الأزمة الأوكرانية

بعد إعلان روسيا تدميرها: قراءة في رسائل الغرب وراء صفقة “إس-300” السلوفاكية

لم تكد تمضي أيام على إعلان رئيس الوزراء السلوفاكي، “إدوارد هيجر”، الجمعة 8 أبريل، أن بلاده قد قامت بالفعل بمد أوكرانيا بمنظومة الدفاع الجوي “إس-300”. حتى خرجت وزارة الدفاع الروسية، 11 أبريل، معلنة عن نجاح تدمير المنظومة بالكامل. وبغض النظر عن مصداقية الإعلان الروسي بتدمير المنظومة من عدمه، إلا أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها سلوفاكيا، كانت كفيلة بإضفاء المزيد من التعقيد على المشهد المأزوم برمته بالفعل. خاصة مع ذكر، أن سلوفاكيا ليست الوحيدة التي فعلت الأمر نفسه وعكفت على إمداد أوكرانيا بأسلحة سوفيتية أو روسية الصُنع، كاستجابة للمساعي الغربية بقيادة أمريكية. 

فقد كانت جمهورية التشيك، على سبيل المثال هي أول من نقل الدبابات السوفيتية إلى أوكرانيا في أواخر يناير من العام الجاري. عندما نقلت براغ عربات مشاة قتالية بالإضافة إلى الدبابات السوفيتية التي يعرف الجنود الأوكرانيون بالفعل كيفية استخدامها. وإجمالًا، نرى أن طريقة الدعم العسكري الذي يقدمه الغرب لأوكرانيا يستوجب الوقوف على محاولة لتقديم قراءة في دلالات المشهد والرسائل التي يبعثها الغرب من وراء العمليات التي تستهدف تسليح أوكرانيا بأسلحة سوفيتية أو روسية الصنع.  

تذكرة الغرب في رحلة الذهاب والعودة من كييف: ما بين تسليح فعلي ومطالبات بالتسليح

أعلن رئيس وزراء سلوفاكيا، “إدوارد هيجر”، الجمعة 8 أبريل، عن أن بلاده قد قامت بالفعل بمد أوكرانيا بمنظومة الدفاع الجوي “إس-300”. مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه قد أعيد بالفعل نشر منظومة الدفاع الجوي على الأراضي الأوكرانية في أقصى درجات السرية. حيث صرح “هيجر”، “إن الشعب الأوكراني يدافع بشجاعة عن بلاده ذات السيادة وعننا أيضًا”. وأضاف، “من واجبنا المساعدة”.

وكان الرئيس الأوكراني، “فلاديمير زيلينسكي”، لا يتورع منذ بدايات اندلاع الأزمة، أواخر فبراير من العام الجاري، عن تكرار نداءاته للغرب طلبًا في إرسال مساعدات عسكرية واضحة وصريحة إلى أوكرانيا. حتى بلغت هذه المطالبات إلى حد قيامه، في أحيان كثيرة، باستهجان ونقد التقاعس الغربي الذي لا يقدر على فرض حظر طيران فوق السماء الأوكرانية. مثال على ذلك، تصريحه الشهير في نهاية شهر مارس، عندما قال زيلينسكي، “إنه بينما كانت الأعمال العدائية مستمرة، واصلت الدول الغرب لعب كرة الطاولة مع بعضها البعض في محاولة لتحديد من وكيف سيتم نقل الطائرات والمعدات الدفاعية إلى أوكرانيا”. 

من ناحية أخرى، استمر الغرب على إصراره بعدم تدخل الناتو صراحة في الصراع معللين ذلك بأنه سيقود العالم إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة. واتجه الغرب بدلًا عن ذلك نحو توفير إمدادات عسكرية على هيئة معدات أو دعم استشاري عسكري لأوكرانيا. 

وبتاريخ 5 أبريل، أعلن الأمين العام لحلف الناتو، “ينس ستولتنبرج”، إن أعضاء حلف الناتو قد يكون لديهم الوقت لإعادة تجهيز القوات المسلحة الأوكرانية في المستقبل القريب، بينما تُعيد القوات الروسية تجميع صفوفها مرة أخرى. مؤكدًا أن دول الناتو ستناقش السبل المثلى لتقديم المساعدة العسكرية لأوكرانيا من دون إرسال قوات أو طائرات الناتو إلى أوكرانيا، منعًا لنشوب حرب مباشرة مع روسيا. جاء ذلك بعد تصريحات كان قد أدلى بها الرئيس الأوكراني، “فلاديمير زيلينسكي”، مطالبًا حلف الناتو بمساعدة ولو قليلة، حيث قال “إن كييف تطلب من دول الناتو 1% من دباباتها”. 

من ناحية أخرى، يوجد هناك أيضًا مساعدات قدمتها الولايات المتحدة لأوكرانيا. تلك تتمثل في محاولات واشنطن الدؤوبة لإقناع أنقرة بنقل منظومة “إس-400” المتطورة روسية الصنع للأراضي الأوكرانية. وهي المحاولات التي لم تلقى قبولًا لتركيا، لكنها أسفرت من ناحية أخرى على إقناع سلوفاكيا بقبول فكرة نقل منظومتها من طراز “إس-300” الأخير إلى أوكرانيا. وهي الصفقة التي لم تلقى قبولًا بدورها لدى سلوفاكيا إلا بعد تأكد الأخيرة من أنها ستحصل على شيء آخر من الغرب مقابل موافقتها. ثم قامت سلوفاكيا بعد ذلك، بالاتفاق مع هولندا وألمانيا، بالموافقة على التخلي عن منظومتها الروسية مقابل الحصول على صواريخ “باتريوت” التي ستنقل إليها من الدولتان الأوروبيتان، على أن تدخل هذه الصواريخ المضادة للطائرات إلى الخدمة بحلول منتصف أبريل. 

من الجدير بالذكر أيضًا، أن قائمة الجهود التي بذلتها واشنطن من الناحية العسكرية لأجل مساعدة أوكرانيا. لم تشتمل فقط على محاولات إقناع دول سابقة في الاتحاد السوفيتي، أو دولًا سبق لها وأن اشترت أسلحة ومنظومات دفاعية روسية على نقل هذه الأسلحة إلى أوكرانيا مقابل وعود بصفقات أخرى غربية فحسب. لكن يذكر أن واشنطن، ومنذ بداية الحرب في أواخر فبراير، قد نجحت في حشد كميات هائلة من الأسلحة المتنوعة وأرسلتها بالفعل إلى أوكرانيا. 

فبتاريخ 24 مارس، بدأت وكالات الأنباء العالمية في نقل تفاصيل قوائم الأسلحة الأمريكية أو المُرسلة إلى أوكرانيا بإيعاز أمريكي. وكان من الملاحظ أن منظومة “إس-300” وردت على القائمة التي اشتملت على كميات بلغت بحلول نهاية شهر مارس، نحو 17 ألف صاروخ جافلين ذاتي التوجيه، ونحو عشرين مليون طلقة وقذيفة، و100 نظام جوي تكتيكي بدون طيار، و800 نظام “ستينجر” مضاد للطائرات بعيدة المدى. وبوجه عام، من الممكن القول إن الغرب قدم خلال هذه الحرب مساعدات عسكرية تقدم بمليارات الدولارات، تركزت على معدات محددة، مما تسبب بحدوث نقص في المخزون الاستراتيجي بمستودعات جيوش هذه البلدان، مثل النقص الذي واجهته الولايات المتحدة والغرب في مخزون صواريخ جافلين ونظام ستيجنر. 

نظرة تحليلية في دلالات المشهد

يستلزم المشهد الراهن ضرورة طرح سؤال، حول السبب وراء المساعي الغربية –الأمريكية على وجه الخصوص- لأجل إقناع بعض الدول بنقل أسلحة سوفيتية أو روسية الصنع إلى أوكرانيا؟! بمعنى آخر، ما السبب الذي يدفع الغرب لإقناع سلوفاكيا –على سبيل المثال- بنقل منظومتها إلى أوكرانيا مقابل تلقيها لصواريخ “باتريوت” المضادة للطائرات؟! لماذا لم يُرسل الغرب صواريخ “باتريوت” إلى أوكرانيا مباشرة؟! 

للرد على كل ما سبق، نبدأ من عند تفسير كلمة “نيران صديقة”، وهي كلمة تعني من الناحية العسكرية أن وحدة عسكرية تقوم بإصابة أحد أفرادها أثناء القتال، أو تستهدف أحد معداتها، أو تُهاجم نفسها في صفوفها، وما إلى آخره. وفي هذا الإطار، من الممكن أن نتفهم طبيعة المساعي الأمريكية لنقل أسلحة سوفيتية إلى جبهة القتال مع روسيا. خاصة مع الأخذ في عين الاعتبار، أن الجيش الأوكراني، بالأساس، مُدرب على هذه الأنواع من الأسلحة. على خلاف نظيرتها الغربية الصنع التي من المؤكد أنها تحتوي على أنظمة معقدة قد تستلزم معها وقتًا إضافيًا لأجل إعادة التدريب مرة أخرى. وهو الأمر الذي تؤكده أدنى معاينة في طبيعة الأسلحة الأمريكية المرسلة لأوكرانيا على سبيل المثال، وجميعها تتميز بأنها أسلحة خفيفة يسهل حملها ويسهل استخدامها وليست بحاجة لتدريبات على أنظمتها المعقدة. 

عند هذه النقطة، نجد أن أي أسلحة روسية الصنع ومتطورة ستنقل إلى يد أفراد الجيش الأوكراني، من المؤكد أنها ستتسبب في تشتيت الجانب الروسي وإفقاده توازنه. خاصة، مع وجود تشابه كبير بين أفراد الجيشين، وبين معدات الجيشين، لذلك رأى الغرب أنه سيكون من المفيد للغاية التسبب بهذا النوع من الارتباك لدى القيادة العسكرية الروسية، التي ربما ستخشى أن يتجرع الطاه من نفس السُم وأن تُصاب طائراتها بنفس المنظومات الدفاعية المتطورة التي سبق أن صنعتها وروجت لها هي بنفسها. 

من ناحية أخرى، قد يكون إعلان وزارة الدفاع الروسية بتدميرها لمنظومة “إس-300” التي وصلت مؤخرًا إلى أوكرانيا، دلالة بارزة على نجاح الجيش الروسي على الأرض. غير أن هذا النجاح يظل من غير الممكن التحقق منه، بنفس الطريقة، التي يظل معها من غير الممكن التحقق من صحة الكثير من الأنباء والمعلومات الواردة من الحرب. مثال دامغ على هذا التضارب، هو أن الإعلان السلوفاكي بنقل منظومة “إس-300” إلى أوكرانيا اشتمل على عبارة تفيد بأنه قد تم بالفعل نشر هذه المنظومة هناك. من ناحية أخرى، اشتمل إعلان وزارة الدفاع الروسية بشأن تدميرها، على ما يفيد بأن المنظومة كانت مخبأة في حظيرة طائرات في ضواحي مدينة دنيبرو الأوكرانية. 

ومن هذا المنطلق، يطرح تساؤل مستمر نفسه، أيهما صادق وأيهما يشن فقط حرب إعلامية ومعلوماتية. كيف تقول سلوفاكيا أن المنظومة تم نشرها بالفعل بينما تعلن روسيا أنه تم تدميرها بينما كانت مخبأة في مكان واحد فقط؟! من المؤكد أن أحدهما صادق، لكن أيهما، هذا شيء يبقى رهينة للوقت. وبوجه عام، من الأجدر بالقول إن التضارب يُعد هو الملمح الأبرز لكل ما يتعلق بهذه الحرب من معلومات وبيانات إعلامية منذ بداياتها. ففي كل يوم، يخرج علينا الإعلام الروسي والغربي حاملًا مئات العناوين، التي تتضارب وتختلف، ما بين كل الأطراف التي تؤكد فوزها وهزيمة الجانب الآخر. لذلك، يظل الوقت وحده في النهاية هو العنصر الكفيل بإماطة اللثام عن هوية الذي خرج من الحرب منتصرًا. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى