الاقتصاد المصري

توجيهات رئاسية للحكومة بخفض الدين العام.. الأسباب والمسارات

قبل الحديث عن الدين العام المصري ونسبته من الدخل القومي، فمن الضروري الإشارة إلى أن حالة الاستدانة هي وضع عالمي لا يخص الشأن المصري فقط، ندلل على ذلك بتقرير وكالة ستاندرد آند بورز الائتمانية والذي أشار إلى احتمالية إضافة 137 دولة ديون بحوالي 10 تريليونات دولار في العام 2022. وعلى الرغم من ضخامة ذلك المبلغ، فإنه لا يزال أقل من حجم الاستدانة الذي مر به العالم في عام كورونا والذي كان أعلى بنسبة 30% مما كان عليه في عام 2020، حيث كانت أزمة كورونا المفاجئة سببًا وراء قيام العديد من الدول باللجوء إلى سوق الاستدانة لتوفير التمويلات العاجلة والطارئة للإنفاق على سياسات الصحة العامة لمواجهة وباء كورونا، بالإضافة إلى توفير حزم التحفيز المالي لاقتصاداتها لمساعدة المواطنين على الصمود أمام التحديات الاقتصادية التي شكلتها تلك الأزمة.

الوضع المصري

يتشابه الوضع المصري مع أوضاع مجموعة كبيرة من الدول التي تقع في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا ومحيطها الهادئ، والتي تعاني من أعباء فائدة عالية (نتيجة لارتفاع نسبة الدين وارتفاع معدلات الفائدة). يمكن تفسير تلك الزيادة في الأعباء بوجود فجوة تراكمت عبر سنوات من العجز في الموازنة العامة للدولة نتيجة لانخفاض جانب الإيرادات في الموازنة من جهة، مع وجود سياسة دعم غير مواتية التهمت موارد الموازنة العامة للدولة لسنوات من جهة أخرى.

لكن ذلك الوضع تغير إلى حد كبير بعد عام 2016، أو على الأقل يمكن القول إن الموازنة العامة للبلاد بدأت في تحقيق معدلات فوائض أولية بداية من العام المالي 2017-2018 بنسبة 0.10 % وارتفع إلى 2 % في العام التالي له (2018/2019) واستمر في تحقيق معدلات إيجابية بنسبة 1.8 % و1.4 % للأعوام 2018/2020 & 2020/2021. وهو ما يدلل على حقيقة أن الدولة تسير في المسار الصحيح نحو تخفيف إجمالي الدين العام في حال استمرار الموازنة العامة تحقيق فوائض بشكل سنوي متزايد ولعدة سنوات متتالية.

لكن العام الحالي وما يشوبه من أوضاع غير مسبوقة فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية والتي ترتب عليها ارتفاع أسعار السلع الأولية عالميًا والتي تشمل الطاقة والمعادن والغذاء، ترتب عليها الضغط على الموازنة العامة للدولة بشكل كبير. ونظرًا للدور الاجتماعي الذي تبنته الحكومة المصرية في تجنب تمرير كل تلك الارتفاعات إلى المواطن بشكل مباشر، فقد تحملت جزءًا كبيرًا من تلك الارتفاعات، خاصة في الجزء الخاص بالطاقة والجزء الخاص بدعم المواد الغذائية وبالأخص الحبوب والدعم في رغيف الخبز، لكن ذلك الدور الاجتماعي للدولة تجاه مواطنيها ترتب عليه زيادة كبرى في مصروفات الموازنة العامة للدولة. من الناحية الأخرى، فإن الأزمات في سلاسل التوريد عالميًا، والاضطرابات في الأسواق العالمية من المحتمل أن تكون مصدر ضغط على حصيلة البلاد من الضرائب (أمر متوقع؛ إذ إن البيانات الخاصة بالموازنة للعام الحالي لم تظهر بعد).

سبل خفض الدين

تبنى السياسة المالية المصرية على أربعة محاور رئيسة، وهي تتمثل في: استمرار السعي نحو تحقيق الانضباط المالي والسيطرة على الدين، ومساندة النشاط الاقتصادي بالبلاد في القطاعات المختلفة صناعي وزراعي وكذلك الأنشطة التصديرية، والسعي إلى تحسين دخول المواطنين وتحسين مستوى معيشتهم، والتركيز على تطوير مجالات التنمية البشرية خاصة قطاعي التعليم والصحة. ومن ثم فإن أحد أهم المحاور التي يتم أخذها في الحسبان عند بناء الموازنة العامة للدولة هي الاستمرار في جهود الحفاظ على استدامة الانضباط المالي والمديونية الحكومية والاستقرار المالي، ومحاولة استشفاف الأزمات المختلفة التي قد تواجه الدولة المصرية، والاستمرار في دعم النشاط الاقتصادي وتحفيزه دون الإخلال باستدامة المؤشرات المالية للموازنة والدين.

فعلي سبيل المثال، كانت مستهدفات العام المالي 2021/2022 هي تحقيق معدل نمو اقتصادي بحوالي 5.4%، وخفض العجز الكلي (الفارق بين الإيرادات والمصروفات) إلى 6.7 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتحقيق فائض أولي قدرة 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وذلك لضمان عودة الاتجاه الهابط لمسار دين أجهزة الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي مع بداية العام المالي 2022/2023.

وكانت الحكومة تستهدف بمشروع موازنة العام المالي 2021/2022 وعلى مدار الأعوام التالية لها (ثلاث سنوات) كذلك استمرار جهود الخفض التدريجي لمعدلات نمو دين أجهزة الدولة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل إلى أقل من 85% بنهاية يونيو 2024، وبما يسمح باستمرار تحسن خفض نسبة أعباء فاتورة خدمة الدين للناتج المحلي الإجمالي، مع الاستمرار في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، لكن تلك التوقعات تم بناؤها بالاعتماد على أساس افتراض انتهاء جائحة كورونا واستقرار الأوضاع، مع وضع هدف مستدام هو تحقيق الموازنة العامة للدولة لفائض أولي بحوالي 2% على المدى المتوسط دون التأثير السلبي على النشاط الإنتاجي والاستثماري والاقتصادي، حيث استهدفت خطة الدولة خلق وفورات مالية على المدى المتوسط تسمح باستمرار زيادة الإنفاق على التنمية البشرية ومشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يقابل الاستحقاقات الدستورية بالدستور المصري.

لكن سارت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ إذ إن الخطط التي تم بناؤها في السابق افترضت (بالتوافق مع التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية) أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 6% في عام 2021، وأن ترتفع معدلات التجارة العالمية إلى نحو 8.4% في عام 2021، خاصة مع استمرار التوسع في برامج التطعيم في أنحاء العالم، لكن واقع الأمر أن العام 2022 كانت بدايته غير سارة حيث دخلت دولتا روسيا وأوكرانيا في حرب عسكرية مفتوحة ترتب عليها ارتفاع كبير في أسعار الطاقة عالميًا (تخطي برميل البترول حاجز 100 دولار ووصل إلى أسعار بحوالي 140 دولارا للبرميل)، وارتفعت أسعار القمح إلى الضعف تقريبا عالميًا.

والدولتان روسيا وأوكرانيا تربطهما علاقات خاصة بالدولة المصرية، فهما تشكلان تقريبًا ثلث إيرادات السياحة في مصر، لكن التأثيرات كانت أكبر من مستوى الدولتين؛ إذ إن حالة الضغط الاقتصادي التي ضربت أوروبا تسببت في تردي الأوضاع الاقتصادية، ومن ثم انخفاض إقبال المسافرين الأوروبيين على السياحة بشكل عام (السياحة خدمة ترفيهية)، لكن من جانب آخر لا زالت مصر تستورد ضرورياتها من القمح والبترول عالميًا، ولا يمكن لمصر وقف أو خفض استيراد تلك السلع حيث إنها ضرورية، ذلك الوضع من المحتمل أن يترتب عليه عدم قدرة الدولة المصرية على تحقيق مستهدفاتها المالية للعام 2021/2022، وهو أمر طبيعي في ظل ما يمر به العالم من الضغوط.

لكن في ظل الوضع الحالي الذي تمر به الدولة المصرية من ضغط كبير في القدرة على توفير السيولة بالعملات الأجنبية، واتجاه عالمي لرفع أسعار الفائدة وهو ما سيترتب عليه ارتفاع تكلفة الاستدانة بالنسبة للدولة المصرية في حال الإقبال عليها، بات على الدولة المصرية إعادة النظر في استراتيجيتها تجاه الاستدانة وهو ما أشار إليه السيد الرئيس بتوجيه الحكومة لوضع خطة استراتيجية لخفض مستوى الدين العام المحلي والأجنبي.

ولتحقيق ذلك الهدف فهو يتعلق بمجموعة من العوامل، يتمثل الأول منها في زيادة قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات الضريبية، وهو ما خططت له الدولة المصرية في موازنتها لعام 2021/2022 بزيادة نسبة الإيرادات الضريبية من الجهات غير السيادية بواقع 0.5 % من الناتج المحلي سنويًا، من خلال الإسراع في إجراءات الميكنة الشاملة، وتشجيع الاقتصاد غير الرسمي على الانضمام للمنظومة الرسمية للدولة. 

ذلك بجانب تحسين العائد على أصول الدولة من خلال تبني سياسات اقتصادية سليمة تفضي إلى تسعير جيد يغطي تكلفة إتاحة السلع والخدمات ومستلزمات الإنتاج، والمضي في إعادة هيكلة الأصول المالية للدولة بشكل يحقق تحسن في أوضاع المالية لأجهزة الدولة وتحسين الخدمات المقدمة. هذا فضلًا عن تعزيز سبل الشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجالات الاستثمارية. 

أما الأمر الثاني فهو السيطرة على الجانب الخاص بالمصروفات بالموازنة العامة للدولة، من خلال: رفع كفاءة وأعاده ترتيب أولويات الإنفاق، مع زيادة قيم ومعدلات الإنفاق الاستثماري الموجه لتحسين البنية الأساسية، ورفع مستوى الخدمات العامة، وميكنة قواعد البيانات المتاحة بما يسمح بتوجيه موارد الدولة المحدودة إلى الفئات المستهدفة.

لا يمكن لتلك الإجراءات أن تنجح دون إصلاح حقيقي للهياكل المالية بالدولة، من حيث أداء الهيئات الاقتصادية وقطاع الأعمال العام، بما يضمن تحقيق عوائد مناسبة عن السلع والخدمات التي تقدمها هذه الهيئات والشركات في القطاعات المختلفة، بالإضافة إلى التركيز على الإصلاحات التي من شأنها أن تحسن من بيئة العمل، وتشجيع الصادرات، والنهوض بقطاع الصناعات التحويلية والتي من شأنها الإسهام في تحقيق معدلات نمو مرتفعة وخلق فرص عمل، ومن ثم تحقيق دخل إضافي للموازنة العامة للدولة يسهم في النهائية في تعزيز جانب الإيرادات بها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى