مصر

«المتحف المصري الكبير»… هدية مصر للتراث والحضارة

«المتحف المصري الكبير» حلم عمره 20 عامًا، أوشك على الاكتمال، ليسطر سطرًا جديدًا في كتاب تاريخ وثقافة وحضارة الدولة المصرية. فخلال السنوات الأخيرة أخذت الدولة المصرية على عاتقها اكتشاف وإعادة إحياء وتقديم التراث والحضارة للعالم أجمع، من خلال تكثيف البعوث والكشوف الأثرية الجديدة، وإعادة ترميم وحماية الآثار الموجودة.

وخلال الفترة القليلة الماضية، أبهرت مصر العالم بحدثين استثنائيين حظيا بإشادة كبيرة على المستويين المحلي والدولي، وهما افتتاح تطوير طريق الكباش بالأقصر، والموكب المهيب لنقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى مكان عرضها الدائم بالمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط. هذا بخلاف افتتاح عدد من المتاحف بعدد من المحافظات المصرية. 

أسهمت المشروعات السياحية الأخيرة في زيادة شغف السائحين لزيارة مصر والاستمتاع بمقوماتها السياحية والأثرية. وهو ما أسهم بشكل أو بآخر في عودة إيرادات السياحة إلى مستويات ما قبل انتشار جائحة كورونا، حيث أظهرت بيانات البنك المركزي المصري عن أداء ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من السنة المالية 2021/2022، أن إيرادات مصر من السياحة ارتفعت خلال النصف الأول من العام المالي الجاري لتسجل نحو 5.8 مليار دولار مقابل نحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام السابق، بزيادة تقدر بحوالي 222.2%.

ولم تقف مساعي الدولة المصرية في تقديم الحضارة المصرية بأبهى صورة عند هذا الحد، بل تستعد الدولة المصرية خلال العام الجاري لتقديم هدية جديدة للبشرية بافتتاح المتحف المصري الكبير، ليكون المتحف الأكبر بالعالم خُصص لحضارة واحدة، وذلك لعرض أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، والأول الذي يضم مقتنيات مقبرة الملك توت عنخ آمون كاملة، رغم تعثر عملية إتمام بنائه لعدة مرات. 

حلم متعثر

بدأ مشروع المتحف المصري الكبير بحلم لوزير الثقافة الأسبق فاروق حسني لإنشاء أكبر متحف للآثار المصرية في العالم، ووضع حجر أساس المشروع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في فبراير 2002، وفي مؤتمر صحفي دولي تم الإعلان عن المسابقة المعمارية الدولية لتصميم المتحف المصري الكبير، ليكون أكبر متحف للآثار المصرية في العالم بجوار هضبة الأهرام بالجيزة.

ونظمت المسابقة المعمارية الدولية المفتوحة برعاية هيئة اليونسكو، وتقدم معماريون واستشاريون من 83 دولة بتصورات ومشروعات معمارية بلغت في مجملها 1557 مشروعًا. وفي يوليو 2003، وزعت جوائز المسابقة المعمارية على الفائزين الأوائل، ووصل مجموع الجوائز إلى 750 ألف دولار. 

وفازت شركة هينجان بنغ بمسابقة التصميم المعماري للمتحف. فيما فازت شركة أتيليه بروكنر بتنفيذ العرض المتحفي للمتحف. أما الأعمال الإنشائية ففاز بها تحالف شركة أوراسكوم للإنشاء والصناعة مع شركة بيسكس. وشارك في التصميم الفائز 14 مكتبًا استشاريًا من خمس دول مختلفة، واستغرقت دراسة المشروع 3 سنوات بتكلفة بلغت 2 مليون دولار، تمت كتابتها في 8 مجلدات.

وخلال الفترة من 23 نوفمبر 2003 حتى 23 مايو 2004، تم وضع التصاميم الابتدائية، واختيار أفضل المواد لبنائه، وأمهر المعمارين لتنفيذه. وما بين 15 أغسطس 2004 وحتى 30 يونية 2005 قام المهندسون بإعداد الرسومات الهندسية للمرحلة الابتدائية النهائية في جميع التخصصات الهندسية، وبدأت خلال تلك الفترة أعمال البناء والتشييد منذ مايو 2005، في المعامل والقاعات العلمية. وفي يوليو 2006 تم التعاقد مع الشركة المنفذة لبناء وتشييد مركز الترميم ومركز الطاقة ومحطة إطفاء الحريق وتم الانتهاء من البناء خلال 21 شهرًا.

وذلك بالتوازي مع استكمال التصاميم التي بدأت مع المرحلة الأولى، والتي تكلفت حوالي 240 مليون جنيه بما يوازي 43 مليون دولار تم تمويلها بالكامل من صندوق تمويل الآثار بالمجلس الأعلى للآثار. فخلال الفترة من 15 أبريل 2006 حتى 26 أبريل 2007، كانت مرحلة التصميم التفصيلي والتي استمرت واشتملت على دراسة تفصيلية لجميع بنود وتفاصيل المتحف، وعقد اختبارات الجودة المطلوبة على المواد والتصميم، بالإضافة إلى النظم المتوقع تطبيقها. وخلال المرحلة من 15 أغسطس 2007 حتى 15 سبتمبر 2008، تم إعداد تصميم متكامل يجمع بين جميع التخصصات.

وفي فبراير 2009، تم الانتهاء من أعمال مرحلة الحفر العام وتسوية الموقع، حيث تمت إزالة ما يقرب من 2.25 مليون متر مكعب رمال من خلال حوالي 450 عاملًا وفنيًا ومهندسًا عملوا على مدار 24 ساعة لمدة سبعة أشهر.

وفي 14 يونيو 2010، افتتحت سوزان مبارك، قرينة الرئيس الأسبق حسني مبارك، المرحلة الثانية من المشروع، وضمت مركز ترميم الآثار ويتكون من 9 معامل، ومحطتي الطاقة الكهربية، ومحطة إطفاء الحريق، ومبنى الأمن، والمخازن الأثرية. ويضم مركز الترميم الذي تم افتتاحه 9 معامل يتم فيها ترميم مختلف أنواع الآثار وإعادتها إلى شكلها الطبيعي، منها:

  • معمل الخزف والزجاج والمعادن: الخاص بترميم الأواني والتماثيل المصنوعة من المواد غير العضوية.
  • معمل الأخشاب: الخاص بترميم القطع الأثرية المصنوعة من الأخشاب مثل التوابيت والتماثيل بأنواعها والأثاث الجنائزي والنماذج الخشبية والمراكب والأدوات والنواويس الخشبية “دواليب حفظ الآلهة”.
  • معمل الأحجار: الخاص بالقطع الأثرية الحجرية الكبيرة لعملية الترميم.
  • معمل الميكروبيولوجي: الخاص بتحديد أنواع الكائنات الحية المسببة لتلف الأثر مما يسهل تحضير المواد الكيميائية اللازمة لوقف نمو هذه الكائنات.
  • معمل الميكروسكوب الإلكتروني الماسح: الخاص بوسائل تجهيز العينات والمكونات الكيميائية قبل إرسالها لمعمل الميكروبيولوجي.
  • معمل المومياوات “البقايا الآدمية”: الخاص بترميم المومياوات من الطيور خاصة طيور أبو منجل “الإله حورس” والذي يعد أحد معبودات الفراعنة.

وتعطلت مسيرة العمل بالمتحف لعدة مرات، نتيجة حالة عدم الاستقرار التي أعقبت ثورة يناير. لكن في عام 2014، وجه الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة العمل على سرعة الانتهاء منه بشكل كامل، وخلال الـ 7 سنوات الماضية تم إنجاز ما لم يتم إنجازه في 12 عامًا؛ ففي 2017، تم الانتهاء من 100% من الهيكل الخرساني والمعدني لمباني المتحف، وتم تسجيل ما يقرب من 82 ألف قطعة آثار على قواعد البيانات.

وفي 2020، تم الانتهاء من 98% من إجمالي الأعمال الإنشائية بالمتحف، وتم تنفيذ مشروع تطوير المناطق المحيطة بالمتحف مثل تطوير هضبة الأهرامات وربطها بالمتحف، ونجحت مراكز ترميم المتحف الكبير في ترميم ما يزيد على 52 ألف قطعة.

وفي عام 2021، تم الانتهاء من أعمال البنية التحتية الرقمية بالمتحف المصري الكبير بنسبة 90%، وتم الانتهاء من أعمال أنظمة الاتصالات الذكية «ICT» بنسبة 80%، وأيضًا بدء تنفيذ سيناريو العرض المتحفي لمقتنيات الملك توت عنخ آمون بالكامل، والتي تعرض لأول مرة أمام الزوار، والتي يتخطى عددها الـ 5000 قطعة أثرية، وتعرض على مساحة 7000 متر.

وخلال عام 2022، وصل حجم الإنجاز ببهو المدخل والدرج العظيم إلى 99.8%، وتم الانتهاء من تشطيبات قاعة الملك توت عنخ آمون بنسبة أكثر من 99%، بالإضافة إلى أنه تم وضع وتثبيت أكثر من 4700 قطعة أثرية من كنوز الملك توت عنخ آمون، وتم الانتهاء من التشطيبات الخاصة بقاعات العرض الرئيسة بنسبة 96%، وتم نقل حتى الآن أكثر من 56,000 قطعة أثرية إلى المتحف.

وكذلك تم الانتهاء من الساحات الخارجية والمساحات الخضراء بنسبة 98%، ووصل حجم الإنجاز في الطرق الخارجية المحيطة إلى 92%، وفي الواجهة المطلة على الأهرامات إلى 99.8%. هذا بالإضافة إلى الانتهاء من أعمال الهيكل الخرساني والمعدني لمتحف مراكب خوفو بنسبة 100%، وجارٍ تنفيذ التشطيبات اللازمة للمبنى.

يقام المتحف المصري الكبير بالتعاون الثنائي بين مصر واليابان، فيتم تنفيذ المشروع بقيمة 10% منه بأيادٍ مصرية، حيث تقدم جايكا الدعم المالي من خلال قرضين للمساعدات الإنمائية الرسمية بقيمة إجمالية تصل إلى حوالي 800 مليون دولار أمريكي، من خلال إتاحة قرضين للمساعدات الإنمائية الرسمية؛ الأول في عام 2008 والثاني في عام 2016، ليصل إجمالي قيمة القروض 84.2 مليار ين ياباني (ما يوازي 800 مليون دولار أمريكي تقريبًا).

وبحسب خطة التنمية للسنة المالية 2018/2019، وجهت الدولة مبلغًا وقدره 3.8 مليار جنيه لصالح المتحف المصري الكبير، واستطاعت الدولة من خلال الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ترشيد تكلفة تنفيذ الحائط الجداري بأكثر من 180 مليون دولار من التكلفة التقديرية للمشروع، واستطاعت أن تصل بالقيمة التقديرية للمشروع إلى 6.1 مليار دولار، حيث وفرت أكثر من 770 مليون دولار من تكلفة الإنشاءات. وبهذه التكلفة يمكن القول إن المتحف الكبير أقل تكلفةً بكثير من تكلفة إنشاء المتاحف العالمية، رغم مساحة المتحف الكبيرة، مما يؤكد على حرص الدولة على ترشيد نفقات إنشاء المتحف، والتي سيتم استردادها بمجرد تشغيل الخدمات حول المتحف من قبل شركة دولية لإدارة وتشغيل الخدمات فقط.

هذا بجانب التعاون الفني مع جايكا لدعم:

  1. مركز الترميم التابع للمتحف المصري الكبير المعني بأعمال حفظ وترميم وتغليف ونقل القطع الأثرية.
  2. نقل خبرات متعلقة بإدارة وتشغيل المتحف والمعارض لدعم التجهيزات لافتتاح المتحف.
  3. عمليات التنقيب والترميم لمركب خوفو الثانية المعروفة باسم مركب الشمس الثانية، وذلك بمنطقة الأهرامات، والتي من المتوقع أن تصبح إحدى معروضات المتحف ومن أهم عناصر جذب الزائرين. 

فالمتحف المصري الكبیر ليس متحفًا فحسب، بل صُمم ليكون مجمعًا ثقافيًا سياحيًا ترفيهيًا ومركزًا للبحث العلمي؛ ليكون قبلة للباحثين الأثريين من كافة انحاء العالم.

ملامح المشروع

يقدم المتحف المصري الكبير لزائريه تجربة مختلفة واستثنائية تعكس عظمة الحضارة المصرية في مبنى عصري، وسيكون نموذجًا لامتزاج الأصالة بالحداثة، والتاريخ بالعلم الحديث. واختير موقع إنشاء المتحف بالقرب من أهرام الجيزة –على بعد كيلومترين فقط من أهرامات الجيزة- فبالإضافة إلى موقعه المتميز أمام أهرامات الجيزة يمكن للسائح التقاط صور “سيلفى” مع الأهرامات أثناء استمتاعه بمشاهدة مقتنيات الملك توت عنخ آمون.

يقام المتحف على مساحة 117 فدان. ومن المتوقع أن يستقطب 5 ملايين زائر سنويًا. وتم تصميم المتحف بروح تعكس أصالة وحضارة المكان في قالب يتناغم مع العصر الحديث. فترتفع واجهة المتحف الزجاجية بارتفاع الهرم الأكبر خوفو، وعند دخول المبنى، يستقبلك البهو الرئيس الذي يحوي تمثال الملك رمسيس الثاني ممثِّلًا عن الحضارة المصرية القديمة في قلب المتحف. ثم صعود الدَّرَج العظيم الذي يرتفع حوالي 25 مترًا بارتفاع الهرم الأكبر، لينتهي بواجهة زجاجية عملاقة تطل على الأهرامات الثلاثة.

أول المستقبلين

ليكون المضيف لكافة زوار المتحف –حوالي 15000 زائر يوميًا- تمثال رمسيس الثاني، والذي تم نقله في 25 أغسطس 2006، من موقعه القديم بميدان رمسيس بالقاهرة ليوضع في موقعه الجديد بمدخل المتحف المصري الكبير. ليتم إعادة تحريكه بعد إجراء عدة دراسات حول الطريقة المثلى لنقل التمثال، ليتم النقل في 25 يناير 2018، بالتعاون بين وزارة الآثار مع شركة المقاولون العرب لمسافة 400 متر، ليستقر في مكانه النهائي في البهو الرئيسي بالمتحف، ليكون أول قطعة يراها السائح عند زيارته المتحف. 

ويعد تمثال رمسيس الثاني -والبالغ وزنه 83 طنًا ويبلغ عمره 3200 عام- أول الكنوز التي تم نقلها، وكان وصوله إلى المتحف بمثابة إيذان ببدء العمل فيه، حيث كان أول قطعة أثرية يتم نقلها له من بين أكثر من 100 ألف قطعة سيعرضها المتحف عند افتتاحه، وتم وضع التمثال بطريقة هندسية حتى تتعامد أشعة الشمس على وجه الملك رمسيس الثاني، داخل مقره الأخير ببهو المتحف المصري الكبير، تزامنًا مع تعامد الشمس في معبده في أبو سمبل يومي 21 أكتوبر و21 فبراير.

ومن المقرر أن تتراص القطع الضخمة على طول درج المتحف الكبير، فأمام المدخل الرئيس تمثال رمسيس الثاني، بالإضافة إلى أكثر من 87 قطعة ضخمة إلى جانبه.

نقل مقتنيات توت عنخ آمون لقاعته.. كيف سيتم عرض قناع الملك فى المتحف الكبير؟

وإلى جانب تمثال رمسيس الثاني، تعتبر مقتنيات الملك توت عنخ آمون، الملك الصبي، درة القطع الأثرية بالمتحف. والتي أبهرت الجميع منذ أن اكتشف العالم هوارد كارتر مقبرته في عام 1922. وللمرة الأولى على الإطلاق، سيتم عرض مجموعة الكنوز الكاملة للملك توت، وتضم 5400 قطعة، بما في ذلك ثلاثة توابيت وقناع الجنازة الذهبي الشهير، على مساحة تزيد عن 7000 متر مربع، طبقًا لأحدث أساليب العرض المتحفي ووسائل الإضاءة بالمتاحف العالمية.

ويتفرد المتحف أيضًا بوجود المسلة المعلقة والتي لا توجد في أي متحف في العالم. ويضم قاعة خاصة لعرض توابيت “خبيئة العساسيف” القادمة من الأقصر التي عثرت عليها البعثة المصرية في أكتوبر 2018 بجبانة العساسيف الأثرية؛ وذلك لإبراز قيمتها الأثرية والتاريخية والفنية. وهي عبارة عن مجموعة متميزة من 30 تابوتا خشبيا آدميًا ملونًا لرجال وسيدات وأطفال، في حالة جيدة من الحفظ والألوان والنقوش، حيث تم الكشف عنهم بالوضع الذي تركهم عليه المصري القديم، في صورة توابيت مغلقة بداخلها المومياوات، مجمعين في خبيئة في مستويين الواحد فوق الآخر، ضم المستوى الأول 18 تابوتا والمستوى الثاني 12 تابوتا.  هذا إلى جانب عدد هائل من الآثار التي تم نقلها من الاكتشافات الأثرية المتنوعة، وصل عددها في فبراير 2022 إلى أكثر من 56,000 قطعة أثرية إلى المتحف.

متحف مراكب الملك خوفو

والمتحف المصري الكبير سوف يجاوره متحف أخر، وهو متحف مراكب الملك خوفو، وسوف يضم مركب الملك خوفو الأول والثاني، ويصل طول مركب الملك خوفو الأولى حوالي 44 متر، وارتفاعه 8 متر وعرضها 6 متر ويزن أكثر من 20 طن، وصنع من خشب الأرز الذي كان يتم استيراده من لبنان، وعثر عليه محفوظًا  في حفرة مغطاة بنحو 41 كتلة من الحجر الجيري، ومفكك إلى نحو 6500 جزء رتبت مع بعضها البعض بعناية ليتيسر تجميعها، ووضعت معها أيضًا المجاديف، والحبال، وجوانب المقاصير، والأساطين. 

وتم اكتشافه منذ أكثر من 68 عامًا، وهو يعد أكبر أثر عضوي متبقٍ في التاريخ، ووجهت القيادة السياسية بنقله إلى المتحف الجديد، وخضعت عملية النقل للدراسة والعمل الدؤوب لأكثر من عام ونصف، وتمت عملية النقل في أغسطس 2021، واستمرت لمدة 8 ساعات. 

أما المركب الثاني للملك خوفو فيجري استخراجه حاليًا من باطن الأرض؛ إذ تعمل بعثة أثرية مصرية يابانية مشتركة منذ 14 عام على استخراجه، ويتبقى في مهمتها نحو 4 أعوام حتى يتم الاستخرج والترميم، نظرًا لأنه في حالة سيئة.

وتذهب الآراء إلى أن قدماء المصريين صنعوا هذه المراكب ليستخدمها الملك في رحلتيه اليوميتين مع إله الشمس “رع” في سماء الدنيا نهارًا وسماء العالم الآخر ليلًا، بينما ذهبت آراء أخرى إلى أن المركب قد استخدمت لنقل جثمان الملك من ضفة النيل الشرقية إلى الضفة الغربية حيث دفن.

المتحف القديم

وكعادة أي مشروع قومي جديد يصحبه الكثير من اللغط، وكانت الأقاويل والشائعات هذه المرة تتمحور حول ما هو مصير المتحف المصري القديم –الكائن بميدان التحرير- وما مصير القطع الأثرية الموجودة بداخله؟ 

لكن قبل الإجابة على هذا السؤال، يجب التأكيد على أن المتحف المصري هو أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، ويضم أكبر مجموعة من الآثار المصرية القديمة في العالم. وتم اختيار المهندس المعماري للمبنى من خلال مسابقة دولية في عام 1895، والتي كانت الأولى من نوعها، وفاز بها المهندس المعماري الفرنسي مارسيل دورغنون. وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني في عام 1902، وأصبح معلمًا تاريخيًا في وسط القاهرة، ومكانًا لأروع قطع الآثار المصرية القديمة. حيث يعرض المتحف مجموعة كبيرة تمتد من فترة ما قبل الأسرات إلى العصرين اليوناني والروماني.

وعن مصير المتحف القديم، أكد خالد العناني وزير السياحة والآثار أن متحف التحرير به حوالي 150 ألف قطعة، وسيظل كما هو بعد افتتاح المتحف المصري الكبير باستثناء نقل 400 قطعة لتوت عنخ آمون و22 مومياء التي تم نقلها إلى متحف الحضارة العام الماضي. فالمتحف المصري بميدان التحرير زاد عمره على مائة عام (افتتح 1902)، وبالتالي أصبحت هناك ضرورة لإنشاء مشروع جديد يحفظ الآثار الدقيقة، مثل مقتنيات الفرعون الذهبي، توت عنخ آمون (1334 إلى 1325 ق.م.)، فغالبيتها عضوية تحتاج رعاية خاصة. ويتم من خلاله عرض نواتج الاكتشافات الأثرية الحديثة.

ولا تقتصر أهمية مشروع المتحف المصري الكبير على عرض مزيد من القطع الأثرية، بل هو يعد مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية؛ فالمتحف يستهدف زيارة 15 ألف زائر يوميًا، فضلًا عن أنه وفر وسيوفر فرص عمل في المستقبل القريب سواء داخل المتحف أو بالمشروعات الخدمية المحيطة به.

على الجانب الآخر، وجود المتحف بهذه المنطقة سينشط عملية إنشاء فنادق جديدة قريبة من المتحف والأهرامات. وكذلك ستنمو سوق العقارات الفخمة ذات الإطلالة الأثرية والتاريخية، والتي تصلح للسكن السياحي أو التملك أو الإيجار، وستنمو سوق العقارات المتوسطة للعمالة التي يقترن عملها بالمتحف.

وبخلاف نشاط سوق العقارات المرتقب، فقد أخذت الحكومة على عاتقها تجهيز شبكة طرق وخدمات نقل تخدم المشروع، ومن أبرز هذه المشروعات: إنشاء محطة مترو أنفاق «المتحف الكبير» بطريق إسكندرية الصحراوي بالمنطقة المواجهة للمتحف المصري الكبير ضمن مشروع محطات مترو أنفاق الخط الرابع، وتوسعة الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى.

كذلك هناك مطار سفنكس الذي يبعد ١٥ دقيقة من موقع المتحف مما سيسهم في تسهيل حركة السائحين إليه ويتيح لهم فرصة التوجه للمدن السياحية المختلفة بعد زيارة المتحف مثل مدينة شرم الشيخ أو مدينة العلمين الجديدة، وسيعطي فرصة كبيرة لتنويع البرامج السياحية، ومزج السياحة الثقافية مع الأنماط السياحية الأخرى ومنها السياحة الشاطئية، مما ينذر بدفعة هائلة للنشاط السياحي بمصر. 

وفي هذا الصدد، تم ربط هضبة الأهرامات التي تبلغ مساحتها 3500 فدان بالمتحف المصري الكبير الذي تبلغ مساحته 120 فدانًا، وإزالة نادي الرماية الذي تبلغ مساحته حوالي 120 فدانًا، وتم زيادة طاقة انتظار السيارات لتصل لأكثر من ٢٠٠٠ مكان انتظار بزيادة عن المتاح حاليًا ب ١٣٠٠ عربة. وعن أعمال تطوير المنطقة المحيطة بالمتحف أيضًا، فقد تم الانتهاء من الساحات الخارجية والمساحات الخضراء بنسبة 98%، ووصل حجم الإنجاز في الطرق الخارجية المحيطة إلى 92%، وفي الواجهة المطلة على الأهرامات إلى 99.8%. وتم رفع كفاءة وإنارة الطرق وطلاء المباني حول المتحف وفي الطريق المؤدي إليه.

أول متحف أخضر

ولأن خطى الدولة دائمًا ما تسعى إلى التكامل، وفي ضوء المساعي إلى تحقيق أهداف استراتيجية وزارة السياحة والآثار للتنمية المستدامة ورؤية مصر ٢٠٣٠ للتحول نحو مجتمع أكثر استدامة في كافة القطاعات، والحفاظ على التوازن البيئي واستدامة النشاط السياحي والأثري؛ جارٍ الآن القيام بعدد من التعديلات بالتعاون بين إدارة مشروع المتحف المصري الكبير مع المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، فيما يتعلق باعتماد المتحف الكبير كمبنى أخضر، من خلال بنيته التي تتميز بالاستدامة الاقتصادية والبيئية والثقافية، ليصبح بذلك أول متحف في مصر يتم اعتماده كمبنى أخضر. من خلال دمج كل أبعاد البناء الأخضر والتنمية المستدامة بمشروع المتحف.

فقد سبق وأكد اللواء عاطف مفتاح، المشرف العام على مشروع المتحف المصري الكبير، على أن حصول المتحف على شهادة الهرم الأخضر المصري، يستلزم تطبيق عدد من الشروط خلال الفترة الحالية؛ كتطوير الخدمات المقدمة للجمهور بما يدعم سهولة الوصول للمتحف، وعمل مسارات مخصصة للدراجات ومواقف السيارات، واستخدام سيارات تعمل بالكهرباء، ورفع كفاءة استهلاك المياه والطاقة داخل المتحف من خلال إعادة استخدام المياه وتقليل استهلاكها وخاصة تلك المستخدمة بالزراعات، فضلًا عن نظام القياس والكشف عن التسريب وخفض الحرارة المختلفة واستخدام مصادر للطاقة المتجددة.

متى الافتتاح؟

رغم تحدد موعد افتتاحه أكثر من مرة، إلا أنه تم التأجيل لعدة مرات منها بسبب جائحة كورونا، إلا إنه لم يتم تحديد موعد محدد رسميًا حتى الآن. لكن وفقًا لتصريحات سابقة للوزير خالد العناني فقد أكد أن عام 2022 سيشهد افتتاح المتحف المصري الكبير، وذلك بالتزامن مع مرور 100 عام على اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، ومرور 200 عام على فك رموز حجر رشيد.

ولهذا السبب ذهبت بعض التكهنات إلى أن يكون موعد الافتتاح في نوفمبر المقبل؛ وذلك لأن في الرابع من نوفمبر تم اكتشاف مقبرة الفرعون الذهبي «توت عنخ آمون»، حيث تمر مئة عام على اكتشاف تلك المجموعة الفريدة لتوت عنخ آمون. وفي نفس التوقيت أيضًا، سوف تستقبل مصر نحو 120 من ملوك ورؤساء دول العالم بالتزامن مع انطلاق مؤتمر الدول الأطراف أعضاء اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ بشرم الشيخ. ومن المتوقع أن يتم نقل قناع توت عنخ آمون وافتتاح المتحف في مراسم احتفالية تستمر لعدة أيام وبتغطية إعلامية عالمية على غرار احتفالي نقل المومياوات وافتتاح طريق الكباش.

تطلع دولي

ورغم عدم تحديد موعد لافتتاح المتحف حتى الآن، إلا إنه يحظى بمتابعة وترقب من وسائل الاعلام العالمية. ففي 20 ديسمبر الماضي، اختارت شبكة “تايم أوت” العالمية الترفيهية حدث افتتاح “المتحف المصري الكبير” في العام الجاري، ضمن قائمتها لأفضل 22 تجربة جديدة في العالم يجب القيام بها في عام 2022، معتبرة أن افتتاحه سيكون “من أكثر التجارب والأحداث والافتتاحات الجديدة الممتعة والأصيلة والتي لا يمكن تفويتها. ووفقًا لما نقلته صحيفة “ديلي تايمز” الباكستانية التي تصدر باللغة الإنجليزية، فإن هذا الاختيار جاء بناءً على كونه “أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة”، فضلًا عن موقعه المميز بالقرب من أهرامات الجيزة العظيمة.

فيما دعت صحيفة “ديلي ميل” البريطانية في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني يوم 19 ديسمبر 2021، إلى زيارة “المتحف المصري الكبير”، واصفة إياه بأنه “إحدى العجائب المعمارية في العصر الحديث وأحد أكبر المتاحف في العالم”، خاصة مع عرض المتحف مقتنيات من مقبرة توت عنخ آمون، متوقعة أنها “ستكشف عن الثروة العظيمة للإمبراطورية المصرية وكنوزها الملكية”.

ومن جانبها، وصفت جريدة “التايمز” البريطانية المتحف بأنه “أعظم مشروع حضاري وثقافي خلال القرن الحالي، واختارته كثاني أهم 10 مشاريع ضخمة من المتوقع أن يكون لها دور مهم في الحضارة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.

ختامًا، افتتاح «المتحف المصري الكبير» أصبح الحدث الذي ينتظره الجميع من المهتمين بالثقافة والحضارة والحضارة الفرعونية على وجه التحديد في كافة أنحاء العالم؛ فالجميع ينتظر رؤية مشهد جديد من الحضارة المصرية القديمة التي ظلت عنوانًا لعبقرية المصري القديم وتفوقه في مجالات شتى، وتسجيله لحياته وحضارته بالكلمة والصورة، مدفوعًا باعتقاده الراسخ بعقيدة الموت الذي يعقبه البعث والخلود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى