الأزمة الأوكرانية

تهديدات محتملة: الأمن الغذائي الأوروبي والعالمي

أدى الصراع الروسي الأوكراني وتبعاته المختلفة إلى تهديد الأمن الغذائي الأوكراني، وإثارة المخاوف حول امتداد ذلك التهديد للقارة الأوروبية ثم انتقاله لعدد أكبر من مختلف دول العالم. وينعكس الصراع الروسي الأوكراني على تهديد الأمن الغذائي العالمي والأوروبي من خلال عدد من القنوات المباشرة وغير المباشرة؛ فأما عن القنوات المباشرة فتتمثل في تهديد توفر المنتجات الغذائية نتيجة استخدام القوة العسكرية وزعزعة الأمن والاستقرار الداخلي بأوكرانيا، واستهداف القوات الروسية تدمير مواقع تخزين المواد الغذائية بالبلاد، وكذلك إغلاق الموانئ الواقعة على البحر الأسود التي يتم من خلالها تصدير الحبوب والمواد الغذائية للخارج.

أما القنوات غير المباشرة فتتمثل في ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية، حال توفرها، نتيجة انعكاسات الصراع على رفع أسعار الطاقة ومدخلات الإنتاج الزراعي. وفي ظل كون أوروبا مصدر صافٍ للغذاء فإن تلك التهديدات لم تقف على الحدود الأوروبية فحسب، بل تمتد لتهدد الدول المستوردة للمنتجات الغذائية الأوروبية وخاصة الدول النامية. وفي هذا الإطار يتناول المقال استعراض واقع الأمن الغذائي الأوروبي وكيف انعكس الصراع الروسي الأوكراني على تهديدات الأمن الغذائي الأوروبي والعالمي، مع استعراض لأبرز إجراءات تعزيز الأمن الغذائي من قبل الاتحاد الأوروبي، وأخيرًا استعراض فرص التحول العالمي نحو نظام غذائي أكثر مرونة واستدامة.

واقع الأمن الغذائي الأوروبي

أدى الصراع الروسي الأوكراني إلى التنبيه بالتهديد المحتمل للأمن الغذائي الأوروبي من خلال عدة مؤشرات؛ فمن جهة أدى استخدام القوة العسكرية داخل الحدود الأوكرانية إلى اضطراب العمليات الإنتاجية المختلفة في الداخل الأوكراني، وتوجيه موارد الدولة إلى أهداف حماية الأمن الداخلي، الأمر الذي انعكس على تقليص حجم الإنتاج من السلع الغذائية والتهديد المحتمل للأمن الغذائي خاصة في ظل ضبابية الرؤية بشأن طول أمد الصراع الحالي.

ومن جهة أخرى، فإن روسيا تعتبر أكبر مُصدر للأسمدة في العالم، وقد قامت بحظر تصدير سماد نترات الأمونيوم ردًا على العقوبات الغربية المفروضة عليها، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والتهديد بعدم توفرها، بما يؤثر على الإنتاج الزراعي بشكل عام في كافة الدول المستوردة للأسمدة الروسية من مختلف دول العالم.

ومن جهة ثالثة، فقد أدى الصراع الروسي الأوكراني إلى استمرار وتيرة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف الإنتاج الذي شهده الاقتصاد العالمي منذ بدء التعافي من جائحة كورونا، إلا أن الصراع الحالي ساهم في زيادة حدة اضطرابات سلاسل الإمداد وتسارع وتيرة ارتفاع السلع الغذائية؛ نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، خاصة في ظل إغلاق موانئ البحر الأسود في أوكرانيا والصعوبات التي واجهت أوكرانيا لتصدير منتجاتها الغذائية عبر السكك الحديدية. ومع ارتفاع أسعار السلع الغذائية ينعكس ذلك على فاتورة الواردات الأوروبية من تلك السلع، ويوضح الشكل التالي قيمة الواردات الأوروبية من السلع الغذائية ومدخلات إنتاجها.

الواردات الأوروبية من السلع الغذائية (بالمليار دولار)

الانعكاس على الأمن الغذائي العالمي

لم تقتصر التهديدات على الأمن الغذائي الأوروبي فحسب بل تمتد لجميع الاقتصادات في مختلف دول العالم، وتشير التوقعات إلى ارتفاع عدد الأفراد التي تعاني من أزمات الغذاء عما كان عليه عام ٢٠٢١ والتي وصلت اعداداهم إلى 195 مليون فرد حول العالم.

وينقسم تأثير الصراع الروسي الأوكراني على الأمن الغذائي العالمي إلى شقين؛ شق متعلق بتهديدات توفر الغذاء والشق الآخر متعلق بارتفاع تكاليف الغذاء. فأما بالنسبة لتهديدات توفر الغذاء فيعاني منها الدول المستورة للمنتجات الغذائية والأسمدة خاصة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، التي تعتمد بشكل أساسي على الواردات من الحبوب الأوروبية، وكذلك بعض دول آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. ويوضح الشكل التالي قيمة الصادرات الغذائية الأوروبية لمختلف دول العالم والتي تجاوزت 708 مليارات دولار عام 2020. 

الصادرات الغذائية الأوروبية لمختلف دول العالم (بالمليار دولار)

وبصفة خاصة فإن طرفي الصراع، روسيا وأوكرانيا، يوفران نحو ثلث إمدادات القمح في العالم، ونحو 80% من إنتاج زيت عباد الشمس، وخُمس صادرات الذرة، فضلًا عن الإمدادات من الأسمدة. ويوضح الشكل التالي نسبة اعتماد الدول المستوردة للقمح على القمح الروسي والأوكراني من إجمالي الاحتياجات من القمح.

Chart, bar chart

Description automatically generated

كما يوضح الشكل التالي حصة روسيا وأوكرانيا في أسواق العالم من الشعير والذرة وبذور عباد الشمس والقمح وزيت عباد الشمس.

Chart, bar chart

Description automatically generated

أما من جهة ارتفاع تكاليف الغذاء، فقد عانت كافة دول العالم ارتفاعًا كبيرًا في أسعار السلع المستوردة نتيجة التغيرات المناخية غير المواتية، واضطراب سلاسل الإمداد منذ بدء فترة التعافي من جائحة كورونا، وزادت حدة ارتفاع أسعار السلع الغذائية مع الأزمة الحالية إذ ارتفعت أسعار الغذاء لأعلى مستوى لها على الإطلاق في مارس الماضي لترتفع بأكثر من 15% عن مستوياتها في فبراير 2011، وفقا لبيانات الأمم المتحدة. وتواجه الدول الفقيرة والنامية تحديات مضاعف نتيجة استيرادها للسلع الغذائية مرتفعة السعر مع وجود تهديدات بعدم توفر تلك الواردات إبان الأزمة الحالية، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد فقط بل يلاحظ أيضًا احتمالية تراجع المساعدات الإنسانية والإنمائية المقدمة من الاتحاد الأوروبي للدول النامية مقابل زيادة النسب المخصص للأمن والدفاع خلال فترة الصراع ثم توجيه المساعدات الإنسانية والإنمائية للداخل الأوروبي في أوكرانيا لإعادة إعمارها والتخفيف من حجم الخسائر المحققة بها بعد انتهاء الأزمة.

ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء إلى التأثير على نسبة الدخل المنفق على الغذاء، ويوضح الشكل التالي تباين تلك النسبة بين الأقاليم المختلفة والذي يبين ارتفاع تلك النسبة في أفريقيا جنوب الصحراء؛ فمع ارتفاع الأسعار يتم توجيه النسبة الأكبر من الدخل لإشباع الاحتياجات الأساسية وعلى رأسها الغذاء مع انخفاض النسبة المنفقة من الدخل على الاحتياجات الأخرى، وذلك بخلاف الوضع في الدول المتقدمة التي لم تتأثر بنفس الدرجة من ارتفاع أسعار الغذاء فعلى الرغم من ارتفاع النسبة المنفقة من الدخل على الغذاء إلا أنها لم تتجاوز 20% من الدخل بما يعنى إتاحة أكثر من 80% من الدخل لإشباع الاحتياجات الأخرى. وينشأ من تلك التحديات تحديات أخرى تتعلق بزيادة درجة التفاوت بين الأقاليم المختلفة، وبين المواطنين داخل الدولة الواحدة.

Chart

Description automatically generated

ومما لا شك فيه أن تلك التهديدات سوف تنعكس بشدة على الدول النامية وبصفة خاصة القارة الأفريقية التي تعاني من تحديات داخلية مسبقة، تتمثل في ارتفاع تأثير التغيرات والكوارث المناخية وارتفاع الفقر والمرض والجوع، وتشير التقديرات أن أحداث الصراع الأخيرة قد تدفع نحو 11 مليون أفريقي للمعاناة من مخاطر الجوع.

الإجراءات الأوروبية لتعزيز الأمن الغذائي

مع تلك التهديدات المحتملة، قدمت المفوضية الأوروبية عددًا من الإجراءات قصيرة ومتوسطة الأجل لدعم القطاع الزراعي في أوروبا عامة وأوكرانيا خاصة، بالإضافة لتقديم الدعم الدولي للدول النامية والمهددة بمخاطر انعدام الأمن الغذائي. فعلى مستوى أوكرانيا، تقوم المفوضية الأوروبية بتطوير وتنفيذ استراتيجية قصيرة ومتوسطة الأجل لضمان وصول مدخلات الإنتاج الزراعي إلى أوكرانيا وتوفير الخدمات اللوجستية المرتبطة بذلك لتدعيم الأمن الغذائي بأوكرانيا وتأهيليها لاستعادة أسواقها الخارجية مرة أخرى. كما قدم الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا نحو 330 مليون يورو من خلال برنامج الدعم الطارئ لتوجه نحو تأمين توفر السلع والخدمات الأساسية بما في ذلك منتجات الطاقة وإعادة بناء البنية التحتية للدولة، وتقديم المساعدات الإنسانية للمناطق والفئات الأكثر تضررًا من انعدام الأمن الغذائي. كما اعتمدت المفوضية الأوروبية حزمة دعم بقيمة 500 مليون يورو لدعم المنتجين الأكثر تضرراً من عواقب الحرب في أوكرانيا.

وفي الداخل الأوروبي، عمل الاتحاد على رفع القدرة على تحمل تكاليف الغذاء، من خلال الإجازة للدول الأعضاء بتخفيض معدلات ضريبة القيمة المضافة لاحتواء أسعار التجزئة، وأتاح للدول الأعضاء إمكانية السحب من أموال الاتحاد الأوروبي مثل صندوق المساعدة الأوروبي للفئات الأكثر حرمانًا (FEAD) لتدعيم توفير الغذاء و / أو توفير المساعدة المادية الأساسية للفئات الأكثر ضعفًا. كما وجهت المفوضية الأوروبية بالدفع المباشر للمزارعين لاتخاذ تدابير التنمية الريفية، وتوجيه الدعم لسوق لحوم الخنازير، وكذلك السماح بشكل مؤقت لإنتاج محاصيل الأغذية والأعلاف بالأراضي البور لتوسيع القدرة الإنتاجية للاتحاد الأوروبي. كما تم التوجيه بتوجيه الدعم لمنتجي الأسمدة ومراقبة أسعارها وإمدادها للمزارعين لتأمين مدخلات الإنتاج الزراعي بالاتحاد الأوروبي. كما اقترحت المفوضية على الدول الأعضاء بإبلاغ البيانات الخاصة بالمخزون المتاح من السلع الغذائية والأعلاف على أساس شهري لتكوين صورة عامة دقيقة عن مدى توافرها، ومن ثم توجيه الدعم اللازم في الوقت المناسب.

ومن الجدير بالذكر أنه منذ نوفمبر 2021 قام الاتحاد الأوروبي بإنشاء آلية التأهب والاستجابة لأزمة الأمن الغذائي (EFSCM) لمواجهة تحديات اضطراب سلاسل الإمداد الغذائية، وتجمع تلك الآلية مجموعة من خبراء سلسلة الإمداد الغذائي، وكافة الجهات الفعالة على طول سلاسل التوريد لبحث كافة المخاطر المحتملة بسلاسل التوريد الغذائية بالاتحاد الأوروبي واتخاذ التدابير اللازمة. 

وعلى مستوى الدعم الدولي، فإن الاتحاد الأوروبي يعمل على تطوير استدامة النظم الغذائية في نحو 70 دولة شريكة، وقد بدأ ذلك التوجه بالفعل منذ ديسمبر 2021 في قمة التغذية من أجل النمو في طوكيو حيث التزم الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بمواصلة معالجة سوء التغذية بتخصيص نحو 4.3 مليارات يورو، للتعاون الدولي في مجال التغذية. كما خصص الاتحاد الأوروبي 2.5 مليار يورو في شكل مساعدات دولية بهدف التغذية للفترة 2021-2024، تم تقسيمها إلى ١.٤ مليار يورو للتنمية و1.1 مليار يورو للمساعدات الإنسانية بعد أحداث الصراع الحالي. وأعلن الاتحاد الأوروبي عن تخصيص 67 مليون يورو إضافية لمكافحة الجوع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كما تم تخصيص 654 مليون يورو للفترة 2021-2024، منهم 314 مليون يورو سيتم توفيرها قبل نهاية عام 2022 لتعزيز استدامة النظم الغذائية.

نحو نظام غذائي عالمي أكثر مرونة واستدامة

انطلاقًا من تلك الملابسات، فإنه من الواضح ضرورة العمل على تعزيز استدامة ومرونة سلاسل الإمداد الغذائية لضمان تحقيق الأمن الغذائي ليس على مستوى أوروبا فحسب، بل يؤدي ذلك إلى تحقيق منافع لكافة الدول المنتجة والمستوردة للغذاء في شتى أنحاء العالم، ويضمن تحقيق الأمن الغذائي العالمي.

وفي ظل اضطراب توريد السلع الأساسية الأوكرانية المتمثلة بشكل خاص في الحبوب والبذور الزيتية، فإنه ينبغي سرعة استجابة الدول التي تتوفر بها متطلبات إنتاج تلك السلع والقيام بزراعتها لتأمين توفرها وتصديرها. كما يتطلب الأمر تكثيف التعاون الدولي فيما يتعلق بتعزيز الأمن الغذائي العالمي من خلال تجنب وضع قيود على تصدير السلع الغذائية ومستلزمات إنتاجها، وزيادة الدعم الدولي للدول النامية والفقيرة لدعم قدراتها على إنتاج الغذاء من جهة، وتحمل تكاليف الغذاء المرتفعة من جهة أخرى لتتجاوز الأزمة الحالية بشكل آمن. 

ولتعزيز استدامة الغذاء فإن الأمر يستلزم ضرورة توجه كافة دول العالم إلى استخدام أساليب الزراعة المبتكرة لزيادة الإنتاج باستخدام موارد أقل، وذلك من خلال التوجه نحو تقنية الزراعة الدقيقة، والتقنيات الجينية الجديدة، وإدارة المغذيات المحسنة، والإدارة المتكاملة للآفات، والبدائل البيولوجية لمبيدات الآفات الكيميائية والدعم المزدوج لتعزيز المحاصيل البروتينية، وكذلك توجيه الاستثمارات لعمليات البحث والتطوير فيما يتعلق لاستبدال استخدام الأسمدة الاصطناعية، وتحقيق كفاءة أكبر في استخدام النيتروجين، والانتقال إلى الأمونيا الخضراء للأسمدة، وتثمين الكتلة الحيوية، وتؤدي تلك الأساليب إلى تعزيز الأمن الغذائي العالمي فضًلا عن  الحد من التغيرات البيئية الضارة.

وختاما، على الرغم من تهديد الصراع الروسي الأوكراني للأمن الغذائي الأوروبي بشكل مباشر وغير مباشر، إلا إنه يلاحظ أن ما زال وضع الأمن الغذائي الأوروبي في حدوده الأمنة، خاصة فيما يتعلق بكفاية المنتجات الغذائية، في مقابل ارتفاع حدة التهديد بانعدام الأمن الغذائي في الدول النامية والفقيرة، مما يتطلب ضرورة التوجه العالمي نحو أنظمة غذائية أكثر مرونة واستدامه بدعم من الدول المتقدمة والمؤسسات الدولية المعنية.

أسماء رفعت

باحثة ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى