إسرائيل

موقف إسرائيل من الأزمة الأوكرانية.. دوافع وتحولات

منذ بداية الأزمة الروسية – الأوكرانية، خرج وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد بتصريحات متعددة منتقدًا فيها الطرف الروسي في الحرب الدائرة في الأراضي الأوكرانية، حتى وصل الأمر إلى وصفه لما تفعله موسكو بـ«جرائم الحرب»، فمنذ بداية الحرب حاولت «تل أبيب» تفادي التضارب مع روسيا إلا أنه على ما يبدو لم تستطع الحفاظ على تلك السياسة بسبب تصريحات وزير الخارجية بجانب مواقفها في المناسبات الدولية التي كان لابد من أن تأخذ فيها صفًا. 

استدعاء السفير الإسرائيلي

في خطوة روسية للتعبير عن الغضب تجاه الموقف الإسرائيلي، استدعت موسكو سفير إسرائيل لديها «أليكس بن تسفي»، الأحد الماضي، بسبب إدانة وزير الخارجية الإسرائيلي للحرب الروسية على أوكرانيا، وجاء الاستدعاء إلى اجتماع يوم الإثنين بعد انتقاد موسكو لتل أبيب لتصويتها على دعم إخراج روسيا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والتي تعتبره أمرًا غير قانونيًا في الأساس، وجاء ذلك بالإضافة إلى تصريحات لابيد.

وربطت الخارجية الروسية في بيانها هدف السياسية الإسرائيلية تجاه الأزمة الأوكرانية بمحاولات صرف الانتباه عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وقالت: «هناك محاولات مستترة للاستفادة من الوضع حول أوكرانيا من أجل صرف انتباه المجتمع الدولي عن أحد أقدم النزاعات التي لم يتم حلها، وهو النزاع في فلسطين»، مضيفة: «كما تعلمون، هناك انتهاكًا لقرارات عديدة صادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتواصل الحكومة الإسرائيلية الاحتلال غير الشرعي والضم الزاحف للأراضي الفلسطينية، الأمر الذي تسبب في مقتل  أكثر من 2.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية»، كما تناول البيان الحديث عن وضع قطاع غزة ووصفه بـ«سجن في الهواء الطلق»، حيث اضطر مليونا شخص للبقاء على قيد الحياة لمدة 14 عامًا تقريبًا في ظل ظروف الحصار البحري والجوي والبري الذي تفرضه إسرائيل. 

وقال البيان الذي نقلته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، إن «إسرائيل تحافظ على أطول احتلال في تاريخ العالم ويتم ذلك بتواطؤ ضمني من الدول الغربية وبدعم فعلي من الولايات المتحدة الأمريكية». وامتنعت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن التعليق على الاستدعاء أو البيان، ويبدو أن «تل أبيب» لا تريد التصعيد أكثر من ذلك نظرًا للهجة الشديدة التي تحدثت بها الخارجية الروسية في بيانها. 

تصريحات لابيد

بعد 5 أيام من انطلاق العملية العسكرية الروسية خرج وزير الخارجية الإسرائيلي بإيجازات صحفية بشأن الأوضاع في أوكرانيا معلنًا عن 3 طائرات مساعدات، متحدثًا عن موقف بلاده من الأزمة قائلًا: «هذا هو اليوم الخامس للحرب، ستصوت الأمم المتحدة على قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، وستنضم إسرائيل لصالح القرار إلى الغالبية العظمى من دول العالم»، مضيفًا أن إسرائيل كانت وستكون في الجانب الصحيح من التاريخ «هذه هي قيمنا، حليفنا الرئيسي كان وسيظل الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن شركائنا الأمريكيين يفهمون أيضًا أن هناك نقطتين تتطلبان منا الحذر وحرية التصرف، أولًا من نواح عديدة، لإسرائيل حدود أمنية مع روسيا، إنها القوة العسكرية الأكثر أهمية في سوريا، وآلية تعاوننا معهم تساعد في نضالنا الحازم ضد المؤسسة الإيرانية على حدودنا الشمالية»، وتابع: «سنبذل قصارى جهدنا حتى لا نترك أي إسرائيلي وراءنا، ولا يهودي وراءنا». 

ووفقًا لما نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية، قال لابيد آنذاك إن «وزارة الخارجية الإسرائيلية تقوم بواحدة من أكثر العمليات تعقيدًا في تاريخ البلاد خلال الأيام الخميس الماضية، وقد أجريت محادثة مع أحد موظفي الوزارة على الحدود البولندية، فالحدث متدحرج لم ينته بعد، ولكن المبدأ واضح، نحن نهتم بالإسرائيليين ونهم باليهود، قلوبنا مع مواطني أوكرانيا». 

وكانت أول إدانة إسرائيلية قاسية وفقًا لما وصفتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية ما قاله لابيد بشأن ما حدث في بلدة «بوشا» الأوكرانية، حيث قالت الصحيفة إنه بعد صدمة الغرب من الصور القاسية القادمة من بوشا بالقرب من العاصمة الأوكرانية كييف، انضم وزير الخارجية الإسرائيلي إلى الإدانة، ولأول مرة وصف مسؤول إسرائيلي تصرفات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الحرب ضد أوكرانيا بأنها «جريمة حرب». 

وكتب لابيد في تغريدة نشرها على موقع التغريدات القصيرة «تويتر» إنه: «من المستحيل عدم المبالاة في مواجهة الصور المروعة التي عُثر عليها في مدينة بوشا بعد خروج الجيش الروسي من المكان»، مضيفًا أن الإيذاء المتعمد للسكان المدنيين جريمة حرب وأنه يدينها بشدة. 

موقع «واللا» الإسرائيلي سلط الضوء على تصريحات لابيد في مؤتمر صحفي عقده مع وزيري خارجية اليونان وقبرص في أثينا والتي قال فيها أيضًا إن روسيا غزت دون أي مبرر أراضي دولة أصغر وأضعف وهي أوكرانيا، مضيفًا أن العالم لا يصمت في وجه الغزو الروسي ولكنه يتحد لمساعدة أوكرانيا. وقال بينيت «لقد صدمتنا المشاهد الصعبة في بوشا.. ندين ذلك بشدة.. الصور قاسية للغاية.. معاناة مواطني أوكرانيا هائلة ونحن نبذل قصارى جهدنا للمساعدة».

خلف الكواليس

يبدو أن حديث لابيد لم يكن شخصيًا ولكنه أمر متفق عليه في الدوائر الإسرائيلية المغلقة، حيث كشف «واللا» عن مسؤول كبير في وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنه تقرر تكثيف الانتقادات الإسرائيلية في ضوء الشهادات الإضافية العديدة التي وردت من بوشا وأماكن أخرى في أوكرانيا خرجت منها القوات الروسية، وكذلك للتوافق مع تنامي انتقادات من الدول الغربية. وقال المسؤول بوزارة الخارجية «هذا هو الشيء الصحيح لفعله أخلاقيا وسياسيا»، مشيرًا إلى أن شحذ لابيد لهجته ضد روسيا تم بالتنسيق مع رئيس الوزراء نفتالي بينيت.

وعلى الرغم من أن إسرائيل تعد بلدًا غربيًا من حيث توجهاتها وسياستها وخصوصًا علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية القوية، إلا أنها توجهت منذ بداية الأزمة إلى اتخاذ موقف أقرب إلى الحياد بين أوكرانيا وروسيا، فهي لم تشارك في فرض عقوبات على روسيا وفي الوقت نفسه رفضت تمويل السلاح إلى أوكرانيا لتسخدمه ضد روسيا، بالإضافة إلى حرص المسؤولين الإسرائيليين في حديثهم في بداية الأزمة بعدم الهجوم على طرف من طرفي الأزمة، بعيدًا عن لابيد الذي سُمح له بتوجيه انتقادات خفيفة لروسيا قبل أن يتلقى تعليمات بتشديد خطابه تجاه ما تفعله روسيا عندما وصف أفعالها بـ«جريمة الحرب». 

3 أمور صنعت الموقف الإسرائيلي

عدد من الأمور يجعل «تل أبيب» في حيرة من أمرها عندما تقع في موضع لابد أن تقف فيه في صف أحد طرفي النزاع بين روسيا وأوكرانيا، الأمر الأول، حرية عملها ضد إيران وحزب الله في سوريا، حيث إنها إذا أخذت موقفًا واضحًا ضد روسيا، فستقوم الأخيرة بدعم الحكومة السورية بأسلحة مضادة للطائرات والصواريخ الإسرائيلية، وسيعيق هذا حرية الطيران الإسرائيلي في سوريا وخصوصًا أنها تنفذ من وقت لآخر غارات على أهداف تقول إنها تابعة لإيران وحزب الله في الداخل السوري، وقد يتطور الأمر وقد تدعم موسكو حزب الله وإيران في مهاجمة إسرائيل. وتعتبر إسرائيل مواجهة حزب الله وإيران على الأراضي السوري أهم من معاداة روسيا وما سيعود عليها من ذلك، وهو الأمر الذي يتفهمه الغرب بشكل كبير.

الأمر الثاني، يعود إلى تواجد يهود في روسيا وأوكرانيا، حيث إنه بعد انهيار الاقتصاد الأوروبي عام 1990 استقبلت إسرائيل مليون و200 ألف يهودي ثلثهم من أوكرانيا وثلث آخر من روسيا، وثلث أخير من الدول التي استقلت عن روسيا، وهنا وجدت تل أبيب نفسها بين يهود روس متعاطفين مع روسيا ويهود أوكرانيين متعاطفين مع بلادهم، فاتخاذ موقف صريح ضد أحد الأطراف سيكون له تداعيات على المجتمع الإسرائيلي الذي يفتقر إلى التآلف بشكل كبيبر وعلى الحكومة الإسرائيلية أيضًا. 

الأمر الثالث، يعود إلى دور اليهود الروس في الاقتصاد الأمريكي، حيث تشير مجلة «فوربس» الأمريكية إلى أن هناك 10 من اليهود الروس ضمن أهم 100 من الأغنياء اليهود في إسرائيل وبعضهم يمتلك محطات تلفزيونية مثل القناة الـ13 والـ14 في إسرائيل، ما جعل لهم تأثير على مواقف وسياسة الحكومة الإسرائيلية. 

ختامًا، حاولت إسرائيل منذ البداية الالتزام بالحياد في الأزمة بين روسيا وأوكرانيا بسبب الأسباب المذكورة سابقًا، إلا أنه وبمرور الوقت اكتشفت أنها بحاجة إلى تغيير ذلك الحياد في مواقف مُعينة وهو ما أكده تقرير موقع «واللا» بأن هناك توجيهات سياسية إسرائيلية للمسؤولين بانتقاد الممارسات الروسية في أوكرانيا، وهو بالأحرى ما دفع وزير الخارجية يائير لابيد للخروج لانتقاد ما فعله الجيش الروسي في مدينة بوشا الأوكرانية ووصفه بـ«جريمة الحرب».  ويبدو أن الموقف الإسرائيلي ابتعد عن الحياد في الأونة الأخيرة وسيستمر في ذلك إذا لم تراجع تل أبيب سياستها خصوصًا بعد استدعاء السفير الإسرائيلي من قبل الخارجية الروسية التي استخدمت الصراع الإسرائيلي الفلسطيني للرد على ما صرح به وزير الخارجية الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى