مكافحة الإرهاب

“حُرّةُ الهند”.. دلالات ورسائل الظهور الإعلامي الأخير لزعيم القاعدة

نشرت مؤسسة السحاب الإعلامية – الذراع الإعلامية لتنظيم القاعدة – في 5 أبريل الجاري، مقطعًا مرئيًا لزعيم التنظيم “أيمن الظواهري” بعنوان “حُرّة الهند”، واستمر الخطاب نحو 8.43 دقيقة، تحدّث فيه “الظواهري” عن محاربة الحجاب في ولاية كاراناتكا الهندية، وأشاد بالفتاة الجامعية التي تصدّت لمجموعة من الطلاب المعارضين للحجاب في كليتها في أوائل فبراير الماضي، قائلًا ” جزاها الله على فضح حقيقة الهند الهندوسية وخداع ديمقراطيتها الوثنية، والتي، في البداية، لم تكن أكثر من مجرد أداة لقمع المسلمين”، وأضاف مخاطبًا مسلمي شبه القارة الهندية، أنهم يجب أن يدركوا أنه في العالم الحقيقي لا يوجد شيء مثل حقوق الإنسان أو احترام الدستور أو القانون”، ليرسل بذلك رسالة تفيد قطعًا بأنه لايزال على قيد الحياة، بعد انتشار تكهنات وفاته بشكل كبير، إثر اختفاء أي مؤشرات منذ العام الماضي، تدل على أنه لا يزال حيًا. وفي هذا الصدد، يناقش هذا المقال أبرز الدلالات التي يمكن استنباطها من الظهور الأخير للظواهري.

دلالات عديدة

ينطوي الظهور الأخير للظواهري على جمله من الدلالات، لا سيما وأن خطابه جاء منسلخًا بشكل كبير عن الواقع الحالي للتنظيم، أو أي من الأحداث والوقائع الكبرى التي يشهدها العالم في الوقت الراهن، وفيما يلي أبرز هذه الدلالات:

• تبديد شائعة وفاته: يدحض الظهور الإعلامي الأخير للظواهري الأنباء والتكهنات الاستخباراتية التي انتشرت حول وفاته العام الماضي، ويُستدل منه على أن الزعيم الثاني للتنظيم بعد “أسامة بن لادن” لايزال على قيد الحياة، بل ويتمتع بصحة جيدة، وذلك بعد أن أُثيرت العديد من الشكوك حول وضعة الصحي، وما إذا كان هناك تكتيم مُتعمد من قبل التنظيم حول حقيقة وفاته أو بقاءه حيًا، لاسيما بعد الخطاب المُعنون بـ “القدس لن تهود” الصادر في ذكرى هجمات 11 سبتمبر العام الماضي، والذي عزز من فرضية وفاته، حيث انطوت كلمة “الظواهري” في هذا الإصدار على أحداث قديمة جرت أواخر عام 2020، في حين خلت من الإشارة إلى أية أحداث جديدة إبان هذه الفترة، والتي كان من أبرزها وصول حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان في منتصف أغسطس 2021.

• الهند موضع اهتمام التنظيم: لعبت الهند لسنوات عديدة، دورًا بارزًا في تصريحات “الظواهري” أكثر مما لعبته في تصريحات قادة القاعدة الآخرين، على سبيل المثال دعا “الظواهري” في كتاب أصدره في عام 2001 المسلمين إلى أداء “واجب ديني حرمته الأمة منذ زمن طويل، من خلال القتال في أفغانستان وكشمير والبوسنة والهرسك والشيشان”. وفي عام 2014، صدر فيديو آخر للظواهري، أعلن فيه عن تشكيل “قاعدة الجهاد في شبه القارة الهندية” وقال إنها رسالة مفادها أن القاعدة لم تنس إخوانها المسلمين في الهند، وأضاف أن “الجهاديين سوف يكسرون حدود الهند البريطانية، وطلب من المسلمين في شبه القارة الهندية أن يتحدوا”.

وتُظهر الحفاوة التي أبداها الظواهري بالفتاة الهندية في خطابة الأخير، انصباب اهتمام التنظيم بشكل كبير على الجغرافيا الهندية واحتمالية تنامي نشاطه في الفترة المقبلة، مُستغلًا في ذلك انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من أفغانستان، وإيجاد حرية حركة في هذه المنطقة في كنف حركة طالبان، وكذا تداعيات الحرب الأوكرانية على جهود مكافحة الإرهاب والتي ستعزز بطبيعة الحال من نشاط الجماعات الإرهابية على المديين المنظور والبعيد. وهو ما يثير قلق المؤسسة الأمنية في الهند، حيث أكد مسؤول كبير بالبلاد في حديثة إلى ” The Indian Express” أن “فيديو الظواهري الجديد يُثبت أن القاعدة تراقب الهند كأرضية جادة للتجنيد وقد تستخدم مواردها لنفس الغرض”.

ويُعزز من الطرح السابق، قيام فرع القاعدة في شبة القارة الهندية في أعقاب اتفاق الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان (فبراير 2020) بالإشارة إلى خطط التنظيم للتركيز على كشمير والهند في إصدار خاص من مجلته التي قام بتغيير اسمها من “صوت الجهاد الأفغاني” إلى “صوت غزوة الهند”، الأمر الذي يشي بأن التنظيم سيركز طاقاته على هذه المنطقة، بعد انسحاب الولايات المتحدة”. ولعل الوجه الآخر الأكثر خطورة في هذا الأمر يكمن في احتمالية ارتفاع أعمال العنف التي قد تلحق بمسلمي الهند، حال استغلّ المتطرفين الهندوس دعوة “الظواهري” الأخيرة لتبرير تطرفهم.

• إثارة شبح وجود القاعدة في أفغانستان: يثير الظهور الجديد للظواهري الشكوك حول وجود تنظيم القاعدة في أفغانستان، ويُعزز من مخاوف التزام حركة طالبان أمام المجتمع الدولي بمحاربة الجماعات الإرهابية، والحيلولة دون تحوّل أفغانستان إلى معقلًا تستخدمه هذه الجماعات في ممارسة نشاطها. ويعزز من هذا الطرح جمله من المؤشرات: أولها، إفادة بعض التقارير الاستخباراتية الأمريكية بوجود “الظواهري” في مقاطعتي كونار وبدخشان شمال غرب أفغانستان على الحدود مع باكستان، وهي المنطقة التي لطالما وجدت فيها العناصر الإرهابية ملاذًا آمنًا على مر السنين. ثانيها، عدم إشارة “الظواهري” في خطاباته إلى سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان، وهو التجاهل الذي وصفه بعض المحللين بأنه دلاله واضحة على سعي التنظيم إلى الحفاظ على علاقته التاريخية مع الحركة التي وفرّت عودة إمارتها للحكم ملاذًا ماديًا ومعنويًا لمقاتلي القاعدة. ثالثها، تتابع العديد من التقارير الاستخباراتية في أعقاب سقوط أفغانستان في قبضة طالبان، والتي أفادت بأن الأخيرة مازال لديها علاقات وطيدة مع تنظيم القاعدة، ومن ذلك، كشف تقرير رسمي صادر عن وزارة الخارجية الأفغانية في الحكومة السابقة نقلًا عن جهاز الاستخبارات في أغسطس 2021، عن وجود ما لا يقل على 30 مقاتلًا من القاعدة في منطقة بهرامجه بولاية هلمند جنوب أفغانستان، ولفت إلى وجود علاقة وثيقة بين التنظيم وشبكة حقاني التابعة لطالبان، والتي عقدت اجتماعات متعددة جمعت قياداتها بقيادات القاعدة وطالبان من أجل بحث الدعم المالي والعسكري لمقاتلي القاعدة، ومن ثمّ إعادة إمكانية السيطرة على مناطق استراتيجية داخل أفغانستان بغية توفير ملاذ آمن للتنظيم وقياداته.

وعطفًا على المُعطيات السابقة، ربما يمثل مقطع الفيديو الأخير للظواهري صُداعًا لحركة طالبان التي لا تنفك تبحث عن ثقة واعتراف المجتمع الدولي بحكمها في أفغانستان، من خلال تعهدها بمحاربة الجماعات الإرهابية وتصدير نفسها على أنها باتت أكثر انفتاحًا على المجتمع الدولي.  وفي الجهة المقابلة، يري فريق آخر من المحللين أن هذا الخطاب ربما تستغله حركة طالبان للضغط على المجتمع الدولي وواشنطن لسرعة الاعتراف بها، وإلا ستتحول أفغانستان إلى مركزًا للتنظيمات الإرهابية، في ظل تزايد المخاوف الغربية من تنامي نفوذ تنظيمي داعش والقاعدة وقدرتهما على تنظيم هجمات عابرة للحدود خارج أفغانستان.

• التنافس مع تنظيم داعش: بعد مقتل زعيم تنظيم داعش السابق “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي” في غارة أمريكية مطلع العام الجاري، أعلن التنظيم مبايعة “أبو الحسن الهاشمي القرشي” خلفًا له، وقال في كلمة صوتية أطلقها المتحدث الجديد باسمه “أبو عمر المهاجر”، أن الكشف عن هوية الزعيم الجديد غير متاح حاليًا، وهو ما عكس وجود مخاوف أمنية كبيرة وخللًا أمنيًا داخل بنية التنظيم دفعته إلى إخفاء هوية زعيمه. وعليه، يبعث الظهور الأخير للظواهري برسالة تفيد بأنه على عكس تنظيم داعش فإن القاعدة لديها القدرة على تأمين قادتها، وتمكينهم من الظهور بين الفينة والأخرى، رغم محاولات تعقبهم من أجهزة الاستخبارات العالمية.

• ضرب المصالح الأمريكية في جنوب آسيا: يكشف الظهور الأخير للظواهري على الهند، سعي التنظيم إلى التأكيد على استراتيجية التصدي للعدو البعيد المستهدف للولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها. فالتلويح بقيام خلايا التنظيم في الهند بشن المزيد من الهجمات، من شأنه الإضرار بأمن الحليف الرئيس لواشنطن بالمنطقة.

نخلص مما سبق إلى أن الظهور الأخير لزعيم تنظيم القاعدة “أيمن الظواهري”، يحمل في طياته جملة من الدلالات، يكمن أبرزها في تبديد شائعات وفاته التي تعاقبت منذ عام 2020، وانصباب اهتمام التنظيم بشكل كبير على الجغرافيا الهندية، وإثارة الشكوك حول إيواء حركة طالبان لعناصر القاعدة، الأمر الذي من شأنه إفشال تحركات الحركة لنيل ثقة واعتراف المجتمع الدولي. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى