مقالات رأي

الدراما الإعلامية

أثار الخلط بين الجانبين جدلًا كبيرًا، وفتح بابًا للأخذ والرد، ففي الوقت الذي يراه بعض الخبراء يقوض دور الإعلام، ويجور على مهمته الرئيسة، ويؤثر سلبا على عملية الإبداع الفني؛ يراه آخرون وسيلة منتجة وجذابة وموثقة وفعالة تصل إلى قلب وعقل الجمهور بلا استئذان، والدليل النجاح الكبير الذي وجدته الأعمال المصرية التي أنتجتها الشركة المتحدة وتمكنها من المزج بين مهمتي الدراما والإعلام بذكاء.

لم تعد عملية التداخل قاصرة على الأعمال ذات المحتوى السياسي والأمني، بل توسعت وتتناول قضايا اجتماعية متباينة من تلك التي تتردد في الخطاب الرسمي، فهناك أعمال تطرقت إلى ذوي الهمم، وبطلات مصر في الأولمبياد، وحي الأسمرات، وبعض المشروعات التنموية العملاقة التي لها علاقة بالقرى الأكثر فقرًا والريف.

جرت معالجة هذه الأعمال في سياقات درامية تحوي معلومات هدفها رفع الغطاء عن جوانب لا يعرفها كثيرون تحدث على أرض مصر، وهذه واحدة من مهام الإعلام الهادف، فمن خلال الطريقة التشويقية التي تقدم بها تضمن وصولها إلى شريحة كبيرة من الجمهور، بصرف النظر عن المستوى التعليمي والثقافي للمتلقين.

يفرض هذا التوجه تحديات على الدراما والإعلام في آن واحد. فإذا زادت المسلسلات التي تندرج في إطار الأعمال التي تبدو فيها الجرعة الإعلامية كبيرة ربما تؤثر على جودة العمل الدرامي ومتانته فنيًا، وحتى الآن لم تزد الجرعة عن الحد الذي يقلل من الدور الذي تقوم به، فكل الأعمال التي قدمت مقبولة وعلى درجة عالية من الجودة والبصيرة، خاصة مع استخدام منهج الوثائق الدامغة وعدم إعطاء فرصة للتأويل.

تمثل التسجيلات التي أذيعت بالصوت والصورة في حلقات مسلسل “الاختيار” انفرادًا وسبقًا إعلاميًا للعمل والجهة المنتجة، وفطنة ممن وقفوا خلفها، وهي واحدة من المزايا التي تتمتع بها أي وسيلة إعلامية قديمًا وحديثًا، والتي تراجعت مؤخرًا بعد أن اقتصرت مهمة الكثير من وسائل الإعلام على النقل والإثارة والتلفيق ودغدغة المشاعر جريًا وراء “التريند” الذي قلص الأهمية التي من المفترض أن يتمتع بها الإعلام.

رب ضارة نافعة، فقد تدفع الطفرة التي حققتها بعض الأعمال الدرامية هذا العام إلى استفاقة وسائل الإعلام للتخلي عن الطريقة النمطية التي تعمل بها، فإذا كانت لن تستطيع الدخول في سباق مع المسلسلات الملحمية لضعف الإمكانيات المادية، فإنها قادرة على أن تكمل هذا الدور بالجوانب التحليلية التي تحتاجها الأحداث في قضايا داخلية وخارجية، واستنباط الأفكار الواعية منها.

من يقولون إن الصحافة التي تربينا عليها انتهى عصرها ودورها أخطأوا؛ لأنهم يستسلمون إلى النظر فقط لانخفاض أرقام التوزيع، والذي يفرض تطويرًا في المضمون، وهو منحى لجأت إليه الدراما ومكنها من أن تحتل مكانة بارزة، وأصبح المسؤولون يرونها من أهم الأدوات الإعلامية في يد الدولة، فما يحدثه مسلسل واحد ربما يفوق ما تقوم به كتيبة إعلامية. 

لن تستطيع الدراما أن تقدم عملًا كل يوم أو كل شهر له شق إعلامي لامع، لكن الصحافة يمكنها أن تقدم قصة وتحليلًا أو أكثر كل ساعة، وتتم معالجتها بصورة موضوعية وتخلق منافسة حقيقية وتعيد إليها دورها.

ما تقوم به الدراما سوف يتحول إلى حافز وليس العكس، فالدولة التي تفكر في تقديم قصص واقعية هدفها التنوير ودحض الافتراءات التي يرددها البعض لن تبخل على وسائل الإعلام أو تمنعها من أن تكمل هذا الدور وتوفير الإمكانيات اللازمة.

سجلت الدراما الإعلامية العديد من الأهداف في مرمى الخصوم خلال فترة وجيزة، وشاهدت تقريرًا على إحدى المحطات العربية عن “الاختيار 3” يؤكد أن المسلسل أصاب الهدف، فقد حاولت المحطة دس السم في العسل للإيحاء بأنه غير موضوعي ويقدم سردية رسمية مبتورة، وتجاهلت أن تقريرها كان مغرضًا ولم يكن فنيًا كما زعم مقدم البرنامج، وتعمد تشويش العمل بالعزف على وتر فقدان الرواية الأخرى.

كان الناقد طارق الشناوي حصيفًا بما يكفي ولم يقع في فخ التعليق الفني على تقرير قدمته المحطة كان مسيسا بامتياز، الأمر الذي أوقع المذيع في حيرة وحاول مقاطعته أكثر من مرة للحفاظ على الأثر السلبي للتقرير الذي أذيع قبل تعليق الشناوي. 

من يتابع ردود الفعل حول هذا العمل يعلم قيمته الإعلامية ويعلم أن من يملك المعلومات وتقديم بطريقة صحيحة وفي سياقها يمكنه أن يؤثر في الآخر، فمسلسل واحد نسف الكثير من المظلوميات والسرديات التي حاولت التشكيك فيما جرى في ثورة 30 يونيو 2013، فما بالنا إذا أكملت وسائل الإعلام هذا الدور وقدمت معالجات تحليلية عميقة للأحداث، فالخبر يتبخر مجرد حدوثه بينما يبحث القارئ عما ورائه.

فتحت الدراما نافذة واسعة للإعلام الجديد والأدوات التي يستخدمها، لكن يظل الإعلام نفسه هو المسؤول عن تغيير جلده بما يتناسب مع حجم التطورات السريعة في سوقه، وما تفرضه من رؤى مبتكرة، فمعركة تشكيل الوعي واحدة من المعارك التي يخوضها كثيرون للسيطرة على الوجدان العام في أي دولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى