العراق

الثلث المعطل: بدعة سياسية توظفها إيران لحماية مصالحها من لبنان إلى العراق

تسود العراق حاليًا حالة من القلق السياسي مخافة من سقوط البلاد في دوامة الفراغ الدستوري بعد الفشل في تسمية رئيس الجمهورية العراقية حتى الآن، وذلك بعد أن انقضت أضعاف المدة التي يمنحها دستور العراق لانتخاب رئيس خلال 30 يومًا من جلسة التصويت على اختيار رئيس البرلمان، والتي تمت في التاسع من يناير الماضي بانتخاب محمد الحلبوسي رئيسًا للبرلمان.

محطات

في السابع من فبراير الماضي كان البرلمان العراقي قد حدد جلسة خاصة لانتخاب رئيس البلاد، إلا أن زعيم التيار الصدرية “مقتدى الصدر” قاطع الجلسة البرلمانية وتم تجميد التفاوض مع الكتل السياسية الأخرى. وعقب ذلك قررت المحكمة الاتحادية العراقية ما وصفه البعض بالورطة السياسية حيث اشترطت ضرورة حضور ثلثي أعضاء البرلمان، بمعنى آخر فإن اختيار رئيس الجمهورية لن يتم إلا بشكل توافقي، في الوقت الذي لا يمتلك فيه لا التيار الصدري ولا الإطار التنسيقي للقوى الشيعية أغلبية الثلثين المطلوبة، وهو ما يشكل معضلة حقيقية بالنظر إلى حجم الخلافات التي تضرب في العمق بين الصدر والإطار التنسيقي.

مع الأخذ بالحسبان أن التيار الصدري بعد تحالفه مع كتل مثل “عزم” و”تقدم” والتحالف الديمقراطي الكردستاني يشكل عائقًا أمام التصويت على اختيار رئيس الجمهورية في حال قرروا الاجتماع على مقاطعة جلسات انتخاب الرئيس، وذلك لأن نصاب الجلسة القانوني يستلزم وجود 210 نواب من إجمالي عدد مقاعد يصل إلى 329.

وتلا ذلك أن الإطار التنسيقي عمد إلى اللعب باللغم الإيراني وطرح ورقة الثلث المعطل، مما دفع بمقتدى الصدر إلى إلقاء الكرة في ملعب الطرف الآخر للخروج باتفاق. ومع الاعتبار لعدم وجود توافق حول تسمية الرئيس حتى الآن بين المرشحين الأبرز الرئيس الحالي برهم صالح مرشح حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ووزير داخلية إقليم كردستان ريبر أحمد مرشح الحزب الديمقراطي الكردستاني –بعد استبعاد وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري لتهم تتعلق بالفساد- فإن البلاد مرشحة للدخول في حالة من الفراغ الدستوري.

انعكاسات

تنذر هذه الحالة من عدم التوافق وتوظيف ورقة الثلث المعطل من قبل خصوم التيار الصدري في الإطار التنسيقي بخلق حالة من الشلل الكامل للبرلمان العراقي، ولذلك فإنه في أحسن الظروف لن يصوت البرلمان العراقي على انتخاب رئيس الجمهورية إلا بحضور 219 نائبًا والذين يشكلون ثلثي مقاعد مجلس النواب.

وإذا اكتمل النصاب وتمت عملية التصويت ولم يستطع أحد المرشحين الحصول على أغلبية الثلثين في الجولة الأولى فإنه خلال الجولة الثانية يفوز منهما من يستطيع الحصول على الأغلبية البسيطة، وإن كانت بفرق صوت واحد. هذا مع الأخذ بالحسبان أن نواب الإطار التنسيقي يبلغ عددهم 75 نائبًا، مما يعني أن لديهم القدرة على تعطيل اكتمال النصاب القانوني إذا ما اشترك معهم 29 آخرون في التغيب عن جلسة انتخاب الرئيس.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\22208Image1-1180x677_d.jpg

وكل ما تقدم يلقي ببغداد مباشرة للانزلاق إلى فخ الـ”لبننة” – وبتعبير شارح فإن عملية تثبيت الطائفية على الرئاسات الثلاث في العراق إضافة إلى مبدأ ثنائية السلاح والسياسية “والتي لم تهتز إلا بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الأخيرة حيث تراجعت الأحزاب ذات الولاءات الإيرانية” تعني أنه لا يتبقى لاستنساخ التجربة اللبنانية في العراق سوى الدفع بالبلاد إلى فراغ دستوري مغلف بورقة “الثلث المعطل” أو الثلث الضامن كما يحلو للبنانيين أن يسموه منذ اتفاق الدوحة في 2008. وقد طالبت المعارضة اللبنانية بالثلث الضامن بعد اتفاق الدوحة للتأكد من أنه لا يتم اتخاذ قرارات مهمة في البلاد بأغلبية الثلثين فقط مع تحييد المعارضة.

ويسمى بالثلث الضامن لأنه من المفترض أن يضمن حقوق المكون الشيعي الذي يشكل الأغلبية المكوناتية بالأساس في العراق، ولكنه حتى الآن لا يزال يتبنى حالة من الإنكار حيال تراجع أسهمه في انتخابات أكتوبر الماضي، وحقيقة خسارته لـ 45 مقعدًا لصالح تيارات أخرى ولصالح مستقلين، ولذلك فقد بات الإلقاء بورقة الثلث المعطل خيارًا استراتيجيًا لقوى الإطار التنسيقي قبل إتمام سحب البساط. وتكمن الخطورة هنا في إمكانية استخدام هذا المصطلح الفضفاض بوصفه أحد وسائل المناورات السياسية وإضاعة الوقت، بدلًا من توظيفه كأداة للتوافق أو الحل. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\خطاب القسم.jpg

وعلاوة على ذلك، ينتج عن توظيفه تطبيق نظرية “الكل في السلطة والكل في المعارضة” وهي المسؤول الأساسي عن إنتاج أنظمة مشوهة غير خاضعة للمساءلة أو المحاسبية، وهو الأمر الذي حدا بمقتدى الصدر للرغبة في تشكيل حكومة أغلبية وليس حكومة توافقية، وهو ما يبدو بعيد المنال حتى الآن. ومن هنا فإن كان الحل الوحيد للوصول إلى خروج الحكومة للنور هو الإطار التوافقي، فإن هذا يعني غياب المعارضة بشكل كامل، ولا شك أن وجود المعارضة داخل الأنظمة البرلمانية عامل أساسي في إضفاء الصبغة الديمقراطية عليها.

مضامين فارغة

غير ذلك، فإن الصيغة الحالية لتوظيف ورقة الثلث المعطل أو الضامن تفرغها من مضمونها وهدفها الأساسي في أن يكون هناك جزءًا داخل البرلمان لمعارضة الحكومة، ولكن بدلًا من ذلك سيتم استخدامه كضامن لتشكيل حكومة توافقية وليس حكومة أغلبية وتغييب تام لدور المعارضة. وإضافة إلى ما تقدم فإن ما يجمع بين القوى الموجودة في خانة الثلث المعطل هو حالة من التوافق الهش المبني على الرغبة في المشاركة في الحكومة العراقية القادمة.

وكما كان الثلث المعطل حجر عثرة أمام التجربة الديمقراطية في لبنان، فهو يشكل عقبة أمام تجربة النظام الديمقراطي في العراق بعد أن تحول إلى أحد أقوى الأدوات للوصول إلى السلطة وتقاسم النفوذ وليس لتمكين الأقليات أو ضمان حقوقها السياسية.

ومن هنا تطرح الأوساط السياسية العراقية تساؤلًا حول ما إذا كان خيار الثلث المعطل بالنسبة للإطار التنسيقي خيارًا استراتيجيًا أم مرحليًا يتوافق مع مقتضيات المرحلة، خصوصًا بعد أن قاطع نواب الإطار التنسيقي الجلستين الأخيرتين للبرلمان العراقي في محاولة للضغط على التكتلات الأخرى للانضمام إليهم- حيث نجح تحالف دولة القانون برئاسة المالكي وتحالف الفتح بزعامة هادي العامري في تشكيل تحالف وتعطيل جلسة البرلمان مرتين متتاليتين.

وفي هذا الإطار تؤكد القيادات في الإطار التنسيقي أن ورقة الثلث المعطل هي خيار مرحلي وليس خيارًا استراتيجي؛ بمعنى آخر فإنه سيتم استخدامها عند الحاجة للتأكد من أنه لا يتم تحييد بعض الفصائل المهمة. مبررين موقفهم بأن تكنيك الثلث المعطل يستخدم في العديد من الديمقراطيات عند استشعار التعدي على حقوق الأقليات، وليس شرطًا هنا أن تكون أقليات مكوناتية. 

وينبغي علينا التأكيد هنا أن الإطار التنسيقي غير قادر على تعطيل جلسات البرلمان منفردًا، وإنما يحتاج إلى انضمام قوى أخرى مثل تحالف عزم أو الكتل النيابية الصغيرة التي تقع الآن تحت ضغط كبير سواء من قبل التيار الصدري أو نوري المالكي لدعم الاتجاه الذي يكرسون له.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\1610897012873.jpg

إجمالاً؛ فإن الذهاب نحو تشكيل حكومة أغلبية يبقى الخيار الأفضل بالنسبة للعراقيين الآن؛ وذلك للخلاص من الدوامة السياسية التوافقية التي نتجت عنها الأوضاع الحالية في العراق، ولكن تسيير الأمور بسلاسة يحتاج إلى نوع من الوعي السياسي بأن مستقبل البلاد بشكل عام لا يتحمل انعكاسات نموذج الثلث المعطل الذي من الممكن أن يتحول إلى تكتيك يستخدم لمعارضة وتعطيل أي قرار لا يتماشى مع مصالحه، بمعنى أكثر وضوحًا فهو يتيح للأقلية الممثلة في البرلمان أن تمنع رأي الأغلبية في انقلاب على أسس النظام الديمقراطي وتعطيل للحياة السياسية بشكل مفرط في مدته، يؤدي في نهاية الأمر إلى أن يفقد الشعب العراقي ثقته بالعملية الانتخابية وقدرة النظام السياسي في البلاد؛ لأن استمرار حالة الانسداد السياسي ربما يؤدي إلى حل البرلمان، ومن ثم الدعوة لانتخابات مبكرة مجددًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى