الاقتصاد المصري

هل ما زال الدين الخارجي لمصر في مستوى الأمان؟

دائمًا ما يدور الحديث عن الديون سواء كانت سيادية على مستوى الدول أو على مستوى الشركات، ينظر البعض إلى تلك الديون بنظرة سلبية أنها أمر سيئ، بينما ينظر البعض الآخر لها على أنها مورد يمكن من خلاله أن تحصل الدولة/ الشركة على تمويل للإنفاق على عملياتها، ولبناء وتطوير بنيتها التحتية إن كانت على مستوى الدول، أو تطوير خطوط الإنتاج على مستوى الشركات. المقارنة هنا ليست نظيرًا إلى نظير، لكن تلك المقارنة غرضها تبسيط الأمور.

معني الدين وأنواعه

الدين هو نقود يقترضها طرف من طرف آخر، يتم استخدامها من جانب عدد من الشركات والأفراد عادة لإجراء عمليات شراء أو إنفاق كبيرة لا يمكن إجراؤها في ظل الظروف العادية، ويتم ذلك في شكل تعاقد بين الطرفين يتم بموجبه الاتفاق على مجموعة من الشروط لسداد ذلك الدين مستقبلًا. في حال إن كان الطرف المستدين دولة تتم تسميته بالديون السيادية أو الدين الحكومي أو الدين العام.

وتقترض الحكومات لأسباب متنوعة منها تمويل الاستثمارات العامة التي تؤدي بالنهاية إلى تعزيز فرص العمل. ويعد الدين مصدرًا أقل تكلفة للحصول على أموال في حال مقارنته على سبيل المثال بالاستثمار الأجنبي المباشر والذي عادة ما يتطلب معدلات أرباح مرتفعة (تتم تسويتها بتكلفة الأموال)، والتي يتم تسعيرها عادة باستخدام تكلفة الديون السيادية (معدل الفائدة) مع إضافة هامش معدل مخاطر نظير الاستثمار في الأسهم ومخاطر أخرى مثل مخاطر السيولة، ومخاطر سياسية وغيرها من أنواع المخاطر الأخرى التي يرغب بها المستثمر.

تتخذ تلك الديون أشكالًا متعددة مثل إصدار سندات أو الحصول على قروض من مؤسسات دولية أو الاقتراض من دول أخرى، وقد تكون بفوائد مدعومة أو بفوائد مرتفعة تتم تسمية ذلك بالتسعير، ويختلف التسعير عادة وفقًا لعدد من العوامل تتعلق بالجهة المانحة أو بقدرة الدولة على إعادة سداد تلك الديون والتي تتم تسميتها الجدارة الائتمانية، أو وفقًا لنوع العملة التي تتم الاستدانة بها.

لماذا تستدين الدول؟

كما سبق الإشارة، فإن الديون هي مصدر من مصادر الدول لتمويل العجز في موازنتها العامة ومن ثم استمرار الدولة في أداء مهامها بل ودفع عملية النمو الاقتصادي، فعلى سبيل المثال إذا اعتبرنا أن إجمالي الأموال الموجودة في مصر هي 1000 جنيه وترغب الدولة في تحقيق نمو اقتصادي بواقع 10% وهو ما يعني 100 جنيه، فإن هناك العديد من الآليات التي يمكن توفير ذلك المبلغ بها، إما أن يتم إنتاج سلع وخدمات وتصديرها للخارج والحصول على أرباح وتوليد مبلغ 100 جنيه ومن ثم يكون قد تحقق الهدف، أو أن  يتم جذب استثمار أجنبي مباشر بمبلغ 100 جنيه وبذلك يتحقق الهدف، أو بالحصول على دين بمقدار 100 جنيه ومن ثم زيادة حجم الاقتصاد بمبلغ 100 جنيه، وبالطبع الأمر يخضع للعديد من العوامل التي تحدده لكن تم لسهولة العرض تم تناوله بذلك الشكل.

ومن ثم فإن الديون في حد ذاتها هي أمر جيد ومطلوب للنمو الاقتصادي، ولا توجد دولة في العالم تستطيع تحقيق نمو اقتصادي مرتفع دون الحصول على ديون، وهو الأمر الذي يفسر اتجاه دول العالم المتقدمة قبل النامية منها للحصول على ديون من خلال إصدار سندات، حتى أن الدول التي لديها فوائض في ميزانياتها تتجه أيضا إلى الحصول على ديون لتسريع وتيرة النمو باقتصاداتها.

لكن يبدأ التخوف من الديون عندما تكون الديون بعملات أجنبية ليس للدولة القدرة على توليد إيرادات تتوافق مع تلك الديون، أو أن استحقاق تلك الديون لا يتناسب مع التدفقات النقدية للدولة بالعملات الأجنبية، أو أن مستويات الدين في تلك الدولة تخطت قدرة الدولة على الوفاء بها وبالتزاماتها، ومن ثم يدور الحديث عن النسبة الآمنة من الاستدانة في الاقتصاد.

وهو أمر يثار حوله جدل كبير؛ فالبعض يشير إلى 40% وآخر يشير إلى 35 % والبعض يشير إلى أنه لا توجد ما يسمى بالنسبة الآمنة، وهو التفسير الذي نرجحه؛ إذ إنه لا يمكننا القياس بمعيار واحد لأن معيارًا واحدًا لا يتناسب مع الوضع الاقتصادي لجميع الدول، فالأمر أكثر تعقيدًا من مجرد نسبة تتم الإشارة إليها. لكن يمكن الحديث عن عوامل كثيرة تتمثل في احتياطيات البلاد من العملات النقدية، والتحسن في حسابها الجاري والتجاري، ومدى تماسك ماليتها العامة وقدرتها على تخفيض معدلات العجز، وقدرة الاقتصاد على النمو ومن ثم احتواء التكاليف المتولدة عن الاستدانة.

ما هو وضع الاقتصاد المصري

تمر مصر بتحدٍ كبير في توفير سيولة بالعملات الأجنبية والتي كانت نتيجة لخروج جزء كبير من الاستثمارات غير المقيمة في سوق السندات المحلية، واستمرار العجز المالي الكبير بالدولة، بل وارتفاعه مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية والغذاء عالميًا، والذي ترتب عليه ارتفاع الدين العام الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، لكن تلك الأوضاع ترتبط بشكل أساسي بما يمر به العالم من أزمة طاحنة تتساوى في آثارها مع الحرب العالمية الثانية، وتفوق أزمات كورونا وسلاسل التوريد التي مر بها العالم في وقت سابق.

على مستوى احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، فقد انخفضت تلك الاحتياطيات بمقدار 4.7 مليارات دولار لتصل إلى 35 مليار دولار وفقا لآخر إعلان في مارس 2022، متأثرة بتدفقات محفظة الاستثمار الخارجة وتدخلات المركزي السريعة لتهدئة التقلبات في أسعار الصرف. وكنتيجة لتلك الضغوط، تراجعت أصول البنك المركزي بالعملات الأجنبية (التي لا تدخل ضمن الاحتياطي) والتي كانت تشكل دعامة عامة بمقدار 7.6 مليارات دولار أمريكي لتصل إلى 1.5 مليار دولار أمريكي.

يأتي ذلك الانخفاض نتيجة لانخفاض حيازة الأجانب من الديون الحكومية المقومة بالجنيه المصري إلى 17.5 مليار دولار بحلول منتصف مارس، بانخفاض قدرة 11 مليار دولار عن نهاية 2021 وحوالي 16 مليار دولار عن أعلى مستوياتها على الإطلاق في سبتمبر 2021. 

لكن ذلك الوضع ليس بذلك السوء، خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان التدخلات السريعة للحكومة المصرية خلال شهر مارس، والتي أسهمت في تأمين 5 مليارات دولار وديعة من المملكة العربية السعودية، و3 مليارات من الإمارات العربية المتحدة في فبراير، وبذلك تكون ودائع مجلس التعاون الخليجي قد وصلت إلى 20 مليار دولار أمريكي، هذا فضلًا عن شراء الإمارات العربية المتحدة لأسهم خمس شركات بسوق الأوراق المالية المصري بقيمة 2 مليار دولار تقريبًا، وتخصيص قطر والإمارات العربية المتحدة لمبلغ 5 مليارات دولار لكل منهما في مجموعة من  الودائع والاستثمارات، وتجري مصر حاليًا مناقشاتها مع صندوق النقد الدولي بشأن برنامج تمويلي جديد.

أمر آخر يعزز من نظرتنا المستقرة عن الاقتصاد المصري هو أن التدخلات الإصلاحية التي قامت بها الحكومة المصرية في مارس بتحريك سعر الصرف ورفع أسعار الفائدة من المتوقع أن تسهم في استقرار استثمارات الأجانب بالمحفظة، والتي تشير التوقعات إلى احتمالية وصولها إلى 20 مليار بنهاية العام 21/22 وتصل إلى 25 مليار دولار أمريكي بنهاية السنة المالية 22/23، وهو ما يساعد على استعادة حائط حماية آخر لاحتياجات مصر من العملات الأجنبية. 

تلك التوقعات تم بناؤها على اتخاذ الحكومة المصرية لقراراتها بخفض قيمة العملة 14% ورفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس في مارس 2021، والدعم المقدم من دول مجلس التعاون الخليجي وصندوق النقد الدولي والذي سيدعم ثقة المستثمرين حول الاقتصاد المصري.

من المتوقع أن ينخفض عجز الحساب الجاري إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 21/22 (ليبلغ 18 مليار دولار أمريكي) ويستمر في التقلص ليصل إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 22/23. سبق أن تقلص العجز في الحساب الجاري خلال النصف الثاني من عام 2021 نتيجة لانتعاش التجارة والشحن في قناة السويس، وانتعاش عائدات قطاع السياحة وزيادة مصادر الدولة من العملات الأجنبية نتيجة لتجارة الغاز.

فمن المتوقع أن تنتعش الإيرادات من قطاع السياحة خلال عام 2022، لكن تلك التوقعات تشوبها أخطار تتعلق بالحرب بين روسيا وأوكرانيا التي يشكل سياحها حوالي 20% من إجمالي السياحة في مصر. أمر آخر يهدد عجز الحساب الجاري هو ارتفاع فاتورة استيراد القمح والتي أثرت بشكل مباشر على الميزان التجاري.

أما عن العجز المالي فمن المتوقع أن يتم تحقيق عجز بنسبة 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي عن العام 21/22، ينخفض إلى حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي عن العام 22/23 (طبقا لتوقعات فيتش). تلك التوقعات متحفظة إلى حد كبير؛ إذ إنها تأخذ في اعتبارها توسع الحكومة المصرية في برامج الإنفاق الاجتماعي التي تستهدف تخفيف آثار التضخم وتعزيز الحماية الاجتماعية.

أما عن قدرة الاقتصاد المصري على النمو، فهو أمر محسوم لصالح الاقتصاد المصري؛ إذ استطاع الاقتصاد تحقيق نمو بنسبة 9.8 % على أساس سنوي في النصف الثاني من عام 2021، مدعومًا بالارتفاع في صادرات السلع الزراعية والمصنعة وصادرات الغاز الطبيعي، هذا بالإضافة إلى انتعاش قطاع السياحة والشحن عبر قناة السويس، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق نمو في حدود 6% في السنة المالية 2022 وحوالي 4.5% في عام 2023.

لكن تلك التوقعات عرضة للانخفاض في حال اتخاذ البنك المركزي المصري قرارات قوية لتشديد السياسة النقدية بالبلاد، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم عالميا والذي نجم بالأساس عن ارتفاع أسعار الغذاء والسلع والذي ترتب عليه نقلة للداخل المصري لترتفع أسعار المستهلكين الإجماليين إلى 12% في مارس على أساس سنوي، مدفوعة بالارتفاع في أسعار الغذاء (34 % من المؤشر) بحوالي 20 %، الكهرباء والوقود (4.5 % من المؤشر) بحوالي 11%، وبذلك يكون معدل التضخم قد فاق مستهدفات البنك المركزي المصري البالغ 9%.

ومن المتوقع أن تتسارع الضغوط التضخمية، خاصة بعد انخفاض أسعار الصرف في مارس، وهو ما يرفع التضخم الإجمالي إلى مستويات أعلى من 10% في السنة المالية 2022، وحوالي 12% في السنة المالية 2023. ومن ثم فمن المرجح أن يرفع المركزي من معدلات الفائدة لمرات أخرى خلال الفترة المقبلة.

أما عن إجمالي الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي فقد بلغ 91% في العام المالي 2022 منخفضًا من 92% في العام المالي 2021، ومن ثم فإنه في اتجاه هبوطي طفيف على الرغم من الآثار السلبية عليه نتيجة لخفض قيمة العملة.

 ومن الجدير بالذكر أن ما استطاعت الحكومة المصرية تحقيقه من حيث الفوائض الأولية بالموازنة هو أمر جيد خلال السنوات الماضية، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة يشكل ضغطًا على قدرة الحكومة على الحفاظ على المستويات الحالية في الحدود المقبولة. لكن الجيد في الأمر هو أن ما يقارب من نصف دين مصر الخارجي مستحق إلى مؤسسات متعددة الأطراف تحتفظ مصر بعلاقات جيدة معها، وهو ما يعزز من قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام الموجة الحالية.

خلاصة القول، إن النظرة الإجمالية للاقتصاد المصري والتي تشمل الدين العام المحلي والأجنبي هي نظرة مستقرة على الرغم من وجود ضغوط كبيرة من العالم الخارجي والتي تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، والتي تضغط على الموارد الدولارية بالدولة المصرية، والانخفاض الكبير في بعض من مصادر الدولة التي تعتمد عليها في توفير سيولة بالعملات الأجنبية، إلا أن معدلات النمو الاقتصادي الجيدة والعلاقات المصرية مع المؤسسات المتعددة (المؤسسات الدائنة) ودول الجوار هي أمور من شأنها أن تعزز من استقرار الوضع الاقتصادي في مصر وتمهد لعبور مصر الفترة الحالية بأمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى