تغير المناخأفريقيا

جنوب أفريقيا أحدث ضحية للتغيرات المناخية في أفريقيا

استمرارًا للكوارث المناخية المتطرفة التي تتعرض لها دول القارة الأفريقية مؤخرًا، وفي الوقت الذي لا تزال تعاني فيه جنوب أفريقيا من الآثار الكارثية لانتشار وباء كوفيد-19، ومتحور “أوميكرون”، بالإضافة إلى أعمال الشغب المميتة في يوليو 2021، تلقت البلاد ضربة جديدة، فشهدت خلال الأيام الماضية أسوأ كارثة مناخية مرت بها منذ ستة عقود، حيث بدأ سقوط الأمطار على الساحل الجنوبي لجنوب أفريقيا في 9 أبريل 2022، واستمر هطول الأمطار لعدة أيام، معززًا بالهواء المحمّل بالرطوبة القادم من جنوب المحيط الهندي، وعلى الرغم من توقف الأمطار الغزيرة في 15 أبريل، لكن لا تزال خدمات الطوارئ في جنوب أفريقيا في حالة تأهب قصوى، حيث توقع خبراء الأرصاد المزيد من الأمطار وربما فيضانات إضافية خلال عطلة عيد الفصح.

كارثة داخلية وتأثيرات على دول الجوار

لا تزال آثار الدمار التي تركتها الفيضانات تسيطر على المشهد في جنوب أفريقيا، حيث أثرت الفيضانات والانهيارات الأرضية الناجمة عن هطول الأمطار الغزيرة على المناطق الساحلية في مقاطعة كوازولو ناتال شرق جنوب أفريقيا، وتخطى عدد ضحايا الفيضانات 440 شخصًا، إلى جانب 48 شخصًا ما زالوا في عداد المفقودين، فضلا عن نزوح حوالي 40 ألف شخص، وتدمير 4000 منزل بالكامل، بينما تضرر ما يزيد على 13500 مبنى سكني بشكل جزئي.

ولحقت كذلك أضرار جسيمة بالبنية التحتية العامة، بما في ذلك 600 مدرسة، و66 مرفقًا من مرافق الرعاية الصحية، وكذا غمرت الفيضانات محطات الكهرباء والمياه، مما أدى إلى انقطاع إمدادات المياه والكهرباء عن العديد من المناطق في المقاطعة. وتعطلت الاتصالات، حيث أبلغت شبكتان رئيستان عن تعطل أكثر من 900 من أبراج هواتفهم المحمولة، هذا إلى جانب تشقق الطرق ما أفسح المجال لصدوع عميقة، وانهيار بعض الجسور، مما تسبب في تقطع السبل بالناس، فضلًا عن جرف بعض التماسيح خارج الأنهار.

من جهة أخرى ونظرًا للظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها سكان جنوب أفريقيا، حاول بعض المشاغبين استغلال الظروف المأساوية التي تمر بها البلاد، والقيام بأعمال نهب في ديربان، حيث وردت أنباء عن نهب حاويات الشحن التي جرفتها المياه إلى طريق سريع رئيس بعد هطول الأمطار الغزيرة، وهو ما نددت به الحكومة المحلية.

في غضون ذلك، قدرت حكومة مقاطعة كوازولو ناتال الأضرار التي لحقت بالممتلكات والبنية التحتية بالمليارات من الراند الجنوب أفريقي، لكنها لم تحدد قيمة بعينها، بينما تشير بعض التقديرات إلى وصول الأضرار الإجمالية للبنية التحتية لأكثر من 10 مليارات راند (684.6 مليون دولار).

ونفت الحكومة أن يكون السبب في ارتفاع حصيلة القتلى هو سوء الصرف الصحي؛ إذ أن كمية الأمطار التي شهدتها المنطقة غير مسبوقة، وهو ما تسبب في الخسائر الضخمة التي تعاني منها البلاد، ما اضطر المركز الوطني لإدراة الكوارث إلى تصنيف الأحداث بأنها كارثة إقليمية. وقرر مجلس الوزراء إعلان المنطقة المنكوبة بالفيضانات كمنطقة كوارث، مما سيسمح باستجابة أكثر فاعلية للأزمة، وسيمكن المقاطعة من التقدم بطلب للحصول على تمويل طارئ من الخزانة الوطنية، ويساعد في أعمال إعادة الإعمار اللازمة. وفي ذات السياق، أوضح الرئيس سيريل رامافوزا أن وزير المالية سيتواصل مع البرلمان بشأن إنفاق إضافي يتجاوز المليار راند (93 مليون دولار) كتمويل إغاثة طارئة، والذي قال إنه متاح على الفور.

وفي محاولة لاحتواء الأزمة وتخفيف آثارها، قامت السلطات الوطنية في جنوب أفريقيا بنشر 10 آلاف جندي من فرق الإنقاذ والطوارئ لإجلاء الأشخاص من المناطق الأكثر تضررًا، ونقل المساعدات، وتقديم الدعم الطبي. لا سيما في مدينة ديربان، التي تضم واحدًا من أكبر موانئ الشحن في أفريقيا جنوب الصحراء، ويتعامل ميناء ديربان مع حوالي 60٪ من شحنات جنوب أفريقيا، وينقل البضائع والسلع من وإلى دول في المنطقة حتى شمال جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتعطلت الحركة في الميناء نتيجة الفيضانات، بعد أن غمرت المياه مستودع حاويات شحن، وجرفت مئات الحاويات.

ذلك فضلًا عن الاضرار الجسيمة التي لحقت بطريق بايهيد، الذي يربط ميناء ديربان ببقية البلاد، ويتعامل يوميًا مع 13 ألف مركبة ثقيلة. وحتى بعد استعادة العمل في ميناء ديربان، لا تزال العمليات البرية مقيدة للغاية بسبب الطرق المتضررة. وكذلك خطوط السكك الحديدية في ديربان والمناطق المحيطة بها والتي تأثرت هي الأخرى، وهو ما يشير إلى أن تأثير فيضانات جنوب أفريقيا سيتخطى حدود الدولة إلى دول الجوار التي تعتمد في تجارتها على طرق وموانئ جنوب أفريقيا.

التغيرات المناخية تُفَاقِم الأزمة، وتهدد أفريقيا

على الرغم من كون العواصف في مثل هذا التوقيت من العام في جنوب أفريقيا تعد أمرًا طبيعيًا، إلا أن التغيرات المناخية جعلتها أكثر تطرفًا، ونتائجها أشد كارثية؛ فقد حذر العلماء في دراسة حديثة أجرتها مجموعة World Weather Attribution، من أن التغير المناخي يتسبب في هطول أمطار أكثر غزارة من المعتاد في جنوب أفريقيا، وكانت كمية الأمطار التي سقطت يوم الاثنين 11 ابريل تساوي حوالي 75٪ من متوسط ​​هطول الأمطار السنوي في جنوب أفريقيا، وبالتالي كان من الطبيعي أن تؤدي إلى حدوث الفيضانات. 

ويذكر أن فيضانات جنوب أفريقيا ليست استثناءً في القارة الأفريقية التي تعاني دولها من تأثير التغيرات المناخية، حيث تأتي هذه الكارثة عقب موجات مناخية متطرفة مشابهة، بين أعاصير وفيضانات وجفاف حاد، كانت قد ضربت العديد من الدول الأفريقية خلال الشهور القليلة الماضية؛ ففي بداية عام 2022، تعرضت المنطقة لثلاثة أعاصير وعاصفتين استوائيتين، وبدأت العواصف المدمرة في يناير عندما تسببت العاصفة “آنا” في أضرار واسعة النطاق في مدغشقر وموزمبيق ومالاوي، وقُتل العشرات وانقطعت المساعدات عن عشرات الآلاف بعد أن جرفت المياه الطرق والجسور. وفي المجمل، تضرر أكثر من مليون شخص من جراء هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات في المنطقة، مع الإبلاغ عن 230 حالة وفاة وفقًا لإحصاء الطقس العالمي (WWA).

بالإضافة إلى ذلك، أدى التوزيع السيئ لهطول الأمطار الموسمية إلى جفاف حاد عبر أجزاء من جنوب موزمبيق وزيمبابوي وزامبيا وبوتسوانا وناميبيا، إلى جانب موجة الجفاف غير الطبيعية التي ضربت منطقة القرن الأفريقي وأصابت كلًا من إثيوبيا وكينيا والصومال.

ومع ارتفاع درجات حرارة الأرض، ستصبح نوبات الأمطار الغزيرة ونوبات الجفاف الحاد أكثر شيوعًا وأشد قسوة، خاصة على دول القارة الأفريقية، صاحبة أقل نصيب من انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، إذ لا تتجاوز 3.8%، ولكنها في المقابل تحصد أكبر نصيب من الأضرار، وهو أمر غير عادل، حيث يتحمل الأشخاص الأقل مسؤولية عن تغير المناخ العبء الأكبر من الآثار، في ظل نقص الموارد المالية والإمكانات الذي تعاني منه هذه الدول.

“تمويل المناخ” العقبة الأكبر

كانت فيضانات جنوب أفريقيا مثالًا للكوارث المناخية المتكررة في أفريقيا، والتي تُجدد المخاوف بشأن وفاء الدول الغنية بالتزاماتها وزيادة التمويل الذي تشتد الحاجة إليه للتكيف مع التداعيات الناجمة عن هذه التغيرات، ولتعويض ضحايا الأحداث المتطرفة الناتجة عن تغير المناخ. ففي عام 2009، تعهدت الدول الغنية بالتبرع للدول الفقيرة بمبلغ 100 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2020، لمساعدتها على التكيف مع التغيرات المناخية، لكنها فشلت في الالتزام بتعهداتها. ولم يتم الوفاء إلا بـ 80 مليار دولار فقط، كان نصيب أفريقيا من هذا المبلغ حوالي 20 مليار دولار فقط خلال الفترة من عام 2016 حتى عام 2019.

وفي هذا السياق، تحتاج القارة الأفريقية إلى حوالي 2 تريليون دولار لتنفيذ الخطط الخاصة بمواجهة ظاهرة التغير المناخي، بالاضافة إلى 1.2 تريليون دولار لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة بحلول 2030، وفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. بينما تحتاج دول أفريقيا جنوب الصحراء إلى إنفاق من 30 إلى 50 مليار دولار سنويًا على التكيف مع تغير المناخ، لتجنب العواقب الوخيمة.

وفي ظل تهرب الدول الغنية من التزاماتها، لن تكون القارة الأفريقية قادرة على الصمود، وهو ما يضاعف من التوقعات السلبية المحتملة للتغيرات المناخية على القارة؛ إذ أفاد تقرير حالة المناخ في أفريقيا الصادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية في أكتوبر 2021 أن تغير المناخ سيقلل الناتج المحلي الإجمالي لأفريقيا بنحو 3% بحلول عام 2050، وأن 118 مليون أفريقي يواجهون بالفعل الفيضانات والجفاف. ومع ذلك، يظل أمام الدول الأفريقية فرصة سانحة للضغط على الدول الغنية للوفاء بالتزاماتها في مؤتمر المناخ cop 27 المنتظر عقده في مصر نوفمبر 2022.

وبالعودة إلى جنوب أفريقيا، فعلى الرغم من انضمامها إلى تعهدات دولية بشأن التحول الأخضر وتقليل استخدام الفحم، لخفض الانبعاثات الحرارية، تضمن توفير تمويل يزيد عن 130 مليار دولار، فقد تكون هذه الكارثة بمثابة درس عملي لما يمكن أن تتسبب فيه التغيرات المناخية من أضرار جسيمة، وهو ما يعطي فرصة لحكومة جنوب أفريقيا لإعادة حساباتها حول احتياجاتها الحقيقية من التمويل لمواجهة تغير المناخ، وأن الامر يتخطى مجرد التحول الأخضر، إلى كوارث حقيقية وخسائر ستحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات لإعادة تأهيلها، ما يشكل ضغطًا على اقتصاد جنوب أفريقيا الذي يعاني الصدمات المتلاحقة، ويفاقم من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لسكانها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى