى مع دعوة الحوار السياسي.

رابعًا) ترجمة واقعية لاستراتيجية حقوق الإنسان، تدخل دعوة تدشين وإجراء حوار سياسي شامل ضمن خطة الدولة الأوسع واستراتيجيتها للنهوض بحقوق الإنسان على كافة الأصعدة؛ إذ تأتي الدعوة تعبيرًا عن الرؤية المصرية المتكاملة التي تم الإعلان عنها خلال الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتي مهدت الطريق للانفتاح المتوزان بين الحقوق والواجبات، وكذلك بين حقوق الفرد والمجتمع، فارتكزت الاستراتيجية على أربعة محاور من بينها ما يتعلق بالحقوق السياسية والمدنية، وما يتضمنه من دعم وتعزيز المشاركة في الحياة السياسية والعامة كأحد المكونات الأساسية لترسيخ دعائم الديمقراطية وسيادة القانون، ومن هنا يُنظر إلى دعوة الحوار السياسي كأحد الأدوات التي انتهجتها الدولة المصرية لتعزيز حقوق الإنسان والانتقال بالاستراتتيجية ومحاورها لأرض الواقع، وترجمتها لواقع ملموس.

مقومات النجاح

ثمة عوامل يمكن أن تساعد في إنجاح الحوار السياسي وتحقيق المأمول منه، خاصة في ظل التعاطي الإيجابي والتفاؤل في مختلف الأوساط السياسية، والحزبية وبين النخب المؤيدة والمعارضة، ما يمكن تحديده فيما يلي:   

أولًا) دعم القيادة السياسية للحوار، أعلن الرئيس “عبد الفتاح السيسي” دعمه الشخصي لإنجاز الحوار السياسي ووعد بحضور المراحل النهائية من جلساته، في إشارة واضحة لرؤية القيادة السياسية وعزمها على إنجاح الحوار وتطبيق مخرجاته. ويٌعد الحوار ضمن محاور حركة الرئيس “السيسي” خلال السنوات الماضية، ما تجلى بشكل واضح في دورية انعقاد مؤتمرات الشباب أو عبر منتدى شباب العالم.

واتضح هذا المبدأ كذلك في ظل الأزمة السياسية وحالة الاستقطاب التي سيطرت على المشهد المصري فترة حكم الإخوان حيث دعا وقتها حينما كان وزيرًا للدفاع إلى ضرورة عقد حوار يجمع كافة شركاء الوطن للخروج من المأزق القائم حينها. وعليه يمنح الدعم المباشر وإيمان القيادة السياسية بجدوى وأهمية الحوار فرصًا لانجاح الحوار السياسي.

ثانيًا) جدية الطرح، اتضح من مضمون الدعوة وبنودها والترتيبات اللاحقة لها مدى جدية الطرح والرغبة في دفع الحوار للأمام، وقد تجلت مظاهر جدية الطرح في عدد من المؤشرات من بينها: الإصرار على طرح مبادرة الحوار السياسي؛ إذ إن الإعلان عن دعوة الحوار خلال إفطار الأسرة المصرية، جاء بعد أيام من طرح الفكرة خلال أيام من زيارة الرئيس إلى توشكى ليشهد بدء موسم حصاد القمح. وعليه يدل الإعلان بهذا الشكل على دخول مبادرة الحوار الوطني مرحلة الشروع في تنفيذها بحيث بات ضمن أولويات القيادة السياسية.

يضاف إلى ذلك الإفراج عن عدد من المعتقلين، علاوة على إعادة تفعيل لجنة العفو الرئاسي وتوسيع نطاق عملها وإعادة تشكيلها بإضافة عضوين من المحسوبين على المعارضة وهما المحامي “طارق العوضي” والحقوقي “كمال أبو عيطة”، فضلًا عن التحركات التي أعلنت عنها الأكاديمية الوطنية للتدريب بوصفها الجهة المنوط بها ترتيب الحوار.

ثالثًا) التمثيل الشامل المتنوع، أبرزت ردود الفعل من قبل الأحزاب السياسية والنقابات وتعاطيها مع دعوة الحوار لحدود المشاركة المأمولة ومستقبل الحوار بشكل عام، فمن المحتمل أن تشهد جلساته وفعالياته تمثيلًا واسعًا لمختلف القوى المؤيدة والمعارضة، ما ظهرت بوادره في إفطار الأسرة المصرية والذي حضره عدد من رموز المعارضة السياسية، علاوة على التجاوب والبيانات الداعمة للحوار من عدد من الأحزاب والقوى السياسية. ويضفى التنوع الحزبي والايديولوجي مزيدًا من الزخم على الدعوة، ويدفع في مسار إنجازه والخروج بنتائج توافقية يمكن البناء عليها في هذا المسار للتعاطي مع التحديات التي تواجه الدولة.

متطلبات واجبة

في الأخير، أصبحت الفرصة مهيأة ومتاحة بشكل رسمي لمختلف القوى السياسية المنخرطة في المشهد، وكذا للنخب المؤثرة في مختلف المجالات، بالإضافة إلى باقي المؤسسات والكيانات للعب دور حقيقي في إنجاز الحوار الوطني، ما يجعلنا أمام جملة من المتطلبات الضرورية والتي يمكن أن تسهم في إنجاح الحوار من بينها: ضرورة البحث عن القواسم المشتركة بين مختلف الأطياف والعمل على إعلاء المصلحة العليا على حساب المصالح الحزبية الضيقة، بالإضافة إلى أهمية المشاركة الفاعلة والنشطة مع عدم تفجير المشكلة دون وضع حلول واقعية وبدائل أمام صانع القرار.

ويمكن أن تقوم الأحزاب السياسية بتحديد أجندة للقضايا التي تضعها في أولوياتها وتعمل على تدشين حوار بشأنها، والخروج بورقة سياسات تُحدد سبل التعاطي الجاد مع تلك القضايا. وكذلك قد يكون من المهم تحديد مدى زمني واضح تلتزم به الأطراف المشاركة في الحوار، مع ترتيب الأولويات والذي يمكن أن يؤدي إلى نتائج واقعية وقابلة للتنفيذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى