مصر

المجتمع المدني: نحو حوكمة جهود التنمية

انتبهت القيادة السياسية في الجمهورية الجديدة لأهمية منظمات المجتمع المدني في صنع السياسات العامة المستنيرة، إذ أنها تلعب دورًا رئيسًا كوسيط بين المواطنين من جهة، من خلال الاتصال المستمر مع المواطنين بما في ذلك الفئات المهمشة أو الضعيفة، ومنحهم دورًا رئيسيًا في الحوار المدني وتمكين المواطنين البعيدين عن المشاركة من التعبير عن احتياجاتهم ومخاوفهم؛ والحكومة من جهة أخرى، من خلال الحوار المنظم ذات المغزى في صنع القرار.

إذ تثمن الدولة المصرية وعلى رأسها القيادة السياسية على الدور الحيوي للمجتمع المدني في تعزيز الحقوق والحريات، وتحث على تكوين الجمعيات من أجل مجتمع مدني قوي نابض بالحياة، فنجد الدولة المصرية قد أعلنت عام 2022 عام “المجتمع المدني” وتعكف على خلق ظروف مواتية لتعزيز المجتمع المدني، في ظل ظروف عالمية أثرت بشكل سلبي على مساحات المجتمع المدني في معظم أنحاء العالم، إذ نجد البرلمان الأوروبي يعلن في مارس 2022 تقلص مساحة المجتمع المدني في أوروبا بشكل متزايد، ويقدم ملاحظات حول الانكماش العام لمجال المجتمع المدني في بعض دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمثل تهديدًا خطيرًا لسيادة القانون والديمقراطية والحقوق الأساسية.

وقد وجدت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية في عام 2020، أن 57٪ من منظمات المجتمع المدني الوطنية والمحلية في الاتحاد الأوروبي قالت: “أن الوضع تدهور، أو تدهور بشكل كبير”، مقارنة بالسنوات السابقة، لا سيما في سياق جائحة فيروس كورونا؛ وعلى جانب معاكس نجد الدولة المصرية تسعى لتعزيز مساحات المجتمع المدني في مصر؛ حيث تأمل الإدارة المصرية في وجود مجتمع مدني قوي يعمل على حماية الحقوق والحريات، وتوفير الخدمات الأساسية للأغلبية، ويكون حاضنًا للمشكلات التي لم تتمكن الدولة من الوصول إليها، حيث يمتاز المجتمع المدني باللامركزية، مما يساعد الدولة على تحقيق رفع جودة الحياة للمواطنين في كافة أرجاء الجمهورية. 

إعادة تموضع المجتمع المدني

لا يمكن أن ينشط المجتمع المدني إلا في دولة مستقلة ومستقرة وآمنة؛ فجدير بالذكر انتماء وتورط عدد من مؤسسات المجتمع المدني الخيرية والدينية عقب 2011 في دعم الإرهاب الذي استهدف البلاد أبان أحداث 2011 وما بعدها، بالإضافة لكون بعضهم أداة للتدخل الأجنبي، لتحقيق مكاسب سياسية غير وطنية، كما أن توصيف واقع المجتمع المدني طيلة سنوات مضت هو العمل بمعزل عن خطط التنمية بالدولة، وارتكاز الكثير من مؤسسات المجتمع المدني في المدن وغيابها عن القرى والمناطق الأكثر احتياجًا. 

إلى أن جاءت الجمهورية الجديدة برؤى استباقية وتخطيط استراتيجي بعيد المدى؛ فوجدنا تنسيق جاد بين أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني لتنظيم العمل الخيري في مصر، وتثمين القيادة السياسية لدور المجتمع المدني، حيث ترى “المجتمع المدني كشريك أساسي مهم في عملية تعزيز وحماية حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونشر الوعي بحقوق الإنسان في المجتمع ونشر ثقافة العمل التطوعي، والإسهام في جهود مكافحة التطرف والتوجهات المناهضة لقيم مجتمعنا المصري”.

فعملت الدولة المصرية على خروج “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، التي تَشارك في إعدادها كافة منظمات المجتمع المدني، والتي تضمنت زيادة التنسيق والتكامل بين ثالوث التنمية “الحكومة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص” بالإضافة للجهات المانحة، وتوعية الجمعيات الأهلية بالأبعاد التنموية وفقا لرؤية مصر ۲۰۳۰، وتعزيز التواصل بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان، إلى جانب تعزيز ثقافة العمل التطوعي والمشاركة المجتمعية، وتنمية القدرات الموسمية للجمعيات الأهلية، وعقد برامج تدريبية لتعزيز الثقافة المجتمعية بمبادئ وقيم حقوق الإنسان والتوعية بقضايا آخري تهم الوطن والمواطن. وإعلان القيادة السياسية عام 2022 عام “المجتمع المدني”، ثم بعد ذلك أعلن عن “التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي”.

التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي

التحالف الوطني للعمل الأهلي.. تعظيم دور المجتمع المدني لتحسين حياة المواطن  المصري

وسعيًا لدعم مبادي الديمقراطية بالتنمية عن طريق توحيد الجهود والتنسيق والتعاون المستمر بين المؤسسات الجمعيات الأهلية، بعد معاناة المجتمع المدني من العشوائية، وغياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي؛ تم توقيع ميثاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، في ١٣ مارس ٢٠٢٢، من خلال التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسة حياة كريمة. 

وانضم إلى التحالف حتى الآن 24 مؤسسة وجمعية أهلية تختص بالعمل المدني، حيث وضعت المؤسسات والجمعيات الأهلية مجتمعة، اللبنة الأولي للتحالف، وما زالت ترحب بانضمام العديد من المؤسسات والهيئات بعد توفيق أوضاعهم لتوحيد الجهود؛ بحيث يتم تكوين قاعدة بيانات موحدة تعمل عليها جميع المؤسسات في التحالف، لضمان عدم تكرار المساعدات ووصولها لمستحقيها، في ظل وجود مشروعات قومية في الدولة وعلى رأسها المشروع القومي التنموي “حياة كريمة” الذي وحد جهود التنمية تحت مظلته.

ونتيجة دمج الجهود بين الجهات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني تراجعت معدلات الفقر في مصر من 32.5 % في عام 2017/2018 إلى 29.7 % في العام 2019/2020، وهي المرة الأولى التي تنخفض فيها معدلات الفقر منذ 20 عامًا، وفقًا لتقرير التنمية البشرية 2021، والذي يعد أحد أهم التقارير الدولية التي ترصد وضع التنمية البشرية على مستوى العالم.

وإلى جانب الجهود الحكومية؛ شاركت الجمعيات الأهلية في المبادرات الرئاسية مثل 100 مليون صحة، وفى التوعية والمساعدات والتجهيزات وفتح مقار للمبادرات وضخ بعض التمويلات، وتمت المشاركة في مبادرة سكن كريم، كما أسهمت بـ 200 مليون جنيه لتوفير السكن في أكثر من 5 محافظات بالصعيد. كما أن نسبة مساهمة المجتمع المدني في القضاء على الفقر تخطت 5 مليارات جنيه سنويًا أثناء جائحة كورونا. علاوة على استجابت منظمات المجتمع المدني بسرعة بالدعم المادي والعيني في الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا جراء تأثر الوضع الاقتصادي نتيجة تداعيات الأزمة الروسية الأوكرانية.

الإطار التشريعي للمجتمع المدني

إن الهدف السادس من أهداف أجندة التنمية المستدامة 2030؛ هو حوكمة مؤسسات الدولة والمجتمع، حيث تحقق حوكمة مؤسسات الدولة والمجتمع الكفاءة والفاعلية لأجهزة الدولة الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، لذا فرؤية مصر للمستقبل تضع الحوكمة والالتزام بالقوانين والقواعد والإجراءات في ظل سيادة القانون وإطار مؤسسي ضرورة لتحقيق الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد.

وفي عام 2017 تم اقرار القانون رقم (70) لسنة 2017؛ وأدى إلى حالة من التخبط نتيجة بعض المواد التي يتضمنها وطالبت منظمات المجتمع المدني بعدم تفعيله وإعادة النظر فيه، وكان القانون محور نقاش في منتدى شباب العالم عام 2018، حيث استجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لمطالب المجتمع المدني وأعلن عدم تفعيل هذا القانون وفتح حوار مجتمعي لإعداد قانون يشارك فيه الجمعيات والمؤسسات الأهلية والشباب وتم الانتهاء من قانون (149) لسنة 2019 الذي جاءت بنوده متوافقة مع نص دستور 2014 في المادة (75) والتي تقر على أن “للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية ويكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار. 

وبهذا فقد جاءت التشريعات داعمة لمنظمات المجتمع المدني والعمل الأهلي، حيث يحقق قانون (149) لسنة 2019 بشأن تنظيم العمل الأهلي، عددًا من المكاسب الهامة تتمثل بالأساس في معالجة الإشكاليات القانونية والدستورية التي صاحبت عملية تشريع وإصدار قانون (70) لسنة 2017، ومنها السماح بتأسيس الجمعيات الأهلية بمجرد الإخطار، والسماح للأجانب بعضوية الجمعيات الأهلية المصرية بنسبة 25% من مجموع أعضائها، وإيجاد اطار أفضل لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية في مصر، فضلًا عن إجازته للجاليات الأجنبية إنشاء جمعية تعني بشئون أعضائها، وإعادة الاختصاص بالرقابة على الجمعيات لأجهزة الوزارة، والسماح بالحصول على التمويل الأجنبي بشرط إخطار السلطات وعدم انتهاك المنظمة أيًا من القوانين القائمة، وإلغاء عقوبة الحبس والعقوبات السالبة للحريات عند مخالفة أحكامه والاكتفاء بالغرامات المالية. 

ولم يقف الأمر عند صدور قانون (149) لسنة 2019، ولكن في خطة تعد نقلة نوعية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني على أساس من الثقة المتبادلة بين الطرفين، ودعم خطط التنمية المستقبلية، تم خلال الأسابيع الماضية موافقة مجلس النواب من حيث المبدأ على مشروع قانون مُقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم (149) لسنة 2019.

ويهدف مشروع القانون إلى تعديل بعض أحكام القانون رقم (149) لسنة 2019 بإصدار قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي، إلى منح جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية وغيرها من المنظمات والكيانات الخاضعة لإحكام قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي المشار اليه “مهلة مؤقتة إضافية لتوفيق الأوضاع”، لمنح الفرصة كاملة لمؤسسات المجتمع الأهلي للتمتع بكافة ما تضمنه القانون من مزايا وتسهيلات، وعدم حرمانها من تلك المزايا والتسهيلات.

حيث إن اللائحة التنفيذية كانت قد صدرت بتاريخ 11 من يناير سنة 2021، وبدأ العمل بها في اليوم التالي للنشر مما يستتبع أن تنتهي مهلة توفيق أوضاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية الخاضعة لأحكام القانون رقم (149) لسنة 2019 في تاريخ 11 يناير 2022.

وختامًا؛ يتضح أن المجتمع المدني في مصر الآن قادر على العمل في وجود بيئة قانونية وسياسية تمكينية؛ وأن الدور المفترض أن تلعبه منظمات المجتمع المدني هو دور هام في توضيح التطلعات الموجودة في المجتمع، وإعطاء صوت للضعفاء والمهمشين، وضمان الوصول إلى الخدمات الهامة، وتوفير الخبرة في صنع السياسات، وتعزيز المواطنة النشطة، لذلك، فإن الفضاء المدني هو عنصر لا يتجزأ من الديمقراطية، وسيادة القانون والحقوق الأساسية. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى