أوروبا

ملاذ بديل.. لماذا وقعت بريطانيا اتفاقًا لنقل المهاجرين وطالبي اللجوء إلى رواندا؟

فاجأت المملكة المتحدة الجميع في 14 أبريل الجاري -كما اعتادت- بخبر توقيعها اتفاقًا مع رواندا لنقل اللاجئين من المملكة المتحدة، لحين النظر في طلبات لجوئهم والبت فيها، في محاولة لضبط الهجرة غير الشرعية القادمة من فرنسا. وهو الخبر الذي عدّه الكثيرون منافيًا للمعايير الدولية المنظمة للجوء والهجرة، وخطوة غير أخلاقية من جانب الحكومة البريطانية. 

تفاصيل الاتفاق

لقد أبرمت المملكة المتحدة الاتفاق مع رواندا لاستقبال طالبي لجوء ومهاجرين في المملكة المتحدة، في إطار محاولات الحكومة البريطانية ضبط الهجرة غير الشرعية. وتعهدت المملكة المتحدة بتمويل يصل إلى 157 مليون دولار (120 مليون جنيه إسترليني) كتمويل للعملية. ووفقًا للاتفاقية، سيحصل الأشخاص الذين يُرسلون إلى رواندا على الإقامة والدعم، وسيكونون أحرارًا في الخروج من أماكن إقامتهم في جميع الأوقات.

وقال رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون”، إن من شأن الصفقة التي عقدت بين بلاده ورواندا بقيمة 120 مليون جنيه إسترليني أن “تنقذ أرواحًا لا تعد ولا تحصى” من ضحايا مهربي البشر. وفي خطاب ألقاه في مدينة كينت، قال “جونسون” إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء لمنع “مهربي البشر الأشرار” من تحويل القنال الإنجليزي إلى “مقبرة بحرية”، مضيفًا أن الخطة “الإنسانية والرحيمة” أُعدّت للقضاء على هذا النشاط.

وأردف “جونسون” قائلًا بأن: “رواندا ستكون قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من الأشخاص في السنوات القادمة”، مشيرًا إلى أن الدولة الواقعة في شرق إفريقيا هي “واحدة من أكثر البلدان أمانًا في العالم ومعترف بها لسجلها في الترحيب بالمهاجرين واندماجهم”. وهو التعليق الذي يتنافى مع انتقاد المملكة المتحدة رواندا بسبب اختراقها لحقوق الانسان من عدة أشهر سابقة، هذا الانتقاد الذي جاء على لسان “ريتا فرينش”، السفيرة الدولية للمملكة المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، في شهر يوليو 2021.

أبرز ردود الأفعال

قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن اقتراح الحكومة البريطانية إرسال مهاجرين وصلوا البلاد بشكل غير قانوني إلى رواندا “أمر غير مقبول” وانتهاك للقانون الدولي، وفقًا لوكالة الأنباء الألمانية. وقال الرئيس التنفيذي لمجلس اللاجئين “إنفر سولومون” إن ذلك لن يفعل شيئا يُذكر لردع الأشخاص اليائسين، و”سيؤدي فقط إلى المزيد من المعاناة الإنسانية”. 

وأشار زعيم حزب العمال السير “كير ستارمر” إلى أن “جونسون” يحاول صرف انتباه البلاد عن فضيحة حضوره تجمعًا للاحتفال بعيد ميلاده في الوقت الذي كانت تفرض فيه حكومته الإغلاق العام في البلاد، بمخطط “غير عملي وغير أخلاقي وابتزازي”. وقال حزب “الديمقراطيون الليبراليون” إن الحكومة “تغلق الباب” في وجه اللاجئين.

وكذلك فقد دعت أكثر من 160 جمعية خيرية الحكومة إلى إلغاء الخطة، ووصفتها في رسالة مفتوحة بأنها “قاسية بشكل مخجل”. علاوة على ذلك، فقد اضطرت وزيرة الداخلية “بريتي باتيل” إلى إصدار “توجيه وزاري” نادر لتمرير الخطة، وهو ما يعني أنها تتحمل المسؤولية عنها. وهذه هي المرة الثانية التي تستخدم فيها الوزارة هذه الصلاحية خلال 30 عامًا. وقد قامت بذلك نظرًا لرفض عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية بالوزارة القرار، وبهذا سيكون خيارهم إما مواكبة القرار أو ترك وزارة الداخلية. 

نهج صادم ولكنه قديم

علّق الكثيرون عند استقبالهم لبنود الاتفاق، بأنها خطوة غير مسبوقة دوليًا. ولكن للأسف فإن هذا النهج اتبعته عدة دول، ويبدو أن هناك الكثيرين يمهدون لانتهاجه. فنجد أنه قد سبق لرواندا استقبال مهاجرين غير شرعيين ولاجئين سودانيين وإريتريين من إسرائيل عام 2014. وفي عام 2021، أعلن رئيس الوزراء “ميت فريدريكسن” أن الدنمارك توصلت إلى اتفاق مع رواندا؛ لاستقبال جميع طالبي اللجوء تقريبًا مقابل المزيد من مساعدات التنمية، والتمثيل الدبلوماسي الأقوى، وبرامج التبادل. 

هذا وقد فتحت المفوضية الأوروبية عبر “ميثاقها الجديد للهجرة” الباب أمام مثل هذه المبادرة، حيث أسقط حصص استقبال اللاجئين على الدول، جاعلة ذلك اختياريًا بالنسبة للحكومة التي يمكن أن تعوضه بتمويل مراكز استقبال وإيواء لطالبي اللجوء خارج أراضيها.

وترجع كل تلك المبادرات إلى الحكومة الأسترالية التي نفذت برامج أسمتها “حل المحيط الهادئ” لنقل اللاجئين إلى مراكز احتجاز بدول صغيرة وجزر بالمحيط الهادئ كبابوا غينيا الجديدة، قبل عشرين عامًا. ولهذا لا يصبح من الغريب أن نجد أن “ألكسندر داونر” وزير الخارجية الأسترالي السابق في الحكومة الأسترالية التي عملت على مثل تلك البرامج، أصبح مؤخرًا أحد مستشاري “باتيل”.

لماذا الآن؟

خلال العام الماضي، عبر 28,526 شخصًا القنال الإنجليزي إلى بريطانيا من فرنسا، مقابل 8,404 أشخاص في عام 2020. ووفقًا لإحصاءات وزارة الداخلية، فإن حوالي 90% من المهاجرين غير الشرعيين الذين وصلوا على متن قوارب صغيرة عبر القناة العام الماضي كانوا من الذكور، ويُعتقد أن غالبية هؤلاء كانوا غير متزوجين. وبهذا فمن يحاولون الوصول إلى المملكة المتحدة عبر هذا الطريق هم أكثر عرضة لأن يكونوا مهاجرين لأسباب اقتصادية.

لذا، تهدف وزارة الداخلية إلى تثبيط وصول الوافدين، والذي بلغ ذروته عند حوالي 600 شخص يوميًا، ولكن قال “جونسون” إنه يمكن أن يصل إلى 1000، من خلال جعل هذا الطريق عبر الاتفاق غير قابل للتطبيق وغير جذاب، والإصرار على أن طالبي اللجوء يجب أن يتقدموا بطلب الحماية في أول بلد آمن يدخلونه، هذا يعني أن معظمهم سيضطر إلى البقاء في أوروبا القارية.

ولهذا، فإن الوصول إلى هذا الاتفاق، يُمكن اعتباره التفافًا على الضغوط الفرنسية على الحكومة البريطانية. حيث تزايدت تلك المناوشات بين البلدين منذ عملية الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. وكان أبرزها وقت تبادل الاتهامات بين البلدين بعد حادثة الغرق لما يقرب من 27 مهاجرًا، في نهاية نوفمبر الماضي بالقنال الإنجليزي.

فقد صرّح على إثر تلك الحادثة وزير الداخلية الفرنسي “جيرالد دارمانين”، بأن سوء إدارة الهجرة يجعل المملكة المتحدة “جذابة للغاية” للمهاجرين. وأضاف: “الجميع يعلم أن هناك أكثر من مليون مهاجر غير شرعي في المملكة المتحدة وأن أصحاب العمل الإنجليز يستخدمون هذه القوة العاملة”. وادّعى كذلك أن بلاده تُعامل مثل “كيس ملاكمة” من قبل حكومة المملكة المتحدة التي فشلت في فرز سوق العمل غير المنظم.

وكذلك فقد رفض رئيس الوزراء الفرنسي “جان كاستيكس” في ديسمبر الماضي، رسميًا فكرة اقترحها رئيس الوزراء البريطاني بقيام قوات الأمن البريطانية بدوريات على الساحل الفرنسي لمنع وصول الزوارق إلى المياه. وكتب كاستيكس “لا يمكننا قبول … قيام الشرطة أو الجنود البريطانيين بدوريات على سواحلنا. إنها مسألة سيادة وأنا أعلم حساسية حكومتك تجاه احترام سيادة الآخرين”.

وقد اتّهم أحد الصحفيين البريطانيين الحكومة الفرنسية بتساهلها المتعمد في مراقبة السواحل الفرنسية بمقال له بمنتصف نوفمبر الماضي بجريدةthe sepctator  البريطانية المحافظة. وأرجع ذلك إلى رغبة الرئيس الفرنسي “ماكرون” ترحيل مشكلة الهجرة غير الشرعية للمملكة المتحدة.

حلقة جديدة في سلسلة التشدد البريطاني

بالرغم من أنه يمكن أن يتم إرجاع توقيع الاتفاق بالوقت الحالي كوسيلة للالتفاف على الضغوط الفرنسية، وسبيل لمواجهة الهجرة المتزايدة. ولكن يُعد هذا التفسير منقوصًا؛ نظرًا لأن هذا الاتفاق لا يُعد الأول في سلسلة التشدد البريطاني أمام تسهيل الهجرة واستقبال اللاجئين. فعلي سبيل المثال لا الحصر:

  • كانت المملكة المتحدة على رأس الدول التي عملت على نزع الجنسية عن مواطنيها الذين انضموا لداعش. ورفضت كذلك اقتراح الرئيس “ترامب” في فبراير 2019 باستقبال الدول الأوروبية لمواطنيها الذين انضموا إلى داعش.
  • ونجد أن الحكومة تعمل حاليًا على المراحل النهائية لتمرير قانون جديد للجنسية وحماية الحدود، والذي يقول النقاد إنه يعاقب اللاجئين الذين يسعون إلى الحصول على اللجوء في المملكة المتحدة. فالذين يتم العثور عليهم بشكل غير قانوني قد يواجهون ما يصل إلى أربع سنوات من السجن بموجب الإجراءات الجديدة. وأيضًا بموجب قانون الجنسية وحماية الحدود، سيكون للحكومة البريطانية الحق في سحب الجنسية من شخص ما دون إخباره، في حال كان يشكل خطرًا كبيرًا على المملكة المتحدة.
  • وعلى عكس السواد الأعظم من الدول الأوروبية التي قدمت تسهيلات غير مسبوقة لاستقبال اللاجئين الأوكرانيين الفارين من الغزو الروسي. فقد تم تقديم حوالي 28500 تأشيرة فقط، وصل منها 10800 شخص بحلول 5 أبريل. واعتبارًا من 7 أبريل، تلقت الحكومة ما يقرب من 80 ألف طلب تأشيرة لكلا البرنامجين ولكنها منحت 40900 فقط. وقد رفضت الحكومة فتح المجال للاجئين وأعلنت استقبالهم بالأساس لأشخاص ذوي الصلة المباشرة بالأوكرانيين المقيمين بالمملكة المتحدة. وأصرت كذلك على معالجة طلبات اللجوء في فرنسا.

ما المُحرك لهذا النهج إذًا؟

حال سعينا إلى تتبع تلك القرارات المتلاحقة والتي تتسم بعدم المرونة والتشدد، سنجد أنها تقف وراءها وزيرة الداخلية “بريتي باتيل ” والتي تولت هذا المنصب منذ 2019. وبالرغم من أنها مولودة لأبوين هاربين من أوغندا بسبب القمع في الستينيات للمملكة المتحدة. إلا أنها اتخذت منذ انخرطت في العمل السياسي مثل هذا النهج المتشدد، وقد اعتبر الكثيرون أنها تعكس طبيعة دائرتها المحافظة وناخبيها من المهاجرين الذين يريدون الحفاظ على مزايا وجودهم دون انتقاصها من أطراف خارجية، مع مزيج لقيم اجتماعية محافظة. 

ولهذا فقد كرّست وقتها منذ تقلدها لمنصب وزيرة للداخلية لأمرين: أولهما، إدخال نظام قائم على النقاط يهدف إلى تقليل العدد الإجمالي للمهاجرين مع منح المملكة المتحدة إمكانية الوصول إلى “الأفضل والأكثر ذكاءً”؛ وثانيهم، صد أولئك الذين يحاولون الوصول إلى المملكة المتحدة بوسائل غير شرعية. 

ختامًا، يمكننا القول إن مثل هذا الاتفاق يتوافق وطبيعة وزيرة الداخلية البريطانية “بريتي باتيل”. وبالرغم من عدم الشعبية التي تتسم بها قرارتها ومنها تباطؤها في معالجة ملف اللاجئين الأوكرانيين، وتوقيعها لمثل هذا الاتفاق المجحف. إلا أن ملف الهجرة الذي كان أحد الدوافع الرئيسة للبريكست، واحتمالية تنامي شعور عدم الترحاب من قبل البريطانيين للاجئين الأوكرانيين حال ما بدأوا في الضغط على المنظومة الصحية والتعليمية لهم في ظل الضغوط المنتظرة على الأسر البريطانية بسبب تداعيات فيروس كورونا ثم الحرب الروسية، وأخيرًا مع اتجاه أوروبي عام يُمهد لهذا التشدد في ملف الهجرة، كل تلك الدوافع مجتمعة قد تسهّل قبول الرأي العام البريطاني لتحركاتها وسياساتها على المدى الأبعد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى