آسياالأمريكتان

هل يكون “الشرق الأقصى” ساحة الحرب الباردة الجديدة؟

بين عشية وضحاها أصبحت “جزر سليمان” الدولة الصغيرة بمياه المحيط الهادئ، حديث الإعلام الدولي ومحل جولة جديدة من الحرب الباردة بين الصين والقوى الغربية، وذلك بعد توقيع الاتفاق الأمني المشترك بين جزر سليمان والصين.

ويعود ذلك إلى بداية عام 2017 حينما قرر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خفض التوتر في الشرق الأوسط، ونقل اللعبة السياسية إلى الشرق الآسيوي أو شرق آسيا وذلك من أجل تطويق الصين، حيث رأى الرئيس الأمريكي السابق أن آخر إمبراطورية شيوعية في العالم اليوم هي الأكثر خطرًا على بلاده حتى بالمقارنة مع روسيا.

وقد أدى ذلك إلى بدء صفحة جديدة في صحافة الشؤون الدولية إذ أصبحت دائرة الإندوباسيفيك لا تقل أهمية عن دائرة الأطلسي، الإندوباسيفيك مصطلح سياسي يضع نقطة تلاقي المحيط الهندي والمحيط الهادئ في جنوب شرق آسيا باعتبارها “الشرق الأقصى” الواقع بين السواحل المشتركة لـ الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وكوريا الشمالية واليابان وأستراليا دفعة واحدة.

ومثلما أسست أمريكا حلف الأطلسي أو حلف الناتو من أجل مواجهة الاتحاد السوفيتي في القرن العشرين، فإن أمريكا في حربها الباردة مع الصين سارعت إلى تأسيس تحالف أوكوس الذي يعتبر نواة حلف الإندوباسيفيك، حيث يضم أوكوس بجانب أمريكا كلًا من حليفها المخلص بريطانيا إلى جانب أستراليا، التي تقع في جنوب المحيط الهادئ وتعتبر أقرب نقطة من دول العالم الغربي إلى السواحل الصينية، ويسعى التحالف الأنجلوساكسوني بين أمريكا وبريطانيا في توسع حلف أوكوس لكي يصبح حلف الناتو بالشرق الأقصى أو شرق آسيا.

دائرة الإندوباسيفيك تضم أيضًا بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي إضافة إلى تايوان، الدولة التي كانت عبر التاريخ جزءً من الصين ولكن بحلول القرن العشرين جرت حرب أهلية بين القوميين والشيوعيين في الصين، وانتصر الشيوعيون بالسيطرة على بكين بدعم من الاتحاد السوفيتي عام 1949 بينما فر القوميون إلى تايوان وأعلنوا دولتهم الخاصة بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم أن إدارة الرئيس جو بايدن قررت تفكيك إرث إدارة ترامب وخفضت بعض التوتر مع الصين قياسًا بسياسات ترامب ولكن كرة الثلج انطلقت بالفعل في يناير 2017، ورغم علاقة هانتر بايدن ابن الرئيس الأمريكي بالأوليجاركية الصينية ولكن التوتر أصبح قائمًا بالفعل وتم تشكيل كتلة شرقية وأخرى غربية في الشرق الأقصى أو شرق آسيا. واستمرت إدارة بايدن في الحفاظ على إرث ترامب فيما يتعلق بتحالف الحوار الأمني الرباعي، الذي يضم أمريكا وأستراليا إضافة إلى الهند واليابان.

ورغم تخوف الغرب من التجربة الاقتصادية للهند واليابان، تسعى العواصم الغربية إلى استثمار الخلافات التاريخية بين الإمبراطوريات الآسيوية، اليابانية والصينية والهندية والكورية، في لجم التمدد الاقتصادي لتلك الدول، لذا كان من مصلحة الهند واليابان الانضمام إلى تحالف أمريكي ضد الصين حتى لو كانت كلتا الدولتين، الهند واليابان، لديهم خلافات مع الغرب في ملفات أخرى.

فاليابان احتلت الصين في النصف الأول من القرن العشرين، أما الصين والهند فقد دخلتا حربًا عسكرية مباشرة في النصف الثاني من القرن العشرين. ويحاول الغرب تضييق الخناق وتطويق الصين كما فعل مع روسيا حينما راح حلف الناتو يقترب من الحدود الروسية عبر ضم دول أوروبا الشرقية واحدة تلو الأخرى. ولعل واحدة من أسباب محاولة ترامب التوصل لاتفاق سلام مع كوريا الشمالية، كان التفرغ للصين في الشرق الأقصى، وللملف النووي الإيراني في الشرق الأوسط.

أما أزمة جزر سليمان والتي من المتوقع أن تتصاعد في السنوات المقبلة، فهي أشبه بأزمة كوبا بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، لتصبح جزر سليمان هي كوبا القرن الحادي والعشرين.

وتقع جزر سليمان شمال شرق أستراليا، وفى عام 1886 وقعت بريطانيا وألمانيا اتفاقية قسمت تلك الجزر، حيث خضعت جزر سليمان الشمالية للاحتلال الألمانية وجزر سليمان الجنوبية للاحتلال البريطاني، وفي اتفاق آخر عام 1899 تنازلت ألمانيا عن شمال الجزر مقابل الحصول على اعتراف بريطاني على استعمار منطقة ساموا الغربية لتصبح جزر سليمان منذ عام 1899 تحت الاستعمار البريطاني وتعرضت للاحتلال الياباني في الحرب العالمية الثانية قبل أن تعود بريطانيا وأستراليا لتلك الجزر وفي عام 1978 حصلت جزر سليمان على استقلالها مع بقائها تحت التاج البريطاني كما هو الحال مع كندا وأستراليا ونيوزيلندا.

تبلغ مساحة الجزر مجتمعة نحو 28 ألفًا و896 كيلومتر مربع، ورئيس الوزراء الحالي هو ماناسيه سوجافاري، يسكن أرخبيل الجزر نحو 753 ألف نسمة بحسب تعداد عام 2021. واندلعت حرب أهلية في جزر سليمان (1998 – 2003) وتدخلت أستراليا بنشر قوات لحفظ السلام عام 2003 ثم رعاية اتفاق للسلام عام 2008، ثم انسحبت أستراليا عام 2017 عقب توقيع معاهدة مشتركة، نشرت أستراليا بموجبها شرطيون وجنودًا في جزيرة هونيارا، من أجل حفظ السلام، تلتها فيجي وبابوا غينيا الجديدة ونيوزيلندا التي نشرت قواتها هناك.

ومع بدء الولاية الرابعة لرئيس الوزراء الحالي ماناسيه سوجافاري عام 2019، قام الأخير بالتقارب مع الصين حيث قطع العلاقات الدبلوماسية مع تايوان واعترف بالصين، وكانت جزر سليمان عقب استقلالها قد امتثلت لأوامر التاج البريطاني بالاعتراف بتايوان وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها عام 1983 لتصبح جزر سليمان من أبرز حلفاء تايوان إلى أن جاء عام 2019 وتم تفكيك العلاقات بين جزر سليمان وتايوان لصالح العلاقات مع الصين.

أطل شبح الثورات الملونة في جزر سليمان، وجرت اضطرابات شعبية في نوفمبر 2021 على مدار ثلاثة أيام شهدت محاولة لاقتحام وتخريب مقر البرلمان من أجل إسقاط الحكومة، كما تم إحراق الحي الصيني في جزيرة هونيارا.

حاكم جزيرة مالايتا طالب عام 2019 باستقلال الجزيرة عن جزر سليمان على ضوء التقارب مع الصين، علمًا بأن المالايتيين (سكان جزيرة مالايتا) على عداء تاريخي مع الجوالز، سكان جزيرة جوادالكانال، التي تعد العاصمة الاستثمارية لجزر سليمان، وقد أدت محاولات المالايتيين للسيطرة على جوادالكانال ديموجرافيًا إلى تشكيل “حركة تحرير إيزاتوبو” والتي تعرف أيضًا باسم “الجيش الثوري لجوادالكنال” إبان الحرب الأهلية، ورد المالايتيين بتشكيل ميلشيات “نسر مالايتا”.

ويتضح من تلك التفاصيل أن جزر سليمان ورغم ضيق المساحة إلا أنها حبلى بكافة أسباب الاقتتال الأهلي والتحول إلى ساحة حرب بالوكالة بين الصين وأستراليا نيابة عن الغرب، وأن ساحة الشرق الأقصى أصبحت تحمل نفس ملامح وأدوات الصراع في الشرق الأوسط.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى