السد الإثيوبي

سد النهضة: الطريق نحو الملء الثالث ليس ممهدًا

يبدو أن خواتيم شهر أبريل خلال العام الجاري والأعوام القليلة القادمة ستصبح هي الموعد المثالي لعودة قضية السد الإثيوبي لتصدر المشهد الإعلامي، والاستحواذ على قدرٍ لا بأس به من تصريحات المسؤولين في مصر والسودان وإثيوبيا؛ إذ تستعد إثيوبيا في هذا التوقيت لتعلية السد من أجل استيعاب الزيادة في كمية المياه المقرر تخزينها خلال شهري يوليو وأغسطس المقبلين، أو ما يُطلق عليه “الملء الثالث”؛ لكن ما حدث أثناء الملء الثاني في العام الماضي يشير إلى أن الطريق نحو إنجاز الملء الثالث ليس ممهدًا، وأن الوقت لن يكون في صالح الإثيوبيين لتحقيق هدفهم.

هل تحقق الملء الثاني؟!

يفرض الحديث عن الملء الثالث للسد الإثيوبي العودة إلى يناير 2020 ووثيقة واشنطن التي وقعت عليها مصر بالأحرف الأولى ورفضتها كل من إثيوبيا والسودان؛ وذلك للتعرف على جدول الملء وكميات المياه التي كان مقررًا تخزينها وفقًا لتلك الوثيقة، وتحديد ما إذا كانت إثيوبيا قد حققت أهدافها على مدار العامين الماضيين أم أننا أمام دعاية سياسية خادعة.

بعد أن تدخلت الولايات المتحدة نهاية 2019 للتوصل إلى حل مرضٍ لأزمة السد الإثيوبي، اجتمع أطراف الأزمة في واشنطن تحت أعين ممثلي البنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، وانتهت الاجتماعات في فبراير 2020 بصياغة وثيقة تنص على أن يتم ملء خزان السد وفق خطة زمنية تمتد لسبع سنوات: 4.5 مليار متر مكعب في العام الأول، و13.5 مليار متر مكعب في العام الثاني لاختبار ثبات السد والبدء في إنتاج الكهرباء، و12 مليار متر مكعب كل عام لمدة خمس سنوات.

وقد رفضت إثيوبيا تلك الوثيقة رفضًا قاطعًا آنذاك، واتهمت الولايات المتحدة بمحاباة مصر على حساب مصالح الشعب الإثيوبي، ثم عارضت توصيات مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، وبدأت منفردة في تنفيذ الملء الأول دون اتفاق في يوليو 2020، لتتسارع بعد تلك الخطوة الأحادية وتيرة انخراط المجتمع الدولي في المفاوضات بين الدول الثلاث أطراف الأزمة؛ ولكن المفاوضات التي استؤنفت بعد أن فرضت إثيوبيا أمرًا واقعًا لم تحقق تقدمًا يُذكر إلى أن جاء موعد الملء الثاني، وبدأت إثيوبيا في تعلية الممر الأوسط للسد بهدف الوصول بكمية المياه المخزنة إلى 18 مليار متر مكعب. 

ولم يتحقق ذلك الهدف؛ نظرًا لضيق الوقت وبطء السير في تنفيذ الأعمال، لينتهي العام الثاني بتخزين 8 مليارات متر مكعب فقط بعد تعلية السد إلى مستوى 573 مترًا فوق مستوى سطح البحر بدلًا من 595 مترًا، ما يعني أن إثيوبيا أنجزت أقل من 30% من الارتفاع المستهدف لتنفيذ الملء الثاني ليؤجل استكماله إلى العام الحالي.

C:\Users\m.elsayed\AppData\Local\Microsoft\Windows\INetCache\Content.Word\سدو.jpg

عامان إضافيان لاستكمال الملء الثاني

بمراجعة توقيت بدء العمل في تعلية الممر الأوسط للسد الإثيوبي خلال العام الماضي، اتضح أن إثيوبيا تمكنت من تعلية السد بمقدار 8 أمتار فقط بعد أن كانت تستهدف تعليته بمقدار 30 مترًا لتخزين 18 مليار متر مكعب من المياه، ما يعني أنها لا تزال بحاجة إلى تعلية السد بمقدار 22 مترًا لاستكمال الملء الثاني فقط، ولكن توقيت البدء في تصريف المياه المخزنة من العام الماضي لاستئناف تعلية السد يشير إلى أن إثيوبيا ستواجه نفس المشكلة ولن تتمكن من الوصول إلى الارتفاع المطلوب.

ويمكن التدليل على ذلك بأن المدة المتبقية حتى بداية موسم الفيضان هي 70 يومًا تقريبًا، وإذا كانت القدرة الإنشائية هي 15 سنتيمترًا في اليوم، فإن أقصى ارتفاع يمكن الوصول إليه خلال تلك الفترة هو 584 مترًا فوق مستوى البحر بزيادة قدرها 11 مترًا تقريبًا عن الوضع الحالي، وتشير تقديرات الخبراء إلى أن الوصول إلى هذا الارتفاع لن يسمح بأي حال من الأحول بتخزين 10 مليار متر مكعب إضافية، ولكن قد يصل إجمالي المياه المخزنة بنهاية موسم فيضان 2022 إلى 11 مليار متر مكعب من المياه.

بذلك، يمكن أن يمتد المدى الزمني للانتهاء من الملء الثاني الذي كان مخططًا له أغسطس 2021 إلى أغسطس 2023، ما يفرض على الحكومة الإثيوبية توفير تمويل وبذل جهد مضاعف لتحقيق الأهداف من الملء الثاني، على أن تتوافر شروط أخرى أهمها: استقرار الأوضاع السياسية والأمنية التي تشهد تقلبات كثيرة منذ نوفمبر 2020 بالتزامن مع الصراع المسلح القائم بين الحكومة الفيدرالية وقادة إقليم تيجراي، بالإضافة إلى ضرورة تحسين العلاقات الخارجية مع الدول ذات التأثير بما يسمح للحكومة بتلقي مساعدات إنمائية أو قروض لاستكمال المشروع.

اتفاقٌ مُلزم يضمن اكتمال المشروع

على الرغم من توقيع الدول الثلاث على “اتفاق إعلان المبادئ” في مارس 2015، والذي يعد بمثابة وثيقة إطارية يتبعها اتفاق أكثر تفصيلًا وملزمٌ لجميع الأطراف، إلا أن جميع المحاولات للتوصل لذلك الاتفاق -سواء بين حكومات الدول الثلاث فقط أو بتدخل أطراف أخرى مثل الاتحاد الإفريقي والبنك الدولي ومجلس الأمن الدولي– على مدار أكثر من عشر سنوات باءت بالفشل، ولم تلتقِ رؤى الأطراف الثلاثة على بعض النقاط الخلافية المتعلقة بكميات المياه التي يتم تصريفها أثناء فترات الجفاف والجفاف الممتد، وإدارة وتشغيل السد، وتبادل المعلومات. 

وطالما لا يوجد اتفاق ملزم، فإن كل ما تقوم به إثيوبيا من خطوات أحادية يعارض اتفاق إعلان المبادئ ويفسح المجال أمام مصر والسودان لاتخاذ خطوات تصعيدية واستمرار لجوء الدولتين إلى مجلس الأمن الدولي؛ لكون السد قضية تمس أمن المنطقة وتهدد استقرارها، وهو ما يؤثر بالضرورة على فرص اكتمال المشروع في المدى الزمني المخطط، وضعف إمكانية توفير التمويل اللازم في ظل استمرار الخلاف، خاصةً بعد الدعم الدولي الذي حصلت عليه مصر والسودان ونجاحهما في إظهار التعنت الإثيوبي.

علاوةً على ذلك، فإن الخطط الإثيوبية لتشييد سدود أخرى على النيل الأزرق يمكن أن تسهم في تفسير الوضع الحالي، فقد يرجع البطء في ملء وتشغيل سد النهضة إلى رغبة إثيوبيا في كسب الوقت لإنهاء المشروع دون التوقيع على اتفاق ملزم مستندةً في ذلك إلى أنها “لم تضر بمصالح مصر والسودان ولم يؤثر السد على حصتهما من مياه النيل”، وعند اكتمال المشروع والبدء في توليد الكهرباء أو استغلال المياه المخزنة في بحيرة السد لأغراض الزراعة، تبدأ إثيوبيا في تنفيذ السدود الأخرى دون الرجوع إلى مصر أو السودان واعتبار النيل بحيرة إثيوبية.

وفي خطوات مضادة للتحركات الإثيوبية، سوف تستمر مصر والسودان في اتخاذ خطوات تصعيدية من شأنها أن تطيل أمد العمل في السد وتأخير تحقيق الأهداف المأمولة من ورائه؛ فبعد أن كان مخططًا الانتهاء من السد وتوليد الكهرباء في 2017، طالت الفترة الزمنية لنصل إلى 2022 ومازال السد قيد الإنشاء، فضلًا عن أن الخطوات المصرية السودانية أسهمت في تعطيل الملء الثاني لتصل مدته إلى ثلاث سنوات بدلًا من سنة واحدة، وقد يتكرر الأمر مع الملء الثالث والرابع…، لتجد الحكومة الإثيوبية نفسها أمام مشروع خاسر يستنزف الموارد ولا يحقق العوائد المرجوة بسبب طول الفترة الزمنية لإنهائه.

بالتالي، يمكن القول إن ما تُقدم عليه إثيوبيا خلال فترة الفيضان من العام الجاري لا يمكن عدّه “الملء الثالث”، وإنما استكمال جزئي للملء الثاني، وأن الصعوبات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجهها إثيوبيا في الوقت الراهن سوف يكون لها دور كبير في تأخر إنتاج الكهرباء أو تخزين المياه بالكميات التي تريدها الحكومة الإثيوبية. وسيظل الخلاف القائم بين الدول الثلاث عقبة قوية في طريق تحقيق الهدف من السد، الأمر الذي يقودنا إلى نتيجة واحدة مفادها أن التعاون المشترك وتوقيع اتفاق عادل وشامل وملزم لجميع الأطراف هو السبيل الوحيد لاستكمال المشروع بما يحقق التنمية المنشودة لإثيوبيا ولا يضر بالأمن المائي لمصر والسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى