آسيا

تحديات مُلحة: أولويات الحكومة الباكستانية الجديدة بقيادة “شهباز شريف”

انتخب البرلمان الباكستاني يوم 11 أبريل، النائب المعارض شهباز شريف، رئيسًا جديدًا للوزراء، وذلك بعد سحب الثقة من رئيس الحكومة عمران خان، حيث حصل شريف على أغلبية بلغت 174 صوتًا في البرلمان، وهو المتغير الذي يدفع باتجاه حدوث العديد من المتغيرات في باكستان، سواءً على المستوى الداخلي، أو على مستوى السياسة الخارجية للبلاد.

فشل محاولات “خان” لعرقلة وصول “شريف” للمنصب:

حصل “شهباز شريف” زعيم حزب “الرابطة الإسلامية الباكستانية”، على 174 صوتًا في البرلمان، وذلك بعدما أعلن مرشح حزب عمران خان، وزير الخارجية السابق شاه محمود قريشي، مقاطعة عملية التصويت، وكان “حزب الإنصاف” الذي ينتمي إليه “خان” قد دعا نواب الحزب البالغ عددهم 155 نائبًا إلى التقدم باستقالات جماعية من البرلمان، احتجاجًا على ما وُصف بـ “تغيير النظام من قبل الولايات المتحدة”، لكن يبدو أن الاستجابة كانت ضعيفة لهذه الدعوة في أوساط حزب الإنصاف، خصوصًا في ضوء حالة الانقسام التي يشهدها الحزب، بعدما أعلن 20 نائبًا عن “الإنصاف” انشقاقهم وتحالفهم مع المعسكر المعارض لرئيس الوزراء الأسبق، وهي مؤشرات عكست فشل مساعي “خان” إلى إعاقة عملية اختيار رئيس الوزراء الجديد.

جدير بالذكر أن حالة “عدم الاعتراف” بالواقع الجديد في باكستان امتدت لتشمل الرئيس “عارف علوي” الذي اعتذر عن عدم تأدية شهباز شريف اليمين الدستوري أمامه بسبب “حالته الصحية”، وهو مؤشر رأته بعض التقديرات تعبيرًا عن موقف “علوي” من الحكومة الجديدة بقيادة “شهباز شريف”.

من هو شهباز شريف؟ 

رئيس الوزراء الباكستاني الجديد “محمد شهباز شريف” هو الأخ الأصغر لنواز شريف، رئيس وزراء باكستان لثلاث دورات غير متتالية، وقد كان شهباز زعيم المعارضة في الجمعية الوطنية الباكستانية منذ عام 2018، وكان قد انتُخب عضوًا في مجلس إقليم البنجاب عام 1988 وفي الجمعية الوطنية الباكستانية عام 1990. وفي عام 1997 انتُخب للمرة الأولى رئيسًا لحكومة البنجاب، المنطقة الأغنى والأكثر اكتظاظًا بالسكان في باكستان. وتسلم هذا المنصب لثلاث دورات، وقد أجرى خلالها تحسينات كبيرة في البنية التحتية في الإقليم.

وتولى شهباز شريف زعامة حزب الرابطة الإسلامية الباكستانية بعد شقيقه نواز الذي أسس الحزب، وظل شهباز رئيسا لحكومة البنجاب حتى هزيمة حزبه في الانتخابات عام 2018، والتي أوصلت عمران خان إلى السلطة، ليتزعم “شريف” بعدها صفوف المعارضة. وعلى عكس شقيقه “نواز شريف” يرتبط “شهباز شريف” بعلاقات طيبة مع مؤسسة الجيش في باكستان، والتي تعد وفق العديد من التقديرات المؤسسة الأقوى في البلاد.

أولويات “شهباز شريف” في الحكم

سوف يرث “شهباز شريف” العديد من التحديات والمشاكل التي كانت تواجه “عمران خان”، وبالتالي يمكن القول إن أبرز الملفات التي ستتصدر سلم أولويات رئيس الوزراء الباكستاني الجديد، ستكون كالتالي:

1- ستكون المهمة الأولى لرئيس الوزراء الباكستاني الجديد “شهباز شريف” هي تشكيل حكومة جديدة في باكستان، وهي الحكومة التي ستعتمد بطبيعة الحال بشكل كبير على “حزب الشعب الباكستاني” (يسار وسط)، وبشكل أقل على “جمعية علماء الإسلام” المحافظة، وربما تدفع الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها البلاد “شريف” إلى تشكيل حكومة يغلب عليها الطابع “التكنوقراطي”، بما يضمن التعاطي بشكل فعال مع ارتفاع معدل التضخم، وتراجع الروبية، وتراكم الديون.

2- في أول خطاب له عقب اختياره رئيسًا جديدًا لوزراء باكستان، اعترف “شهباز شريف” بمواجهة بلاده لأزمة اقتصادية خانقة، فقال إن “باكستان متجهة إلى أكبر عجز في الميزانية والتجارة في تاريخ البلاد”، وتعهد “شريف” بمعالجة الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى وصول الروبية إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، وإلى رفع البنك المركزي الأسبوع الماضي أسعار الفائدة بأكبر قدر منذ عقود، مشيرًا إلى أنه سيعتمد في ذلك على “العمل الجاد والوحدة”. وذلك في خطاب سياسي يعكس محاولة شريف حشد جهود الاتجاهات السياسية الباكستانية لمواجهة التحركات المحتملة لـ “عمران خان” والتي تستهدف إفشال الحكومة الجديدة.

جدير بالذكر أن معدل التضخم في باكستان بلغ أكثر من 12%، والديون الخارجية وصلت إلى 130 مليار دولار أو 43% من الناتج المحلي الإجمالي، والروبية وصلت إلى 190 مقابل الدولار، بفقدان قرابة ثلث قيمتها منذ تولي خان السلطة، وهي مؤشرات تجعل من الملف الاقتصادي ذا أولوية بالنسبة للحكومة الجديدة، مع خيارات تحرك محدودة، خصوصًا في ضوء وضع باكستان على منظار مجموعة العمل المالي الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

3- ركز “شهباز شريف” في خطابه الأول على ملف السياسة الخارجية للبلاد؛ إذ أشار إلى أنه سيسعى إلى فتح صفحة جديدة مع الهند، وحل أزمة إقليم كشمير، المتنازع عليه بين البلدين الجارين، ووجه دعوة إلى نظيره الهندي لحل نزاع كشمير، والعمل من أجل القضاء على الفقر في البلدين، وفي السياق ذاته دعا “شريف” إلى تبني علاقات بناءة مع الولايات المتحدة، وأكد أن باكستان ستسعى إلى “تعزيز العلاقات الثنائية مع الإمارات وإيران وتركيا والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة”.

وهو ما يعكس أن “شريف” سوف يسعى إلى إعادة هيكلة السياسة الخارجية للبلاد، بما يضمن إعادة بناء التحالفات القديمة لباكستان، وإصلاح العلاقات التي توترت مع هذه الدول في حقبة “عمران خان”، خصوصًا وأن هذا التوجه يتفق ورؤية المؤسسة العسكرية، التي أعلن قائدها الجنرال قمر جاويد باجوا، الأسبوع الماضي، أن العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة تبقى ضمن أولويات باكستان.

4- تواجه الحكومة الباكستانية الجديدة تحديات أمنية لا تقل في خطورتها على باكستان عن التحدي الاقتصادي، وترتبط التحديات الأمنية لباكستان بشكل رئيس باعتبارين: الأول، هو صعود حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان وما صاحب هذا الصعود من تداعيات وقلاقل أمنية، أما الاعتبار الثاني فيرتبط بتوجه محتمل من حركة طالبان فرع باكستان للتصعيد، حيث هددت الحركة في أكثر من مناسبة بشن هجمات دامية على القوات الحكومية في شهر رمضان، فضلًا عن أن الآلاف من عناصر الحركة يتمركزون في الحدود الأفغانية – الباكستانية، ومن ثم يمثل هؤلاء قنبلة موقوتة بالنسبة لباكستان قد تنفجر في أي لحظة، خصوصًا حال طردهم من أفغانستان.

وختامًا يمكن القول، إن ملفات الأزمة الاقتصادية، وإعادة بناء التحالفات الخارجية، ومواجهة التهديدات الأمنية، سوف تتصدر سلم أولويات الحكومة الباكستانية الجديدة بقيادة “شهباز شريف”، لكن مدى قدرة الحكومة الجديدة على التعاطي الفعال مع هذه التحديات سوف يكون مرهونًا بشكل رئيس بمحددات داخلية، خصوصًا مع التحركات المحتملة لـ “عمران خان” الذي سيقود المعارضة لإفشال الحكومة الجديدة، وهي التحركات التي ستعتمد بشكل رئيس على التصعيد الميداني والحشد الجماهيري، فضلًا عن التصعيد القضائي وتوظيف اتهامات الفساد التي تلاحق “شهباز شريف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى