Uncategorized

توجيهات “السيسي” باستكمال سداد مديونية الغارمين والغارمات.. الأبعاد والدلالات

يعد ملف الغارمين والغارمات من أهم الملفات التي شغلت الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ سنوات ماضية، وكان من أوائل الملفات التي تمت مناقشتها على مائدة إفطار الأسرة المصرية من خلال لقاء جسد المفهوم الحقيقي للمواطنة، وكان شاهدًا على عنوان أساسي وهو “جبر الخواطر”. فتحت وطأة الفقر والحاجة والعادات الاجتماعية الخاطئة التي تدعو إلى التفاخر والمباهاة، وترسخ السلوك الاستهلاكي، نشأت قضية الغارمين والغارمات التي دفعت الآلاف إلى الاستدانة لمساعدة أسرهم، وبسبب العجز عن السداد صدر في حقهم أحكام بالسجن، ليوجه الرئيس باستكمال سداد المديونية الخاصة لـ 700 من الغارمين والغارمات بالسجون، بتكلفة مالية تصل إلى 45 مليون جنيه.

إنهاء معاناة العديد من الأسر المصرية

دائمًا ما يضع الرئيس نفسه في قلب معاناة المواطنين، ويشعر بآلامهم وما يمرون به من ضوائق ومحن، فتحدث عن الأزمة الاقتصادية، وأكد أنه يشعر بتأثيرها على بلده وعلى شعبها، وأمر بمجموعة من التوجيهات من أجل تخفيف التداعيات الاقتصادية، والتخفيف عن الغارمين والغارمات تحديدًا. فقد استشعر خطورة وجودهم في السجون، ووجه بحصر أعداد المسجونين الفعليين من الغارمين والغارمات، ودراسة حالاتهم تمهيدًا للإفراج عن دفعة منهم مع حلول عيد الفطر المبارك، وطالب كذلك بإعداد رؤية متكاملة للقضاء على ظاهرة الغرم، التي ينجرف وراءها الآلاف وهم جاهلون بأبعادها.

وهذا يترجم توجهات الدولة والقيادة السياسية التي تولي محدودي الدخل اهتمامًا كبيرًا، وتعمل على توسيع مظلة حمايتهم الاجتماعية، والتخفيف عن كاهل الأسر المصرية المعيلة، إذ أنهم هم الفئات الأولى بالرعاية، ويجب وضعهم في صدارة الاهتمامات. فلفت السيسي بقراره الانتباه إلى أمر مهم للغاية، وهو وجوب توافر إجراءات تكون بمثابة تدخلات استباقية واستشرافية تمنع وقوع الغارمين والغارمات تحت طائلة جشع التجار واستغلالهم، وحتى لا يقعوا فريسة لمن لا ضمير لهم، الذين يستغلون الفقر والعوز بمضاعفة قيمة الأقساط وقيمة السلع التي تؤخذ بالأجل.

قرار تاريخي وغير مسبوق

قرار الرئيس بحصر أعداد الغارمين والغارمات يأتي كمقدمة للإفراج عنهم بعد أن يقوم صندوق “تحيا مصر” بسداد الديون المستحقة عليهم، والتي تقدر قيمتها بنحو 45 مليون جنيه، بما يدخل البهجة على قلوب هذه الأسر المشتتة، ويجمع شملها وهي على مشارف عيد الفطر المبارك.

وبهذا القرار، وضع الرئيس حدًا لقضية لطالما أرهقت الجميع، ومثلت أزمة باتت معها الحلول والمبادرات وحدها لا تكفي، فكانت بحاجة إلى حسم جذري، فمن غير الممكن أن تنهار أسرة كاملة من أجل مبالغ زهيدة لا تتعدى الألف جنيه، ولعل هذا كان سبب لوعد قد وعده الرئيس سابقًا، وقد أطلق هذا الوعد على اسم مبادرة مهمة في هذا الصدد وهي “مصر بلا غارمين أو غارمات”، فهو يوقن جيدًا أن هؤلاء ليسوا مجرمين، وأن معاقبتهم بالسجن غير مجدية، خاصة وأنهم يقعوا ضحية للظروف الاقتصادية واحتياجات أسرهم الأساسية.

وقد وجه الرئيس في هذا الإطار بالتنسيق بين وزارة التضامن الاجتماعي والجهات المختصة بشأن تدقيق قوائم الغارمين، ومنح الأولوية للسيدات المعيلات والأرامل والمسنين، والتنسيق مع المجتمع المدني والمؤسسات الدينية في مساعدة الأسر غير القادرة على تيسير شئون الزواج والمساهمة في سداد المديونيات.

المبادرة الرئاسية “مصر بلا غارمين أو غارمات”

في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بتحسين جودة حياة المواطنين على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والثقافية، استمدت سياسات الحماية الاجتماعية أهميتها في ضوء تزايد الفئات المستضعفة والمهشمة داخل المجتمعات، خاصة في ظل إقدام الحكومات على إجراء المزيد من الإصلاحات الاقتصادية التي يتحمل أعباءها المواطن البسيط، وهنا يبرز التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين عمليات الإصلاح الاقتصادي من جانب، وتوفير الحماية الاجتماعية للمواطنين من جانب آخر.

“سجون بلا غارمين”، مبادرة رئاسية إنسانية تسعى إلى سداد مديونيات كل الغارمين من خلال صندوق “تحيا مصر” أو من خلال منظمات المجتمع المدني التي تتكفل بمثل هذه الحالات، وتؤدي دورها الاجتماعي على أكمل وجه بعيدًا عن أي أهواء أو مصالح، ليتم الافراج عن أكثر من 4 آلاف غارم وغارمة.

بدأت المبادرة الرئاسية نشاطها في 2015 تحت عنوان مبادرة “مصر بلا غارمات”، وخلالها تم الإفراج عن عشرات السيدات من السجون بدءًا من شهر فبراير من هذا العام، فتم التصالح على نحو 110 قضية للغارمات، ثم اتخذت المبادرة بُعدًا أكبر تحت عنوان “مصر بلا غارمين وغارمات”، لتكون بذلك بداية نهاية عصر الغارمات، وذلك في 2018.

وخلال يونيو 2018، تم الإفراج عن نحو 960 غارمًا وغارمة، بعد سداد ديونهم من قبل صندوق تحيا مصر بقيمة 30 مليون جنيه والتي جاءت في توقيت أبهج الأسر وأسعدهم فكانت تتزامن مع عيد الفطر المبارك. ثم تم الإفراج عن دفعة جديدة منهم بالتزامن مع احتفالات ذكرى ثورة 23 يوليو وعيد الأضحى، إذ أفرج قطاع السجون عن 683 غارمًا وغارمة. واستهدفت مبادرة “سجون بلا غارمين” عام 2018 كذلك سداد مديونات غارمات من خلال 42 مليون جنيه لفك كرب 6000 غارم وغارمة.

وتم تشكيل اللجنة الوطنية لرعاية الغارمين والغارمات التي عقدت أول اجتماعاتها في 2020؛ بهدف وضع استراتيجية قومية لإغلاق هذا الملف تمامًا، بحيث تتحقق رؤية الرئيس وتوجيهاته بأن تكون سجون مصر بلا غارمين أو غارمات، وقامت بتنظيم ندوات تثقيفية للغارمين قبل التوجه إلى منازلهم، للتركيز على ما بذل من جهد، وكذلك حتى لا يعود أي منهم إلى السجن مرة أخرى في قضية مماثلة، بدعوى أن الدولة ستعمل على إخراجه مرة ثانية من هذا المأزق.

وكان لهذه المبادرة عدة أبعاد، فعن البعد الإنساني، نرى أن دعم الرئيس لهذه المبادرة يشجع أهل الخير لمساعدة من قادتهم الظروف للوقوع في هذا الفخ، وهو ما يؤدي إلى إنقاذ مئات بل آلاف الأسر من المصير المجهول.

وعن البعد الديني للمبادرة، فنرى أنها تأخذ جانبًا دينيًا مميزًا، خاصة أن الأديان السماوية تنص على التكافل وأن يساعد الأغنياء الفقراء ومن بينهم الغارمين والغارمات الذين سيشعرون بالتأكيد أن الدولة والمجتمع لم ترض تركهم في السجون بسبب ضيق الحال، ولهذا نرى أن لهذه المبادرة صدىً في وسائل الإعلام، من خلال الإعلان أن فك كرب الغارمين هو باب من أبواب الزكاة.

وعلاوة على ذلك، إن لهذه المبادرة بعدًا أمنيًا، وذلك من خلال إضافة نوع من أنواع “السلام الاجتماعي” إيجابي الأثر في تعزيز روح الولاء والانتماء للوطن الذي لا يتخلى عن أبنائه، فالقرارات بالإفراج عن الغارمين لا تخصهم وحدهم، وإنما يمتد أثرها لأسرهم والمنطقة المحيطة بهم، وهو ما سينقل الشعور الوطني لكل هؤلاء بكل تأكيد.

دور وزارة التضامن الاجتماعي

الرئيس يوجه بصياغة رؤية للقضاء على ظاهرة الغارمين.. وآليات آمنة للإقراض  الميسر

تبنت الدولة المصرية نهجًا وطنيًا متكاملًا للنهوض بقطاع التضامن الاجتماعي وفق استراتيجيات شاملة اقتصاديًا واجتماعيًا، وذلك من خلال التوسع في البرامج والمبادرات الهادفة لدعم الأسر الأكثر احتياجًا وحماية الفئات الأولى بالرعاية، وإنشاء شبكة أمان اجتماعي للمواطن المصري خاصة في أوقات الأزمات والكوارث، إلى جانب تنمية القرى الفقيرة وتوفير الخدمات الأساسية لها، بما يسهم في رفع المستوى المعيشي وتوفير حياة كريمة للمواطنين ودعم وتعزيز جهود إعادة بناء الإنسان، وتحقيق العدالة والاستقرار الاجتماعي في كافة ربوع الوطن.

وهنا يجب ذكر المبادرة الأعظم “حياة كريمة” والتي من ضمن أهدافها تقديم خطوات استباقية تحول دون انضمام غارمات جديدات إلى السجون، وذلك عن طريق التمكين الاقتصادي للسيدات، وتقديم الحلول والمساعدات للغارمات، إلى جانب الحملات التوعوية لتعزيز ثقافة الاستهلاك الرشيد، والتوعية بأضرار اللجوء إلى السلف والاقتراض، وخاصة بالقرى الأكثر فقرًا.

ووفقًا لتقرير المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، والذي سلط الضوء على حصاد قطاع التضامن الاجتماعي خلال عام 2021، فنجد أن التقرير رصد بالأرقام ما تم على صعيد برامج الحماية الاجتماعية، موضحًا أن قيمة سداد ديون الغارمين سجلت 196.2 مليون جنيه، واستفاد منها 11.1 ألف مستفيد، إذ أعلنت الوزارة عن سداد ديون أكثر من 50% من الغارمات، خاصة الغارمين والغارمات المحبوسين بسبب مبالغ صغيرة تصل إلى أقل من 10 آلاف جنيه، بالتعاون مع الجمعيات الأهلية.

وتسعى الوزارة إلى إجراء عدة إجراءات من أجل النهوض بهذا الملف وتحقيقًا لهدف أن تخلو جميع سجون مصر من الغارمين والغارمات الذين يصل عددهم وفقًا لآخر إحصائيات إلى حوالي 30 ألف غارم وغارمة، وذلك عن طريق:

  • تجميع احصائيات بالشرائح المستهدفة لعمل اللجنة الوطنية المختصة بالحد من ظاهرة الغارمين والغارمات، والتوزيع الجغرافي لهم، وقواعد البيانات المتكاملة للمديونين وقيم الدين المختلفة، لضمان عدم ازدواجية سداد المديونية من أكثر من جهة.
  • قيام اللجنة الوطنية بدراسة الأسباب الرئيسية المؤدية إلى الغُرم، وأهمية تجنب السلوكيات الاستهلاكية المبالغ فيها في عملية التجهيز للزواج، والتي تمثل أحد أهم أسباب تلك الظاهرة.
  • دعم الغارمات بعد خروجهن في مواجهة الحياة حتى لا يعدن للسجن مرة أخرى، بجانب دعم المعيلات للأسر من النساء حتى لا تضطرهن الظروف لخوض تلك التجربة.
  • توفير حزم متنوعة من أدوات التوعية والاستشارات المالية البسيطة.
  • صياغة آليات آمنة للإقراض الميسر.
  • دراسة المشروعات المتعثرة وبذل الجهود لتوفير الدعم المهني والتقني والتدريب اللازم على كيفية إدارتها.
  • مد مظلة برامج الحماية الاجتماعية للمستحقين من أسر الغارمين والغارمات، ووضع ضوابط وإجراءات لمتابعة مؤسسات الإقراض.
  • توفير بدائل لمن يتعرض للوقوع في براثن الديون من خلال توفير فرص حقيقية للإقراض متناهي الصغر بهدف توليد الدخل وتحسين الأحوال المعيشية، وسيتم الاسترشاد بالتجارب في الدول العربية والإسلامية التي تصدت لهذه الظاهرة، وكذلك إيجاد نموذج مصري في التصدي لظاهرة الغارمين والغارمات لتحويلهم لطاقات منتجة.

القانون ينظر للغارمين والغارمات بإنسانية

تشريعية البرلمان» ترجئ مناقشة قانون إلغاء عقوبة الغارمات لأخذ رأي  «الداخلية» و«التضامن» - جريدة المال

رغم أن الجهات التشريعية تحرض دائمًا أن ينال كل مخطئ من العقاب ما يستحقه، وتعمل على تغليظ العقوبة وتشديد أحكامها في حالة ارتفاع معدلات ارتكاب أي جريمة، وذلك عبر تحديث تشريعاتها العقابية، إلا أن الدولة وضعت استثناءً إنسانيًا في حالة “الغارمين والغارمات”، فيما يتعلق بالعقوبة القانونية التي تقتضي حبسهم، وبدأت تبحث عن كيفية إلغاء تلك العقوبة؛ تفعيلًا لمبدأ الرأفة بهم وبأسرهم، ولتقويض هذه الظاهرة سريعًا.

“العمل لصالح المجتمع”، تعتمد فكرة مشروع القانون الجديد لإلغاء حبس الغارمين والغارمات على استبدال العقوبة المقررة قانونا بالمادة 341 من قانون العقوبات، والموقعة على الغارم أو الغارمة سواء كانت حبسًا أو سجنًا، بالتشغيل في أعمال تتعلق بالمنافع العامة، وفى جهات بعيدة عن السجن، وبناء على رأفة القاضي وتقديره.

قانون العقوبات البديلة يقوم على تحويل عقوبة الحبس قصيرة المدة أو قضايا الغارمين إلى بدائل عدة يختار من بينها القاضي أو المحكمة، منها: العمل في خدمة المجتمع بمشروعات صغيرة ومتوسطة، عن طريق “الإقامة الإجبارية” في مكان محدَّد وحظْر ارتياد مكان أو أماكن محدَّدة، والتعهُّد بعدم التعرض أو الاتصال بأشخاص أو جهات معيَّنة، بالإضافة إلى الخضوع للمراقبة الإلكترونية متى توافرت شروطها.

وحرصت وزارة العدل على حماية فئة الغارمين، فعكفت على دراسة وتعديل القوانين ووصلت إلى عدد من الملاحظات، ومنها: تحديد نوعية الجرائم التي لا يسري عليها قانون العقوبات البديلة، وتحديد عقوبة العمل للمنفعة العامة كعقوبة بديلة “وحيدة” واعتبار باقي العقوبات تدابير عقابية يمكن للمحكمة الالتجاء إليها، واعتبار الحد الأقصى لقيمة الدين للغارم أو الغارمة بما لا يجاوز مائة ألف جنيه.

ويعد العمل للمصلحة العامة هو الأنسب في قضايا الغارمين بحيث يتم تشغيلهم خلال فترة الحبس في مشروعات صغيرة أو متوسطة، بحيث يتم تأهيل الغارمين فنيٍا على إدارة المشروعات الصغيرة وعمل دراسة جدوى مصغرة للمشروع وكيفية تسويق المنتجات التي يقوم ببيعها، وعند تحقيق الإنتاج وإدرار الأرباح، يتم توزيع الربحية الناتجة؛ بحيث يكون الثلث للدولة لضمان استمرار المشروعات والتوسع فيها، وثلث للغارمين للصرف على أسرهم، وثلث للمشاركة في سداد الديون عن الغارمين.

ويتم كذلك تدريب الغارمين الذين يمتلكون حرفة من الحرف المطلوبة في سوق عن طريق وضع برنامج فني تأهيلي لكل حرفة ينقسم إلى عدة مستويات الأول التعليمي والثاني التطور، والثالث الإتقان بحيث يكون قادرًا على العمل.

“لا بد من تشريع يجفف المنابع التي تخرج منها غارمات جدد“، فكانت فكرة تدريب وتأهيل الغارمات من داخل السجون قائمة على حرفة صناعة المنسوجات اليدوية لكي تكون عونًا لها عند فك كربها والعمل بها بعد خروجها من السجن. وتم توقيع بروتوكول تعاون مع قطاع مصلحة السجون، وتم إقامة أول مصنع بسجن “المنيا” نساء يخرج منه سنويًا ما لا يقل عن 110 سيدات مدربات على صناعة المنسوجات اليدوية يقمن بالعمل عليها خارج السجن.

وختامًا، الغارمون والغارمات هم بلا شك ضحية المجتمع وبعض العادات والتقاليد المغلوطة، وبعد قرارات الرئيس واهتماماته بهذا الملف، قد نرى إعادة النظر في تعديل تشريعي لاستبدال عقوبة الغارمين والغارمات بدلًا من جناية لتصبح جنحة، وأن يستبدل قضاؤها من السجن لتكون في خدمة عامة يستفيد بها المجتمع بدلا من السجون، وقد يكون “روح القانون” هو من يعيد الغارمين والغارمات إلى الحياة.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى