آسيا

” فيروس كورونا في الصين.. بين الاندثار والانتشار”

لطالما عهدنا دولة كبرى بحجم الصين تخطط لسيناريوهات المستقبل ببراعة، وتلعب حكومتها لعبة طويلة مع تقلب الديموقراطيات المختلفة، ولكن يبدو أن الوضع لم يعد كذلك، ولم تعد الصين قادرة على أن تصب تركيزها فوق العبقرية الاستراتيجية المشهورة بها وخاصة في “شنغهاي”، فهناك أكثر من 25 مليون شخص في حالة إغلاق تام، بالرغم من الانفتاح العالمي، واتجاه الكثير من الدول للتخلي عن قيود الوباء “كوفيد-19” صيني المنشأ تحديدًا من مدينة “ووهان”، لتعود الدائرة في الدوران من جديد وتغلق خطوطها عند البداية.. الصين.

“صفر كوفيد” في الصين، والاستراتيجية الناجحة سابقًا

على مدى عامين ماضيين، بدا أن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الصين لاحتواء كوفيد، والتي فرضتها عمليات الإغلاق السريعة والقيود الصارمة، تؤتي ثمارها إلى حد كبير، ففي الوقت الذي عانى فيه بقية العالم مع الارتفاع المفاجئ في الحالات والوفيات في عام 2020، أعلن الرئيس الصيني “شي جين بينج” نجاح تعامل البلاد مع الوباء من خلال عمليات الإغلاق والاختبار على نطاق واسع – ووصف أساليبها بأنها الأكثر فعالية في التعامل مع الفيروس، لتعلن الصين تطبيق نموذج “صفر كوفيد” بصرامة في جميع أنحاء البلاد.

لكن الأمور سرعان ما بدأت تتغير، فقد بدأت العلامات الأولى للضغط على نموذج صفر كوفيد الذي تم التباهي به كثيرًا في الصين في الظهور عندما اضطرت السلطات إلى فرض عمليات إغلاق كبيرة بشكل متزايد بسبب متغير “دلتا” الأكثر عدوى في عام 2021. ما أثار تساؤلات حول المدة التي يمكن أن تحافظ فيها الصين على هذه السياسات، ليلحق بـ” دلتا” المتحور الأحدث ” Omicron”، والذي أعاد المزيد من هذه التساؤلات إلى الأذهان.

واليوم، يتم الإبلاغ عن آلاف الحالات يوميًا في الصين، وتم بالفعل وضع ملايين الأشخاص في مقاطعة ” جيلين” الشمالية الشرقية قيد الإغلاق، لتكون هذه هي المرة الأولى التي فرضت فيها الصين قيودًا على مقاطعة بأكملها منذ الأيام الأولى للوباء في ووهان. كما تشهد هونغ كونغ، التي لم تتأثر بالفيروس في السابق تقريبًا، 30 ألف حالة إصابة وأكثر من 200 حالة وفاة يوميًا، في وضع لا يشبه أي وضع شهدته البلاد خلال العامين الماضيين، وكذلك “شنغهاي”، فقد كانت نموذجًا يحتذى به في كيفية إنقاذ الأرواح أثناء الوباء، فعلى الرغم من إصابة المدينة بأكثر من 400 ألف إصابة بفيروس كوفيد-19، إلا أن عدد الوفيات 17 فقط منذ بداية الوباء.

وبعد مقاومات ومحاولات لعدم إغلاق المدينة البالغ سكانها 25 مليون نسمة، اضطرت الصين في النهاية للرضوخ، واتخذت قرار الإغلاق بعد موجة جديدة من الإصابات، وبعد أن سجلت شنغهاي أعلى عدد يومي من الإصابات منذ الأيام الأولى للوباء، تصل إلى أكثر من 20 ألف حالة يوميًا، كما أبلغت عن وفاة 3 أشخاص لأول مرة منذ الإغلاق الحالي، والضحايا تتراوح أعمارهم بين 89 و91 عامًا ولم يتم تلقيحهم من قبل.

لكن هذه الأرقام قد لا تعطي صورة كاملة عن حصيلة تفشي المرض، فعادةً ما تصنف الصين الوفيات المرتبطة بـ Covid بشكل أضيق من العديد من البلدان الأخرى، وتصف بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة الذين يموتون أثناء الإصابة بأنهم ضحايا لتلك الحالات الأخرى.

وهذا ما أثار العديد من التساؤلات حول العدد الحقيقي لفيروس كوفيد في الصين، التي أبلغت رسميًا عن أقل من 5000 حالة وفاة بسبب فيروس كورونا في غضون عامين، ويعتقد الخبراء أن العدد الرسمي المنخفض هو نتيجة أوجه القصور في الطريقة التي تحصي بها الصين الوفيات، وأن عددًا أكبر من الأشخاص قد لقوا مصرعهم بسبب الفيروس.

ويبدو أن المستشفيات الصينية تميل إلى التركيز على الأمراض المزمنة مثل السرطان أو أمراض القلب أو السكري كسبب للوفاة حتى عندما يصاب الأشخاص بالفيروس، ولا يتم تضمين الأشخاص الذين يعانون من مثل هذه الحالات في إحصاءات الوفيات الرسمية لفيروس كوفيد.

نظام صحي على وشك الانهيار

ينام الناس في أسرة المستشفيات مع انخفاض درجات الحرارة ليلاً خارج مركز كاريتاس الطبي في هونغ كونغ في 16 فبراير 2022 ،

أثبتت الدراسات والتجارب أن الغالبية العظمى من حالات “أوميكرون” تسبب أعراضًا أقل حدة من السلالات السابقة، مما يعني أنه يمكن للكثير التعافي من تلقاء أنفسهم في غضون أيام، وبالرغم من ذلك، تصر السلطات الصحية على عزل الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم دون ظهور أعراض خفيفة في مرافق الحجر الصحي التي تمتلئ بسرعة، ولم تصدر الحكومة أي إرشادات واضحة ومفصلة للعزل في المنزل، وقالت فقط أن الأشخاص لن يعودوا بحاجة إلى الحجر الصحي إذا انتظروا لمدة 14 يومًا وكانت نتيجة اختبارات مسحاتهم سلبية.

وكل هذا التعنت من أجل المحافظة على نهج” صفر كوفيد”، على أمل أن يرضي ذلك السلطات الصينية ويؤدي إلى إعادة فتح الحدود بين هونغ كونغ والبر الرئيسي، ولكن الواقع يؤكد أن الفيروس ينتشر بسرعة كبيرة، وأن الجميع يشعرون بالذعر، لأن الحالات الحرجة حقًا، لن تجد لها مكانًا في المستشفيات لتحتويها.

ويرى الخبراء أن هونج كونج إذا صممت بالإبقاء على سياستها، فيجب على الحكومة على الأقل تحسين الدعم للمرضى الذين يعزلون أنفسهم في المنزل، مما يضمن حصولهم على البقالة والاختبارات السريعة والأدوية الأساسية، بالإضافة إلى فرز الأشخاص الذين يحتاجون لرعاية طبية بعناية.

ومن المشكلات التي ساعدت في تفاقم المشكلة، هو التردد في أخذ اللقاح، وخاصة بين كبار السن، فقد تم تطعيم حوالي 76.2٪ ممن تزيد أعمارهم عن 11 عامًا بشكل كامل – لكن أقل من ثلث الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 80 عامًا أو أكثر تلقوا لقاحين فقط، والسبب يرجع إلى اختفاء حافز تلقي التطعيم، بالإضافة إلى فقدان الثقة في السلطات في أعقاب الاضطرابات السياسية في السنوات الأخيرة.

فقد شهدت الصين أعلى نسبة إيمان بنظريات المؤامرة، فمن أصل سبع درجات كحد أقصى، وصل المجيبون في هونغ كونغ إلى ما يقرب من أربعة عندما سئلوا عما إذا كان اللقاح يستخدم لتتبع السكان والسيطرة عليهم، وسيغير الحمض النووي البشري وتم تطويره لكسب المال.

وبظهور أكثر من 20 ألف إصابة جديدة يوميًا، فإن السلطات وجدت صعوبة في التعامل مع التفشي، وقامت بتحويل المدينة خلال الأسابيع الأخيرة من قاعات المعارض والمدارس إلى مراكز للحجر الصحي، وأنشأت المستشفيات المؤقتة.

المزيد من الإغلاق والقيود

A medical worker collecting a swab from a resident at a makeshift testing site inside a residential compound under lockdown in Shanghai on Tuesday.

بعد الإغلاق التام للمدينة، أصبح سكان شنغهاي محبطين بشكل متزايد من القيود والحجر الصحي التعسفي، فقد أفاد كثيرون بصعوبة الحصول على الضروريات الأساسية بما في ذلك الغذاء والدواء، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات صغيرة في المدينة في الأسبوع الماضي، وسرعان ما تم تجاهل الانتقادات الموجهة للإجراءات الصارمة على الإنترنت، حيث كثفت بكين جهود الدعاية لحشد الدعم لسياساتها الخاصة بعدم انتشار فيروس كورونا، والحرص على حياة الإنسان.

وتواصل البلاد نهج “التخليص الديناميكي” الذي يهدف إلى القضاء على متغير Omicron شديد الانتقال، فقد أعلنت المنطقة الاقتصادية بمطار “تشنغتشو”، وهي منطقة تصنيع مركزية في الصين تضم شركة فوكسكون الموردة لشركة أبل، إغلاقًا لمدة 14 يومًا يوم الجمعة “ليتم تعديله وفقًا للوضع الوبائي”.

وفي شمال غرب الصين، حثت مدينة “شيان” السكان على تجنب الرحلات غير الضرورية خارج مجمعاتهم السكنية وشجعت الشركات على جعل الموظفين يعملون من المنزل أو العيش في أماكن عملهم، بعد عشرات الإصابات بفيروس كوفيد هذا الشهر.

تداعيات سياسة ” التطهير الديناميكي” الصينية على اقتصاد البلاد

مستقبل الاقتصاد العالميّ في ظلِّ وباء كورونا | الميادين

مع بدء ارتفاع حالات الإصابة بـ Covid في أواخر فبراير، حاولت شنغهاي السيطرة على تفشي المرض من خلال عمليات إغلاق مستهدفة في الأحياء. لكن المدينة التي تعتبر مركزًا عالميًا للنقل والتصنيع والتمويل والتجارة، قررت في أواخر مارس تنفيذ إغلاق من مرحلتين سرعان ما تم تطبيقه على جميع المناطق، مما أجبر الناس عمومًا على عدم مغادرة شققهم، واتباع سياسة ” التطهير الديناميكي”.

تهدف هذه السياسة إلى احتواء الفاشيات المتفرقة فور حدوثها، وعزل جميع الحالات مركزيًا وعزل المخالطين عن قرب سواء ظهرت عليهم أعراض أم لا، ويراها الحزب الشيوعي على أنها الخيار الأفضل في هذه المرحلة بناء على الوضع الوبائي في الصين، ويروج لها أنها كدليل على أنه يضع حياة الإنسان فوق المخاوف المادية، بخلاف العديد من الديمقراطيات الغربية التي يقول إنها ضحت بالأرواح من خلال فشلها في وقف الفيروس.

 ولكن إذا استمرت الصين في استراتيجية الصفر أو ما يقرب من الصفر من إصابات كوفيد، فقد يكون اقتصاد الصين والمستهلكين العالميين الذين يزودهم، هم الذين سيشعرون بالألم الحقيقي.

وبالنظر إلى ما حدث بسبب القيود وتشددها نجد ما يلي:

  • تضاءل الدعم المحلي لسياسة عدم انتشار فيروس كوفيد في الأسابيع الأخيرة حيث تسببت القيود المرتبطة بالفيروس في نقص الغذاء، والانفصال الأسري، وفقدان الأجور، والألم الاقتصادي.
  • من المرجح أن تتأخر شحنات كثيرة من الشركات، ما سيؤثر على معدل النمو الاقتصادي للبلاد هذا العام.
  • أثرت قيود COVID أيضًا على السفر في جميع أنحاء البلاد، حيث أبلغت شركة الخطوط الجوية الصينية عن انخفاض بنسبة 70 ٪ في حركة المرور في مارس مقارنة بالعام الماضي.
  • قام البنك المركزي الصيني بتخفيض كمية السيولة التي يجب أن تحتفظ بها البنوك كاحتياطيات، بهدف التخفيف من تباطؤ حاد في النمو.
  • هددت شركات كبرى بالصين كشركات السيارات مثلا أنها إن لم تستأنف عملها قريبًا، وتساعدها الحكومة في رفع القيود المفروضة أنها ستضطر إلى وقف الإنتاج.

وعلى إثر هذا، أعلنت الصين يوم الجمعة أنها ستساعد مئات الشركات في القطاعات الرئيسية على استئناف الإنتاج في شنغهاي المغلقة، حيث تحذر الشركات من الخسائر الاقتصادية بسبب القيود المتزايدة، وأكدت وزارة الصناعة والتكنولوجيا أنها ستعمل مع 666 شركة تصنع أشباه الموصلات والسيارات والقطاع الطبي للعودة إلى العمل، وسط تحذيرات من أن “الكابوس” اللوجستي يواجه العديد من الشركات المسموح لها باستئناف الإنتاج، حيث انخفض عدد الشاحنات المتاحة بين 40٪ و50٪، مع قدرة أقل من 30٪ من الموظفين على العودة إلى العمل.

Tesla New Company Hot Sale, 56% OFF | tercesa.com

وأخيراُ، يبقى السؤال هنا، لماذا تصر الصين على الإغلاق بالرغم من جهودها المستمرة في الإعلان عن وفيات قليلة، والتأكيد على نجاح استراتيجية ” صفر كوفيد” السحرية والفعالة؟

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى